(عين) -مــن تــونس افتتاح فعاليات الدورة 25 لمهرجان فرحات يامون للمسرح ” الــعــنــف” للفاضل الجعايبي مقاربة سوداوية لواقع مــريــر -الجزائر

جربة بتونس عانقت فعاليات االدورة الخامسة والعشرين لمهرجان فرحات يامون للمسرح على مستوى دار الثقافة ” فريد غازي” وسط حضور جماهيري واسع ، أبدى شغفه وتعلقه بهذا المهرجان الذي يطلّ كلّ سنة مصرّا على التواصل الفني والإبداعي على مستوى المسرح ، وقد عرف حفل الافتتاح رفع النشيد الوطني التونسي على شرف شهداء الواجب الوطني ، بعدها مباشرة تفضل مدير المهرجان الأستاذ ” زهير بن تردايت ” باستحضار مزايا وأبعاد هذا المهرجان ، وكيف لابدّ لهذا التقليد المسرحي أن يتواصل بغضّ النظر عن قلة الإمكانيات والظروف القاهرة التي كادت أن تحول دون بعث فعالياته ، كما ثمّن مجهودات الكثيرين الذين حملوا العبء ورفعوا التحدّي حتى ترى هته الدورة النور في ظل كل المستجدّات الحاصلة بالآونة الأخيرة .

كما رحّب بكل الحضور من جمهور ووجوه فنية ، وبالوفد الجزائري ضيف الدورة ممثّلا بجمعية مسرح الشباب والطفل من سيدي بلعباس ، الجزائر ، وقد نوّه ذات المتحدّث بكل المجهودات المبذولة بغية إثراء هذا اللقاء الفني المسرحي مستعرضا أهمّ محطاته وبرامجه .

ليرفع بعدها مباشرة الستار عن عرض ” العنف” للمسرح الوطني التونسي مع المخرج ” فاضل الجعايبي” ونص ” جليلة بكّار” ، العرض الذي حبس الأنفاس مدّة ساعتين كاملتين ، رفع المتفرّج الى حالة من الإيهام والمتعة والمشاركة بشكل غير مباشر في الفعل المسرحي من خلال التفاعل النفسي والذهني من خلال اللوحات والمشاهد القويّة والمعبرة والموحية بكذا دلالات التي تعرّي الواقع التونسي بشكل صريح ضمن مقاربات متعدّدة الزوايا والاتجاهات، تحمل المتلقي على الفرجة والمتعة ضمن سياق مسرحي متشابك الحكايات التي تنتمي الى أصل حكاية مركزية اسمها العنف والوحش الداخلي بكلّ إنسان ، أين يتحوّل القتل الى فرجة مضمونة ، والدموية الى لعبة متداولة ، بإسقاطات درامية وتجسيد للأدوار بشكل متناغم ضمن سياق ركحي مضبوط الإيقاع .

المقاربة التي ضبطها المخرج لم تك فقط واقعا تونسيا محضا بل لامست قضايا العنف بالمجتمع الإنساني بشكل عام ، من وحش يتربى داخلنا يقتات من فتات الترسبات والتكتلات وموجات المجتمع المتصدّع ليغذّي ذلك الوحش الخامد بين ثنايا الروح ، ليمنح التنفيذ دون سابق إنذار بين مظاهر اتّسمت بالدمار ، القسوة لتكشف الصور الفنية المجسّدة على الخشبة دموية المجتمعات بصوت ولمسة تونسية صارخة ، برمز فاضح لفنون القتل والاغتصاب والتحرش الجنسي والشذوذ ، وتشابك للحكايات المتداولة التي صبّت في قالب حاكى الأحلام المذبوحة وصوّر الآمال الممزوجة بالآلام ، بين أمّ تقتل ابنها ” حمّة” نتيجة الانتقام الذي غذّاه تعدّيه المستمرّ عليها ، لتنكّل به أيّما تنكيل ، وبين التي قتلت زوجها ، وبين شاب يحكمه الشذوذ الجنسي الذي حوّله الى قاتل مع سابق الإصرار والترصّد أين قتل عشيقه وحبيبه .

وتفرّعت الحكايات على الخشبة بمشاهد قويّة لتنبش في كلّ أشكال العنف ، وتكون فاطمة أحد ضحايا التنشئة الاجتماعية المختلّة ، ويحملنا المباشر ضمن كلّ مشهد وآخر الى التساؤل المتكرّر : ما هي الأسباب الرئيسة لاقترافهم كلّ هذا المدّ من العنف ؟ لا يمنحنا بتاتا فرصة لمحاكمتهم أو تكوين مرجعية عن جريمتهم وإنّما يرفعنا مباشرة الى خانة المتسائل المستمر : ما هي جذور هذا العنف الذي تربّى بشكل أو بآخر بالمجتمع التونسي وبالتالي تمتدّ خيوطه الى جلّ المجتمعات ؟
لنحاول الاقتناع أنّ المجتمع التونسي كغيره من المجتمعات لن يترعرع داخله هذا المارد إلا نتاج عوامل وتراكمات متشعّبة ، من مشهد سياسي الى اجتماعي الى ثقافي وهي قواعد حيوية بأي مجتمع إن اختلّت اختل التوازن الإنساني ، حيث أشار ثقافيا إلى شباك المسرح البلدي الذي أغلق أبوابه الأمر الأساس في تدنّي المستوى الثقافي للمجتمع وبالتالي تغذية ذلكم الوحش قطرة ، قطرة حتى يتحوّل الى مارد يأتي على الأخضر واليابس ، وبالتالي يطغى على جلّ البنيات التحتية لأية دولة لتغدو متصدّعة الثوابت ، هشّة الأسس قابلة للغزو بشتى أشكاله وأنواعه وبشكل أدق غزو فكريّ يسيطر على العقول ويجرّها الى الهاوية .

تلكم هي أشدّ الوقائع التي تطرّق اليها المخرج ، ولامسها المتلقّي ضمن مشاهد واقعية مزجت بين قوّة الطرح والدقّة في الأداء والتناغم الملموس باللعبة المسرحية التي كان سيّدها الممثل أداء وحركة وإحساسا بتمازج السينوغرافيا والإيقاع الموسيقي ، مع ديكور منفتح على أكثر من قراءة ، جمع بين مستشفى للأمراض العقلية ، وسجن المحكومين والجنون ليكون التقاطع في فقدان الحرية والسيطرة على الذات ، غياب أدقّ ملامح الإنسان ليتحوّل الى مجرّد كائن تقوده النزوات وتحكمه الأهواء ، وان اهتزّت الُبُنى التحتية تصدّعت تربيته وبالتالي يتحوّل الى وحش بأتمّ معنى الكلمة ، إذ بين التنكيل بأستاذة ، وقتل قطّة والتفنّن في سرد تفاصيل التنكيل روابط واضحة تقودنا الى واقع المجتمع التونسي بصرخة مدويّة من هنا على أمل أن يتلقّف صداها الآخر .

” العنف ” رائحته عفنة ، تركتنا نفتّش داخلنا عن أهمّ أبعاده وتحوّلاته ، أسبابه ودوافعه ، ضمن تيمة ركحية ومشاهد قويّة تقاطعت الرؤى وتجلّت قيم الانسان والعنف داخله ، جسّدها جموع الممثلين من جليلة بكار ، فاطمة بن سعيدان ، نعمان حمدة ، لبنى مليكة ، أيمن الماجري ، نسرين المولهي ، أحمد طه حمروني ومعين مومني الذين رسموا لنا على الركح بلمسة الأداء وقوّة الحضور والانسجام تراجيديا الإنسان ، لوّنوا صوره ونثروا وجعه وآماله ، عرّوا دواخله وكشفوا كنهه ، قدّموا أبهى المشاهد الرمزية بإيقاع عال ووتيرة منتظمة أسهمت في حمل المتلقّي الى ذروة التفاعل ، إلى درجة الانسجام والتعاطف والتساؤل والمشاركة والبحث ، ودفعته للغوص في فكرة
” الامتناع ” أبعادها ورؤاها ، لنمتنع وننأى عن الحيوان الكامن داخلنا .

كل هذا جمع خاصية الغزارة والتكيف لغويّا عشنا أبجدية محكمة التفاصيل ، واسعة الأفق والألغاز وديكور قاتم من سواده نسج المخرج عالم العنف وبين غبار الجريمة وموسيقى قويّة تعايشنا والعنف المجسّد ، في تناغم يحمل على المشاركة والمتعة والذوق لجريمة تتفرّع وأخرى
تزداد حدّة .

الإسقاطات والبعد الإخراجي الممزوج بالأداء وقوّة الطرح لا يفسح لنا المجال لأنصاف الأشياء ، كل شئ فيه يدعونا للاختيار بين أن نكمل ممارسة اللعبة أو ترك المجال للآخر ، من صلب الواقع حاكى المخرج العنف المتمرّد ، الفنيّة والحدّة في الطرح ترفعنا الى قتامة ما بداخلنا ، أن نوغل البحث في الوحش الكامن داخلنا ودعوة صريحة الى تحكيم المنطق والعقل لتفادي الحيوانية لنشفى من العنف ولو جزئيا ، فلا مجال للحلم في ظلّ القتامة ، ولا مجال للأمل في ظلّ العنف بل الانتصار مكفول بالعقل ، بنوره ، بثوابته ، بقيمنا ومبادئنا التي لن يصنعها الا مجتمع سويّ ، ذا أسس وقواعد صلبة ومتينة من التسيير للرشيد للطاقات والمجالات الحيوانية ، فالعنف وليد التكتلات والحلم والأمل شرعية الإنسان وخاصيّته التي لن يطالها الفساد إن كُفلت لها الرعاية والحماية .

وسيكون الجمهور التونسي عشية اليوم بمقهى ” الفندق” على موعد هامّ مع الوجوه المسرحية والتلفزيونية التونسية في لقاء مفتوح الفضاء للنقاش وإثراء الكثير من القضايا تفعيلا للحركة الفنية والثقافية التي تخدم أي مجتمع وبخاصة المجتمع التونسي .

بقلم : عــبــاســيــة مــدونــي – ســيــدي بــلــعــبــاس – الــــجــزائـــر

عن عباسية مدوني

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.