(عين) مسرحية (K. o) تتحدث عن العنف والرغبة المتخفية فينا – تونس

من عروض الدورة 8 من مهرجان المسرح العربي بالكويت.
يقحمنا عرض مسرحية k.o، لجميلة الشيحي ونعمان حمده، في عالم شبه مجازي، لا أحد يمر به او يعبر منه، من غير ان يتعرض للضرب او التحقيق او الشتيمة. حتى نور الشمس الذي تسللت أشعته، لحظة هروب الطاغية لم يعد ذو فائدة كبيرة، لان حرارة الفصول، الثورة، الهيجان، الفوضى، الدعوات الإسلامية، الابتزاز، والقسوة، بات من الصعب الحد منها.

في هذه المسرحية، التي تحمل عنوان “الضربة القاضية”، تقطّر علينا مؤلفتها ومخرجها، الأسرار الأكثر قدما للروح الإنسانية قطرة قطرة. ويضعانا في هذا العالم الوحشي والموحش، في آن واحد، بنوع من التواطؤ الذي يقلقنا ويشوشنا، ويجعل رغباتنا الأكثر هربا منا تجرح كرامتنا.

تتحدث مسرحية (K.o)، للمؤلفة جميلة الشيحي ومخرجها نعمان حمده ومن تشخيصهما، عن العنف في بلد مثل تونس، لازال يعيش تحت وطأة ما يسمى بثورة (الربيع العربي) مثلما شاء للغرب أن يطلق عليها كتسمية. وتتحدث عن الليل المعتم الذي لا أمل في كبح هيجانه الغير المعقول. نتجول فيه ومعه مثل عراة مجردين من الأمل أو الحياة، وليس هناك عودة إلى الخلف، أبدا. وهنا يكمن البعد التراجيدي. إنه عمل يتحدث عن العنف، والرغبة المفقودة، الهاربة عنا والمتخفية فينا. لأن في سكون وصمت هذا المكان الذي التقت فيه (هي) بـ(هو)، ليس هناك شيء تلفظت به (هي) لم يكن موضع رغبة وحاجة ماسة.

حكاية العرض: امرأة في العقد الرابع من عمرها، تتعرض للعنف اللفظي والجسدي في محاولة لسرقتها بعد عودتها من العمل. فتجد نفسها، في لحظة خوف وحقد على المجتمع الجديد الذي لم تعد تعرفه، تتعلم فنون القتال للدفاع عن نفسها. لان الكلام لم يعد كافيا، والجسد بحاجة لمن يدافع عنه. لهذا لجات إلى ملاكم قديم مشهور، قتل خصمه في مباراة عن غير قصد، فقرر أن يعتزل. ليفقد كل ما كان يملك، من زوجة وابنة ورزق. وبين الرفض والمراوغة والتهرب من القبول، تطرح المؤلفة أسئلة معاصرة في واقعيتها: لماذا يظل العنف والخوف والظلم جاثما فوق صدورنا؟ ولماذا ليس هناك حل يقينا مأساتنا المعاصرة التي انتشرت بسبب الفوضى؟ وهل هناك إمكانية لوقفة صحيحة، قادرة على إعطاء لكل حقه سواء كان امرأة أو رجلا، في خضم هذه الحياة الجديدة؟

نستنتج من هذا المتن الحكائي، مدى الأهمية التي توليها المؤلفة لخلق نوع من “الزعزعة والصدمة” لدى المتفرج، باستعمالها العناصر الشعرية والاستعارية، انطلاقا من هذا الذي يحدث في الحياة اليومية المعاشة. كما استخدمت لغة مكنتها من الإشارة وبشكل مسرحي إلى الرعب الذي يعيشه الشارع التونسي/العربي اليوم، من خلال تجربته الخاصة غير الإنسانية، ذلك برسمها عالما يتعرض إلى التهديد الذي حولّ العالم الحقيقي، وحياة البشر أنفسهم، إلى خراب وعدم.

إن هذا الشرط الدرامي الذي تم إنشاؤه من قبل المؤلفة، أصبح لدى المخرج نعمان حمده، بمثابة مرجع مسرحي غير معني بالحلول، وإنما بالعرض. وبفضح وحشية البشر، والعالم الذي يحيط بهم، من خلال استحضار الفعل اللاإنساني، واعتباره ضرورة لإعادة بناء رؤية الإنسان للرعب، واسترجاعه للغة الشعر، واستنطاق قابليته على الإنصات، واللجوء للصمت من اجل العثور على الكلمات. هذا ما أكده المخرج، حتى في طبيعة العلاقة التي كان يمكن أن تنشأ بشكل مغاير للعنف، بين شخصيتي المرأة (جميلة الشيحي) والملاكم (نعمان حمده). إذ بدلا من أن يفعل ذلك، استغرق في إبراز العنف، وإعطائه مظهرا “مقدسا” من خلال رسمه للحركة البطيئة والدوران في فضاء خال، والتأكيد على النظرات شبه التائهة التي كانت وكأنها تبحث في المكان نفسه عن فريسة ما.

إنه لقاء بين امرأة ورجل، وسط مكان شبه معتم، ليس له إسم وبعيد عن البشر، لقاء غير طبيعي تقريبا. يستفيض الخوف ويتبدى وتختلط فيه الرغبات. مكان تأتي إليه (هي) من اجل أن يساعدها (هو)، فتقوم بالتصريح برغبات تواجه بالرفض والبرود المميت وبالعنف أيضا، وهذا في حد ذاته وحشي، مضحك، وساخر. يحاول كل واحد منهما في البدء وبشكل غير معلن، الدفاع عن ما تبقى له من كرامة وكبرياء وإنسانية. وهنا يؤسس المخرج عالمين متعارضين، بنوع من التقاطع والخلط الاستعاري والشعري الممتلئ بالواقعية، معتمدا على العنف كمفردة أساسية في بناء التصور الإخراجي، خاصة عندما يجعل الممثلان يتحركان في الفضاء كما لو أنهما في حلبة ملاكمة، يدوران حول أنفسهما مثل حيوانان مفترسان يتهيآن للانقضاض على بعضهما.

وقد طغى هذا الشكل على جوهر بناء العرض بكليته، حيث جعلنا نشعر بذلك منذ الوهلة الأولى، عندما دخل الممثلان وجلسا كل على حدة، وهما ينظران ناحية الجمهور بنوع من الحيادية، وبمجرد ما وضع الممثل غطاء الرأس ببطء مقصود ومدروس وتغيرت إضاءة المشهد وأخذت لون الزرقة الليلية الحالكة، تسرب إلينا القلق والوحشة والعزلة التي يعيشانها. يتعمق هذا الإحساس شيئا فشيئا كلما توغلا في شخصياتهما المسرحية التي راحت تسير بخطى بطيئة، وبأحذية شبه مفتوح، دون موسيقى مرافقة ولا مؤثر يشير إلى حالة معينة، سوى صوت القطار أو المترو الذي يشير بشكل استعاري الى مرور الزمن وتجاوز هذا الأخير لهما كوجود إنساني.

هكذا تبدأ عملية المطاردة والتهرب من دعوة المرأة للمساعدة، في هيمنة تامة للصمت وتلعثم الكلام في فمها وهي تقص حظها العاثر وما حدث لها من اعتداء بنوع من التوسل والضحك الهستيري المصحوب بالبكاء والأفعال التي صارا يعبران عنها مرة من خلال خطابين ذهنيين تقاطعا في زمن ممدد، وبشكل دائري وكأنهما يعيشان في دوامة بلا مخرج ومرة أخرى مجزأة، يستعرضان من خلالها مراحل حياتهما التي جعلت منهما ضحيتان اجتماعيتان سائبتان، مقطوعتان من التواصل، وعرضة للجحيم اليومي. الذي سلط الضوء، بشكل سردي متوتر ومتشذر وموجز على ملامح تاريخ الشخصيات نفسها، من خلال كشف الغطاء عن تورط الملاكم في فترة من حياته، على سبيل المثال، في الفكر الظلامي.والتناقض الذي تعيشه المرأة بين ما تعلمته وتربت عليه وما تعيشه الآن من تمزق.

هذا ما عمقته أكثر ديناميكية سينوغرافيا المكان التي صممها (قيس رستم) والتي تجد الشخصيتان نفسيهما فيها، في حالة من الحبس والتيه في دهاليز طويلة مظلمة، خالية من النوافذ والأبواب، ومنقطعة عن العالم الذي تجسَّد بشكل مجازي من خلال مجموعة الهواتف العمومية العاطلة في عمق المسرح. وهذه الصورة تحيل ضمنيا لحالة الفوضى في الخارج أيضا، اذ لا شيء يسير فيه على ما يرام، فكل شيء معطل ومهدم وعرضة للكسر، حتى الوسائل العمومية التي وضعت من اجل الناس.

إن كل هذه العناصر التي تحيط بالشخصيتين، من مقاعد مجردة، سلاسل متدلية من اعلى سقف المسرح، كفوف الملاكمة وأصوات وإضاءة ضبابية، نجحت في تقوية حالة الانطواء على النفس والانعزال عن العالم. وعززت كيفية تحول الأجساد نفسها إلى أشياء ذات مستقبل معتم، ومجهول في ذات الوقت.

من خلال هذا الوصف المسرحي الذي قدمه المخرج نعمان حمده، تمكنا كمتفرجين من اختراق حلكة الأمكنة الداخلية للشخصيات. واستشراف الخارج الذي يعيش في كنف العنف والفوضى. فهذه الشخصيات التي تعيش داخل سجونها الذاتية وهي تحاول الكشف عما هو غير مرئي أمامنا، مهدت لنا الطريق للوصول ولمعرفة الكيفية التي يعيش بها الناس، في ظل هذا التغيير الذي لا يريد أن يتغير في حقيقة الأمر. وكأن هرب الطغاة وموتهم وقتلهم والثورة عليهم لا يولد سوى طغاة آخرين. وأن العنف لا ينتج سوى العنف، لأننا وبكل بساطة، قد تعودنا عليه، وصرنا لا نستطيع العيش بدونه. أما الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة، وهذه المصطلحات الكبيرة، فمجرد مفردات لا وجود لها في قاموسنا التربوي.

وهذا ما اتضح من الطريقة التي عالج بها المخرج نعمان حمده الأحداث وتطورها فوق خشبة مسرح عارية متصحرة، تكاد أن تكون مصفحة، ومحاطة بحدود غامضة تدعو للالتباس، خاصة في المشهد الذي يقوم (هو) بتقيد وتعليق (هي) بالسلاسل وكأنها كيس للملاكمة وليس كائنا بشريا جاء يطلب العون والمساعدة. بحيث لم نعد نميز، في هذا المشهد، بين الأنوثة والرجولة، وبين الحيوان والإنسان. وكأن (هي) و(هو) نوعان نقيضان من البشر، لا تجمعهما لا قصة ولا تاريخ ولا لغة و لا روابط مشتركة، التقيا بشكل قدري، وليس بينهما سوى العداء والضغينة، ليس باعتبارهما عاطفة أو مشاعر، وإنما فعل عدائي حرب بلا سبب. لهذا باتت الطبائع في هذه المسرحية، هي العدو الحقيقي، الذي بموجبها يمكن إن نقتل أو نعتدي على الاخر من غير مبرر.

إن الفعل الأول لبدء العداء، قبل أن تأتي الضربة القاضية، كان الدبلوماسية التي تاجرت بالزمن ولعبت دور الحب في غيابه، والرغبة من خلال النفور والتقزز. وكأن هناك نوع من البشر يجب ان لا يجد نفسه في مواجهة وهو في عزلة. ولكن للأسف، طرقنا وأرصفتنا جد ضيقة، وأعداد البشر يتفاقم، والتعارض والاختلاف يوجد بكثرة وبشكل دائم، والساعات والأمكنة دامسة الظلام وتحتاج وقتا كبيرا لكي نعتاد على عتمتها، والصحاري لا تعد ولا تحصى ويتعذر العثور فيها على مكان لصوت العقل.

محمد سيف – باريس

عن عبد الجبار خمران

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.