(عين) يوسف العاني “موليير بغداد” وسنديانة المسرح العراقي – العراق

صدر للكاتب العراقي ظافر جلود، كتاب عنوانه “يوسف العاني: سنديانة المسرح العراقي”، عن دائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة، يتتبع فيه محطات المسيرة الفنية والذاتية للمعلم والمؤسس المسرحي، رجل المسرح الكبير الذي جمع بين التأليف والتمثيل، بحيث لا يمكن الحديث عن العراق ومسرحه وحركاته الأدبية وتحولاته الفنية والسياسية، من دون الحديث عن يوسف العاني، الذي لامس وجوده الفني والإنساني والأدبي جميع المظاهر الحياتية لهذا البلد الذي كان ولا يزال يعيش على ارض متحركة لا تعرف الاستقرار.

إنه رجل صُنع من لحم المسرح ودمه، وجعل منه حاجة حياتية عامة، مثل الخبز والغاز وماء الشرب، وواجهة للدفاع عن العدل والناس المظلومين، وعن الحياة الحرة الكريمة. انيقٌ مثل شاعر يجيد اختيار كلماته عند الحديث، يمتلك قوة نمر، وذكاء رجل حكيم، كان ولا يزال دائم الحضور والعطاء على رغم الشيخوخة ووجع العراق العظيم.

يحاول الكاتب والصحافي ظافر جلود في كتابه هذا، أن يختصر بشخصية يوسف العاني، تاريخ المسرح العراقي، بكل منعطفاته الزاهية والمتلبدة بالغيوم، سياسيا وثقافيا وجماليا، معتمداً في اسلوبه على الارشفة الدقيقة والتحليل العميق والعرض المكثف لمحطات مهمة كثيرة ومتنوعة، يسلط فيها الضوء على الحياة من خلال المسرح، ومن خلال صورة فنان تكاد ان تكون اكثر من كاملة. فحياة يوسف العاني مليئة بالمسرح إن لم نقل إن المسرح غزا حياته وأوقعه في سحر فخاخه مرةً والى الأبد، فأصبحت كلها مسرحا.

بعد المقدمة الشيقة والممتلئة بالمعلومات التي تناول فيها الكاتب طريقة تعرفه إلى الفنان عن قرب وتواصله معه في ما بعد، ويستعرض عطاءاته المسرحية على جميع المستويات، ابتداء مع فرقة “جبر الخواطر” وانتهاء برئاسته فرقة “المسرح الفني الحديث” التي اسسها الفنان والمخرج الكبير ابرهيم جلال، يقول ظافر جلود: “لم يزاحم احدا، وكان ممثلا لكل الاعمال التي كتبها تقريبا (…) كما انه لم يخرج للفرقة أي عمل على الإطلاق وهي ظاهرة رائعة وأخلاقية كونه فنانا رفيع المستوى مدركا صنعته المسرحية، ولم يمثل خارج نطاقها إلا عملا واحدا (…) مسرحية البيك والسائق”. ثم ينتقل الى مادة عنوانها “الواقع والحداثة في المسرح العراقي” بقلم يوسف العاني نفسه، يركز فيها على الطفولة الأولى للحركة المسرحية العراقية في المدارس والكليات وكيف كانت تقارع الاستعمار والتخلف الاجتماعي، الذي كان يتعامل مع العروض المسرحية مثلما يتعامل مع فقرات الملاهي الليلية، وهذا ما يحدد نظرة المجتمع آنذاك الى الفنان وعناءاته. مع ذلك يقول العاني: “اصبحت الفرق المسرحية حاجة ملحة لاستمرارية الطموح الذي ابتدأ متفرقا في اكثر من كلية – كلية الطب والهندسة والحقوق، والتجارة والاقتصاد – وتجمع الى حد كبير في معهد الفنون الجميلة”، لينتقل الى موضوع “ملامح من الماضي القريب” الذي يتطرق فيه إلى نشأة يوسف العاني، وتاريخ ولادته بمحلة بغدادية شعبية بـ”سوق حمادة” في 1927/7/1، التي اخذ منها اصول كتاباته المسرحية وركائزها وأشكالها، حيث شغف منذ بداياته الفنية، مثلما يقول جلود، “بالشخصية البغدادية، وحاول محاكاتها، بل راح يناغمها ويترجم أحلامها ونوازعها وآلامها الذاتية والجمعية، إلى عروض مسرحية تارة، أو نصوص مسرحية مكتوبة تارة اخرى”. من اهم بواكير كتاباته المسرحية، وهو كان لا يزال طالبا بكلية الحقوق مسرحيات “القمرجية”، و”الحشاشة”، و”طبيب يداوي الناس” في العام 1948، و”محامي زهكان” في العام 1949. الى المسرحيات التي تجاوز عددها الخمسين نصا مسرحيا بين طويلة وقصيرة وذات فصل واحد، من ابرزها “المصيدة”، و”الشريعة”، و”أهلا بالحياة”، و”نجمة وزعفران”، و”حرم صاحب المعالي”، والخرابة” التي يتوقف عندها ظافر جلود لدى تناوله “الابعاد الفكرية والسياسية في بعض اعماله”، موضحا وشارحا ومحللا مدى تأثر يوسف بالمسرح التسجيلي، وكيف استمد موضوعه مما كان يجري في أحد مقاهي النجف القديمة التي كانت تسمى بالخرابة لقدمها، حيث اعتاد فيها الزبائن وصاحب المقهى والعاملون فيه تمثيل واقعة يومية تحدث في المدينة، فيتحول الكل الى ممثل ومتفرج في الوقت نفسه، ويتحول المقهى نفسه بزبائنه واصحابه والعاملين فيه الى مكان للفرجة المسرحية. وقد حاول العاني في هذه المسرحية أن يسجل “حوادث أممية كبيرة كانت تدور آنذاك، حرب فيتنام، المقاومة الفلسطينية، سقوط غيفارا في بوليفيا، أيلول الأسود، وحشية الامبريالية، مما جعل مخرجها الفنان سامي عبد الحميد يحوّل القاعة والمنصة إلى معرض للبوستر السياسي والصور واللافتات، بدءا من الباب الخارجي إلى منصة العرض الخالية من الستائر، ويستخدم شاشة على المسرح لعرض سلايدات توضيحية تقدم الصور والوثائق على هامش احداث المسرحية”. يحلل ظافر جلود بالقراءة النقدية معظم اعمال يوسف العاني مثل مسرحية “المفتاح” التي قدمت في العام 1968، وكتبها بأسلوب بريشتي، متجاوزا فيها الاطار المألوف الذي كان يكتب فيه، وقد كتبت هذه المسرحية على خلفية نكسة انقلاب شباط 1963 الدامي، عكس فيها الجو السياسي العام وما رافقه وما تلاه من دوران في حلقة سياسية مفرغة ومتأزمة. حيث جعل المؤلف كل بطل من ابطالها يمثل قطاعا من قطاعات الشعب بأفراحه وأتراحه، لكلٍّ دائرة تفكيره ولكل موقفه من الحوادث ومن الناس، وببراعة يزيح العاني الستار، عن اغوار كل منهم، مثلما يقول جلود: “فكل كلمة وكل حركة وكل لقطة من حوار أبطاله، تحدد ابعاد كل واحد منهم ونفسيته، وتكشف امام المشاهد مواطئ الحقيقة واثر الوهم”.

ثم ينتقل المؤلف الى وجع المسرح العراقي الحالي، الذي يتجسد بامتياز في إغلاق فرقة مسرح الفن الحديث التي “اصبحت واجهتها مكبا للنفايات”، بعدما كان قديسو المسرح العراقي الكبار يبتهلون على خشبتها كل ليلة ويقدمون القرابين الى آلهة الانسان في الارض والسماء، يدقّون بأرجلهم وأفئدتهم الهشة الدقات الثلاث للمسرح، لكي يوقظوا سكان العالم السفلي، وترفع الستارة، ويستحضروا عليها شخوصا اخرى، لا تشبههم في الضرورة، وربما يختلفون واياها، ومع ذلك يتماهون معها، ويختفون خلف أقنعتها لا لكي يوهموا المتفرج، أو يكذبوا عليه. وحتى لو حدث هذا فعلا، فأنهم يكذبون بنبل، لأنهم يضحون بأنفسهم من اجل اشخاص آخرين، موجودين حتما في القاعة يتفرجون على انفسهم، او في مكان آخر يتعذبون، او يبتهجون، او يعشقون، او ينتصرون، او يفشلون، او يولدون، والى اخره … الآن وفي زمن التغيير الذي كان ينتظره جموع العراقيين، صار هذا المكان الذي يختصر الذاكرة الشخصية للمسرح العراقي، مخزناً للحبوب ومعرضاً للنفايات. ومن اجل ان لا نوغل في الجرح كثيرا، ننتقل مع ظافر جلود الى يوسف العاني، موليير العراق، مثلما يلذ للمؤلف ان يسمّيه، لتشابه مسيرتهما وتركهما المحاماة وتشبثهما بالمسرح والارتباط به الى الابد. فقد درس موليير المحاماة بإلحاح من أبيه، وسافر الى ليون، وتعلّم مع أبناء الذوات والامراء، وتابع اصول الفلسفة والتاريخ والرياضيات واللغتين اليونانية واللاتينية، لكنه بعد عودته الى باريس، رفض ممارسة المهنة، الامر الذي اثار غضب والده الذي طلب من قسيس الحي اقناع موليير بالعدول عن رأيه. بيد أن المقابلة على مدى ساعتين أسفرت عن خلع القس رداءه والتوجه مع موليير إلى الفرقة المسرحية التي انضم إليها المسرحي الفرنسي الشهير. وهذا ما قام به يوسف العاني.

لا يمكننا ان نتجول كثيرا في اروقة كتاب “سندبانة المسرح العراقي، لانها كثيرة ومتشعبة ومدونة فوق 198 صفحة من الحجم الكبير، كتبت بأسلوب واضح وسلس وشيق، يجمع بين لغة البحث الصحافي والتحليل النقدي العميق ويؤرشف أهم المحطات المسرحية ليوسف العاني، بما فيها اراؤه في رفاقه من المسرحيين الذين تقاسموا معه عذاب المسرح ومتعته، مثل الرائد حقي الشبلي، سامي عبد الحميد، قاسم محمد، جاسم العبودي، خليل شوقي، ابرهيم جلال، جعفر السعدي، عوني كرومي، فاضل خليل، محسن العزاوي، روميو يوسف، وفاروق فياض. وقد انهى ظافر جلود الكتاب بمجموعة من المقالات والشهادات في “موليير العراق” يوسف العاني.

——————————–

المصدر : مجلة الفنون المسرحية – محمد سيف

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.