أخبار عاجلة

( عين ) مسرح الجنادرية أغنية لا تشيخ – السعودية

 

 
image

 

 

منذ بدأت تتخلق الرؤى النقدیة قدیما نشأت معها قضیة الأصالة والمعاصرة التي استحوذت
على انشغال الأطروحات الفكریة بكل اختلافاتها بین قائل بأن التراث هو الأصالة ، وهو
الضمان لسلامة الهویة الوطنیة ولا شئ آخر، وبین قائل بل هذا هو الجمود الصانع لنسخ
مكرورة أب عن جد عن جد الجد، وأن الانسان علیه أن یسابق الزمن حتى یسبقه الى جدید قادم
بعد ان یتخطى معطیات عصره، واشتد الاختلاف حد الوقوف على أطراف المبالغة بكل من
الاتجاهین.. ومن یقرأ كتابا مثل ” فن الشعر POETICA ARS ” لهوراتیوس ( عام ٦٥ ق.م)
یتبدل عاما بعد عام، وأقدمها هو أسبقها للسقوط لتبزغ أوراق جدیدة.. یرى أنه قد توقف طویلا عند قضیة الأصالة والمعاصرة، وشبه النتاج الجمالي بأوراق الشجر،
لم ینقطع هذا الجدل عبر كل العصور والى یومنا هذا، فلا نعدم أن نصادف من یقول.. ما
جدوى أن نرى السواني حول آبار ضنینة تتعذب معها الجمال ذهابا وجیئة مع أن لدینا محطات
الرفع العملاقة ومحطات التحلیة وننعم بوفرة الماء، وما جدوى أن نتفرج على أبواب خشبیة غفلة
من بقایا الشجر بأقفال خشبیة أیضا مع أن لدینا أحدث الأنظمة المبرمجة للأقفال والأبواب، وهل
تصمد ” العارضة” و” السامري ” في مواجهة فیض غامر یتدفق من الأقمار الصناعیة ویدخل
البیت عبر شاشة معلقة على الجدار..!
أصحاب هذا الافصاح – والحمد الله – قلة مغیبة بهرتهم منجزات العصر فتخلوا عن أصالة
الهویة وأسقطوا المسافات الحضاریة، لأنك ان أردت أن تقیس منجزك الحضاري الذي تنعم به ،
لن تكون قادرا وعادلا و منصفا الا اذا قارنته ببدایة قدیمة عاشها الأجداد ، هذه واحدة، لكن الأهم
أن ما تراه من مفردات الحیاة القدیم قد عاش في سیاق من القیم والأعراف والعادات والتقالید هي
التي تمنحنا أصالتنا الآن وعراقة الأصل .. في تلك الأدوات عطر للأحباب یسحرنا ویدفع في
أوصال انتمائنا الیه بالحب والشجن والاعتزاز، لو تخلینا عنه لدب الملال في احساسنا بعضنا
الأخلاقیة أو الدینیة أو الانسانیة. ببعض على نحو ما أصاب الغارقون في التلهي بالجدید في مجتمعات أخرى لم تعد تعنیها القیم
هنا تحدیدا كان موقف المملكة الرائع والفرید، والذي أدارته بكل الحكمة والوعي، لیس فقط
في مجال الفن والأدب فیما یعرضه هذا المهرجان، وانما في كل مفردات الحیاة … تسابق
الشباب ولهوهم بأحدث ما أنتجه العالم من سیارات لا یحجب نشاطات الفروسیة وسباق الهجن،
المقاهي والملاهي على أطراف المدینة یقابلها الأندیة الأدبیة وجمعیات الفنون والثقافة، ویتفوق
علیها بأضعاف الأضعاف بیوت العبادة بمآذنها وقبابها التي تحفظ لنا انتمائنا الروحي والدیني
الى أصول دیننا الحنیف على نحو ما كان منذ كرمنا االله برسوله الكریم ، خاصة وأن االله تعالى
الى بیت االله الحرام بمكة المكرمة. قد خص المملكة وحدها بالانفراد بموقع ركن من أركان الاسلام الخمسة التي لا تكتمل الا بالحج
اذا تناولت كوبا من الماء المثلج وأنت ببیتك فلن تشعر بأن شیئا هاما قد حدث، ولكنك ان
رأیت رجلا ینام على بطنه ویمد رأسه الى بئر وقد غطى فمه بالغترة أو الشماغ لیصفي ماءً من
تقاس الا بوضع الصورة القدیمة الى جوار الصورة الحدیثة . القش والطفیلیات لیروي ظمأه شعرت بقیمة لا نهائیة لكوب الماء المثلج، والمسافة الحضاریة لا
من زاویة تقف المملكة في مصاف أكثر الدول تقدما في كافة المجالات، علمیا لدینا من
سجل رقم السبق في عملیات طبیة أجریت بنجاح في المملكة لأول مرة لصعوبتها كعملیات فصل
التوائم كاملة الالتصاق، ومستشفي الملك فیصل التخصصي ومستشفى الملك خالد للعیون
ومثیلاتهما لیست مستشفیات عادیة بقدر ما هي مؤسسات للبحث العلمي الطبى ، وعلى كافة
أرجاء المملكة تنتشر الجامعات والكلیات ومعاهد البحث، وفي الصناعة أخرجت الجبیل وینبع
من الصناعات التكمیلیة ما یدهش العالم، وفي الزارعة أنبتت القمح في تربة من الرمل وأهدت
فائضه للأصدقاء، وفي ارتیاد الفضاء انفردت المملكة برائد الفضاء العربي الوحید، وفي مجال
الفن والأدب أخرجت الحیاة الثقافیة أعلام النقد الذین یرودون الثقافة العربیة ، من أمثال عبداالله
الغذامي وسعد البازعي وعزت خطاب ومنصور الحازمي والضبیب ومعجب الزهراني ،
وغیرهم..تتلوهم أجیال متعاقبة كسعید السریحي وعثمان الصیني وغیرهم، وفي الشعر أخرجت
كل التیارات، محمد حسن فقي في العمودي ومحمد العلى ومسفر والصیخان والحربي والثبیتي
وغیرهم، وفي الروایة حدث ولا تتوقف، وفي المسرح رجال المسرح كتابة واخراجا ونقدا أمثال د.
سامي الجمعان وسامي الزهراني وابرهیم الحارثي فتترى أسماء من احتلوا مقاعد الریادة مع
بدایاتهم بانطلاقات مذهلة ، وفي مجال الفن التشكیلي هناك مئات الأسماء التي شاركت في
معارض خارج المملكة وداخلها من محمد السلیم وعبد الجبار الیحیا الى فهد الربیق وفهد
الحجیلان وغیرهم.
هذه السیاسة الحكیمة للمملكة ترى صورة مشرقة وبالغة البهاء لها على أرض الطائف في
مهرجان الجنادریة.. تجاور رائع للقدیم والجدید بلا تغلیب للقدیم رغم اعتزاز عمیق، وبلا طغیان
للحدیث رغم القناعة بأهمیته، عطر یفوح بالحب والاعزاز والاعتزاز من الأواني المنزلیة التي
استخدمتها الجدات في الطهو وفي طحن الحبوب بالرحى الحجریة، بینما الأطفال یلهون بألعابهم
ما أروع تلك الحیاة كما تعكسها الصور والمجسمات وشخوص یقومون بالمحاكاة… التي حرمنا منها – فأرضنا أسفلتیة حارقة وأرضهم كانت رطبة تحنو على الأقدام الحافیة… الله
الى جوار ذلك كله، في المساء تشتعل الحوارات في أمسیات ثقافیة رفیعة المستوى للنقاش في
أهم القضایا التي تشغل الوطن، ثقافیا وفكریا واقتصادیا وسیاسیا .. فهنا صفو ة الأخیار من
المملكة ومن ضیوفها من أرجاء الوطن العربي.. التمام آخر على أعلى المستویات للأشقاء
یجمعهم نفس الود والحب مما تتشع به مفردات الحیاة القدیمة الخارجة من سیاق للوئام والترابط
.. موازنة حكیمة تسقط دعوى الباحثین عن الأصلة في تراثنا فها هو ذا أو تنصرها.. وتسقط
دعوى اللاهثین خلف الجدید الرافضین للقدیم فها هو ذا أروع تضافر بین الاثنین، یدفعان
الثقافة قد أتم تشكله في السعودیة والامارات والكویت ..

 

غادة كمال – صوت العرب – جمهورية مصر العربية

 

عن إبراهيم الحارثي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.