«غلط في غلط».. الواقع العربي في قالب ساخر

355

كانت فترة الثمانينات من القرن الماضي، مليئة بالأحداث والمتغيرات في مختلف أنحاء الوطن العربي، وكنتيجة مباشرة لهذه التحولات فقد برز العديد من المسرحيات العربية التي عالجت هذا الواقع، وقد التقط المسرح الإماراتي عبر عدة أعمال مجموعة الإشارات والرموز والآثار الناتجة عن هذه التحولات على الصعيدين المحلي والعربي العام.تبرز مسرحية «غلط في غلط»، التي قدمتها فرقة مسرح الفجيرة القومي للشباب في الثامن من ديسمبر/‏كانون الأول 1983، وهي من تأليف سليمان الجاسم وإخراج عبدالله المناعي.

«غلط في غلط» تتعرض لقضايا عربية في قالب كوميدي ساخر، وتستخدم لوحات من الشعر الذي شارك فيه أحمد راشد ثاني، وسليمان الجاسم، أمّا ديكور المسرحية فقد صممه عبدالكريم عوض.
المسرحية تعالج الواقع العربي بشكل عام، ولأن هذا الواقع متشعب ومتفرع ومتشابك، ولأن مشاكله من الكثرة بمكان فقد سار النص في طرح العديد من المواضيع والشعارات خلال فترة العرض التي امتدت إلى أكثر من ثلاث ساعات.
يبدأ العرض بدخول عنترة بن شداد يفتش عن شيبوب، وهو يخلط بين الفصحى والعامية ويتحاور مع أحد الأشخاص شارحاً كيفية مجيئه وبعض الأمور السياسية والبطولات العربية، ثم يبدأ المشهد الأول بمجموعة المنشدين مع حركات إيقاعية وأنغام خليجية، ويرافق هذا المشهد حوار يغلب عليه الطابع الكوميدي فتبرز أكثر من قضية ويرفع أكثر من شعار بين قومية الطروحات ومحليتها. أما المشهد الثاني فيعالج الجانب الاقتصادي وتأثيراته، فيصور الأسواق المالية وتلاعب التجار، والأسهم والبنوك، ومحاولات الغشاشين استغلال طيبة الناس وانعدام الثقة في التعامل.
في المشهد الثالث يختلف صيادو السمك فيما بينهم، الأمر الذي يعطي الفرصة لأحد المستغلين بالتدخل وتسعير حدة الخلاف، في حوار مشبع بالطروحات السياسية ومشاهد رمزية، وتستمر الخلافات بين الصيادين حول الكمية الموزعة لكل طرف، وتضارب الأسعار واختلاف معدلات الصيد والتصدير، وكما يحدث في سوق الاحتكار المالية العالمية فإن الرجل يبني برادات كبيرة لتخزين الأسماك ليتلاعب بأسعار السمك.
ويبدأ المشهد الرابع بنشيد على إيقاعات المارشالات العسكرية: امتحان امتحان يكرم المرء أو يهان/‏ والمراقب لا يعاتب من يشاغب/‏ قل له من راقب الناس مات هماً/‏ امتحان.. يا عرب.
ويعالج هذا المشهد الواقع العربي، فيمر على مباحثات السلام ومذبحة صبرا وشاتيلا ومواضيع شتى، ثم تعود الجوقة لتغني مقطعاً ساخراً آخر: وطني العربي وطني الأكبر/‏ يوم على يوم أمجادك تصغر.
وكان المشهد الخامس والأخير قمة في انتقاد الظواهر الاجتماعية السيئة بشكل كاريكاتوري، وأخيراً فإن عنتر ينهي المسرحية كما بدأها بحثاً عن شيبوب الذي ألقي القبض عليه مخموراً في أحد الفنادق، ومن ثم يظهر المشهد الختامي للفرقة بدخولهم على أنغام أغنية تقول: غلط في غلط/‏ قانونو واختلط/‏ واجه أمر الغلط/‏ وصار كلبلط/‏ وين ما تروح اليوم ما تلاقي عرب/‏ كل سوق وكل دكان بتشوف العجب.
«غلط في غلط» تجربة مميزة أعطت صورة صادقة عما يدور في الساحات العربية، ودلت على حس مرهف للكاتب وقدرة على نقل المعاناة وعكس الواقع بكل تفاصيله، كما تميز جهد الممثلين بالكفاءة العالية من خلال أداء جماعي متناغم ومنسجم ومتآلف يظهر فيه تعاون الفريق مع المخرج، حيث أسهم الممثلون في إبراز العرض وإنجاحه.

الشارقة غيث خوري:

http://www.alkhaleej.ae/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.