(عين) مسرحية «يا رب» تجسيد لآلام الأمهات العراقيات – العراق

تطرح مسرحية «يا رب» واقع العراق المرير. نظرة دينية جريئة لأزمة وطن، أصبح فيه العنف والألم واليأس، هوية يومية. فكان هذا العمل بمثابة تصوير للواقع، على خشبة المسرح الوطني في بغداد.
يركز العملا على تناول مأساة الأمهات العراقيات المفجوعات بفقدان أولادهن جراء القتل اليومي المتواصل في العراق، من خلال تكليف الأمهات بتحديد الأم (الممثلة سهى سالم) بتقديم طلب إلى الخالق سبحانه وتعالى من أجل وقف دوامة العنف في العراق، وإعادة الأبناء الأعزاء المفقودين، وقيام النبي موسى بدور المفاوض مع الأم.
وشكل الطرح الجريء في حوار الأم مع النبي موسى، صرخة لإيقاف العنف الذي أودى بحياة الأبناء وفجع الأمهات بفقدان الأبناء الأعزاء، حيث تطلب الأم من الخالق أن يوقف العنف في شوارع العراق خلال 24 ساعة، أو تتوقف الأمهات عن الصلاة والدعاء إلى الله. وتقول الأم: «نريد أبناءنا أن يكبروا لا أن يتقطعوا أشلاء، وتتوسل أن يصلوا ولو إلى أعمار الخمسين». ويظهر موسى (الممثل فلاح إبراهيم) وعصاه ليؤكد أنه مرسل من الله للتفاوض مع الأم حول مطالبها، حيث يدور بينهما حوار تؤكد فيه الأم على شروطها بطلب الرحمة ووقف العنف وضياع الأبناء، أو الامتناع عن الصلاة والدعاء، وتقول الأم: «إننا لا نريد الجنة تحت أقدامنا بل دعوا أبناءنا يعيشون معنا».
ولكن موسى يحذر الأم من أن هذا الطرح هو تمرد.. والتمرد مرفوض، والوادي مراقب بالكاميرات وأن البحر سيبتلعكم إذا تمردتم! وتطلب الأم أن يمارس الخالق قدراته في «كن فيكون» أو من موسى أن يحرك عصاه لحل المشكلة، ولكنه يقول إنه «نبي مرتبك لأن هذا البلد يحتاج إلى معجزة لإنقاذه، وأن عصاه تعجز عن فعل شيء لأن الزمن أكل عليها، وأن أحداث العالم أكبر من قدرتها»، مشيرا إلى «أن الحوت الذي ابتلع النبي يونس يعتبر لا شيء أمام الحيتان التي أكلت ابناءنا» وليقرر في النهاية عدم العودة إلى الجنة والبقاء في الأرض مع مأساة العباد.
ويؤكد مؤلف العمل علي عبد النبي الزيدي لـ«القدس العربي»، إن الهدف من الجرأة في طرح المسألة الدينية لحل نكبة العراق من خلال طرح الأسئلة والحوار غير التقليدي، هو إطلاق صرخة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خلال طرح الأسئلة غير التقليدية وإيصالها إلى المتلقي، وربما إلى الخالق، مؤكدا أننا أمام واقع مرير ينزف يوميا منذ زمن طويل ومتلق خطير نحاول أن نطرح له القضية من زوايا جديدة وأن نحاول أن نجد حلولا لها بطريقة مختلفة.
وأشار الزيدي إلى أن العرض يستفز الآخر لأنه يتحدث عن المعتقدات الدينية والمقدس في حياته، وأنا لست متمردا وليس القصد هو طرح أسئلة خارج السياق، بل نتناول وقائع يومية في حياتنا من خلال أسئلة لا يتوقعها، لكسر حدة المتوقع.
وأضاف الكاتب، إن «في النص احتداما عاطفيا مع المقدس، وإثارة الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات، لا أنتظر إجابات محددة من المقدس بقدر ما أريد تهديم تلك الجدران العالية جدا وعقد حوار إنساني مع الخالق العظيم مثل الكثير من الحوارات التي جاءت في القرآن بين الله والمخلوقات عن طريق الأنبياء».
أما مخرج العرض الشاب مصطفى ستار الركابي، فذكر للصحيفة، أن المسرحية محاولة لمواجهة الأزمة بهدوء تام رغم الألم الذي أصبح واقعا يوميا في حياتنا الذي أردنا التعبير عنه بطريقة مغايرة، مشيرا إلى أن الإنسان العراقي يعيش في مكان صاخب إلى حد عجيب جعل البرود والاستسلام يفرض نفسه بعد الحزن والانفعال، مؤكدا أنه أول عرض له في العاصمة العراقية.
وكان التصفيق الحاد من جمهور المسرحية في نهاية العرض والتفافهم حول الممثلين والكاتب والمخرج، هو مؤشر تقدير لعمل ناجح ومميز في الطرح ومحاولة لمعالجة معاناة الإنسان العراقي عموما والأمهات المفجوعات بابنائهن، من خلال طرح جديد في النظر إلى جنون العنف المتواصل في المشهد اليومي للعراق وربما أماكن أخرى.

مصطفى العبيدي
(القدس العربي)

عن عبد الجبار خمران

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.