(عين) فعالية تدمج فن الشارع بالموسيقى والسينما في الهواء الطلق – لبنان

بعض شوارع بيروت لها جاذبية وسحر خاص، على الرغم من غضب المقيمين فيها من آلية حياة تتلاشى بفعل عوامل شتّى. هو شارع الحمرا الصغير، لكنه يؤدي وظائف كبرى، ثقافيا واجتماعياً. صيت هذا الشارع باستقطابه للثقافة والفن، للكتب ودور النشر، لدور السينما والمسارح، وكذلك المصارف. شارع يجتهد للتمسك بدوره، ومساحة مقاومته الذاتية ظاهرة.
وبشكل عفوي، دبت «أحلى فوضى» فيه، ضمن فعاليات مهرجان بدأ من العاشرة صباحاً وحتى منتصف الليل، يوم طويل تمازجت فيه نكهات الموسيقى، وألوان الرسم، والكتب مع ألوان من الطعام الشرقي والغربي. بحدود 120 متطوعاً من جمعية أحلى فوضى، أشرفوا على الحدث. اختلطت الثقافة وتنوعت، فكانت بالعين، الفكر، الأذن، الإحساس والمعدة كتحصيل حاصل. كان شارعاً متحرراً من ضوضاء السيارات وتلوثها. صخب الشارع الذي زاره خلال ساعات «أحد الفوضى» ما يزيد على 60 ألفاً، بدأ من مقهى «الكوستا»، وانتهى عند أبو طالب. استقبل الوافدين بعزف حي على البيانو الذي انتصب بأبهة مبعداً السيارات.

تجمهر الزوار يلتقطون الصور مع العازفة براسكا حداد. بعيداً مجموعة من البشر تتصفح «بازار كتب أحلى فوضى». من كتاب، وموسيقى بيانو، إلى عازف عود يغني أعذب ألحان محمد عبد الوهاب وغيره، ودار الفرات للنشر والتوزيع وقف صاحبها عبود أبو جودة يستجيب لطلبات المارة بشراء «بوسترات» لأفلام عربية وأجنبية يعود عمر بعضها لأكثر من خمسين سنة خلت، ومن بينها «سفر برلك» للأخوين رحباني وفيروز. نرحب بكل حركة مضافة، يقول أبو جودة المتأصل في المكان. نرغب بأن يبقى الشارع على حقيقته، شارع الثقافة المترافقة مع الطعام وليس العكس. ويلفت أبو جودة لحنين فئة من الناس لـ«بوسترات» الأفلام القديمة، وازدهار طلبها. الكتب المطلوبة في مناسبات مماثلة هي التي يمكن مطالعتها بقليل من التركيز، وهذا ما نعرضه على الرصيف.
منذ سنوات صار لشارع الحمرا نكهة بالألوان على جدرانه، يستقبل زواره بصورة باسمة لصباح، المرأة المتفائلة حتى الموت، رسمها يزن حلواني. رسم جديد على مبنى آخر للفنان جاد خوري افتتح في المهرجان، مع كثير من رسوم الـ»غرافيتي» التي حملت تعبيراً عن أفكار الشباب. فنانون كثر توزعوا في الحمرا مع أدواتهم ولوحاتهم. رومي مطر رسمت نباتات البامبو على كانفاس وبحجم جداري إلى حد ما. منذ الصباح بدأت مهمتها، أنجزت أكثر من لوحة وعرضتها للبيع. وإليها توافدت ثلاث فتيات من أطفال الشوارع، طلبن التعبير فزودتهن بالأدوات الضرورية.

تصف مطر رسمها بأنه توضيحي أكثر منه كلاسيكيا. وترى الحمرا بأنها مختلفة تماماً عن حالها مع زحمة السيارات. الناس تتوقف، تسأل وتحاور. لديهم اهتمام بالتعرف إلى الفنان وأسلوب رسمه، وبدوري أتعلم من الناس الكثير. في أكثر من مكان توزع الفنانون وبطول شارع الحمرا، علي رافعي كان بصدد رسم بورتريه على «كانفاس»، اختار المفكر مهدي عامل والحافز، أن مؤلفاته الفكرية تنتقد الدولة الطائفية. وأوضح في أبحاثه كم يخفي صراع الطوائف من صراع للطبقات تحته. والدليل الطازح زفاف ابن الوزير والنائب غازي العريضي الذي كلّف اربعة ملايين دولار، وهو اشتراكي. ابنه تزوج من غير طائفته، والتطبيق الصارم للطائفية على الناس وحدهم، لهذا يجب ان نطيح بهم ووفق أسلوب «بيروت مدينتي».
يقول رافعي لـ«القدس العربي»، أرسم غرافيتي في الشارع، وحضوري هنا للتسلية. رسمت لأقول رسالة، ولمجرد الرسم. اهتم رافعي بموضوع الفساد اللبناني فرسم رجل قوى أمن يفتح سترته ليظهر «تي شيرت» كتبت عليه عبارة «أحب الفساد». القوى الأمنية رفعتها في أقل من عشر ساعات. كما رسم العديد من الرسائل الاجتماعية، لكن أحدهم شطبها، ويرجح رافعي «أنه شغل دولة».

شجر الزيتون انتصب على مفارق عدة، لكنه تكاثر في المربع المسمى «مودكا» وكان لمفارق أخرى ان تختبر وجود مقاعد القش. هو القش المفصول عن سنبلة القمح وجد طريقه إلى «أحلى فوضى» وعلى المقاعد المصنوعة منه كانت الصور التذكارية لمن يهوى. على مفارق الحمرا الكبرى توزعت الفرق الموسيقية الغربية الاختيارات، وفي مكان ليس بالاستراتيجي جداً جلس ثلاثة شبّان يعزفون موسيقى جديدة على الآذان. تحلق حولهم المستطلعون والمشجعون. موسيقاهم تحمل إحساساً بكراً. هم آرا، نسيب وغريس. غريس عزف على آلة شبيهة بالبزق، وبحسبهم اسمها «بغْلما» نصف إلكترونية. نسيب أطلق أصواتاً عبر Didjeridoo وهي أقدم آلة نفخ في العالم استخدمها ولا يزال السكان الأصليون في أستراليا. بحسبه هو صوت الكون والطبيعة. آرا تولى الإيقاع، وفي نهاية يوم «أحلى فوضى» تضررت أصابعه من ضرب الطبلة.
إيقاعات كثيرة استعملها في هذا اليوم الذي وصفه بالجميل لأنه وزميليه تمكنوا من إيصال الإحساس والمشاعر للناس. «يهمنا أن نتشارك في تجاربنا الموسيقية مع الناس وأن نقدم لهم الموسيقى الإثنية العالمية. هذا ممنوع علينا. وعندما نقصد الشارع للعزف يمنعنا الدرك. أحلى فوضى كان فرصة جيدة لنا».
زهرة مرعى
القدس العربي

عن عبد الجبار خمران

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.