(عين) مسرحية “بحر ورمال”.. تساؤلات ودلالات تعكس قساوة الواقع!

“متى سوف نرسو؟”.. “ولمى تفهم؟” جزء من تساؤلات ودلالات عدة قدمها فريق مسرح شمس بعروض مسرحية “بحر ورمال” للمخرج الدكتور عبد السلام قبيلات على خشبة مسرح المركز الثقافي الملكي.
طرحت المسرحية فكرة (العبث) الذي يحيطنا بشكل خفي، يتسلل من بين الساعات والدقائق والثواني ويسرق الوقت شيئا فشيئا.. حتى يصبح بالنهاية لا أهمية له.
هذه الفكرة قدمها أربعة أشخاص على متن سفينة يقودها (القبطان) الفنان خالد الطريفي، وكل من الفنانين بلال زيتون، هلا بدير ومحمد الجيزاوي، جميعهم ينتظرون من سلطات المرفأ أن تسمح لهم بأن يرسو، ولكنهم لا يجدون جوابا بالرفض من السلطات، والسبب وجود حمولة غير آمنة على متن السفينة، ومع مرور الزمن يتخبط الركاب ويصابون بالجنون، لحين اكتشافهم بأنهم لم يبحروا بل راسون على الشاطئ.
يتخلل العرض “تكرار العبارات” بأشكال وحركات مسرحية مختلفة، فنرى مساعد القبطان (محرك العمل المسرحي) يكرر مشهد “الدلو” الممتلئ بالرمل.. ويريد أن يفهم السبب، مما يتسبب بإزعاج القبطان وإيقاظه من نومه، على الكرسي طيلة الوقت، موجها له عبارة “ولمى تفهم؟؟”.
أكدت “بحر ورمال” أن جميع التحولات التي تهدف تغير الشكل بعيدا عن المضمون تقتل الزمن، كما يبقى المكان مهملا أيضا، وبرز ذلك بمشاهد عدة أبرزها تبدل أفعال الشخصيات، “مساعد القبطان يسيطر على السفينة باغتصابه الفتاة.. ومن ثم سرقة سنارة القبطان والجلوس على كرسيه ومن ثم دفنه”.
اختتم المخرج عمله بذات مشهد البداية “يعزف القبطان.. المساعد.. الشاب.. الفتاة” على آلاتهم الموسيقية وكأنهم عادوا لنقطة الصفر.
وفي حديث “الغد” مع الفنان خالد الطريفي، قال “أنا سعيد جدا بهذا العمل، وبالتعاون مع المخرج عبد السلام قبيلات، فهو مكسب لنا.. ومكسب للحركة الفنية الأردنية بحكم خبرته العميقة والجديدة”.
ويضيف “حرصنا على أن نقدم عملا مسرحيا متكاملا من خلال التدريبات والتركيز على البعد النفسي، لتتضح الإشارات والرموز من خلال حركات الجسد المختلفة التي تنسجم مع الحوار الهادف الذي اعتمده المخرج بعيدا عن الحوارات المطولة التي نشاهدها في الكثير من العروض”.
ويؤكد الطريفي أنه استمتع بأدائه على خشبة المسرح لأخلاقيات الحضور، بقوله “تابع الجمهور العمل طوال ساعة ونصف بشغف.. شعرت من خلاله بأني أقرأ كتابا في البيت يثير خيال المتفرخ؛ حيث تشعر بأن الإحساس وصل من القلب إلى القلب”.
ويبين الطريفي أن هذا العمل ترتبت عناصره وتضافرت بها أثناء التحضير والعرض، فقد تولد الألفة والطاقة الإيجابية بيننا نحن الأربعة على متن السفينة أثناء (البروفة).. كل شخص مكمل للآخر، وكأننا يد واحدة.. سيمفونية الضبط.. لحن واحد جمعنا.
الفنان بلال زيتون، قال “قدمنا مسرح العبث.. لا يوجد به حوار كثير يعتمد على الأفعال التي تقوم بها الشخصيات، وتنعكس رؤية المشترك مع كل الأحداث.. لعبت دور محرك الأفعال في المسرحية الذي يحيك المؤامرة من خلال مرحلة الاكتشاف.. تتبعا للوصول لمرحلة (الثورة).. اغتصاب الفتاة.. السيطرة على سنارة القبطان وهي مصدر قوته ومن ثم الكرسي، وفي النهاية لن يرسو على السفينة سوى هو والفتاة”.
وعبر زيتون عن إعجابة بالجمهور الذي حضر طوال أيام العرض، قائلا “جمهور مثقف استمتع واستمتعنا بهذا العمل”.. مشيدا بإخراج الدكتور عبد السلام قبيلات، بقوله “المخرج قبيلات عمل هذه التوليفة الجميلة من خلال الحوار المكتظ والإحساس العالي والشخصيات الممتلئة بالتناقضات، هو مخرج يعي ما يريد.. لديه مدرسة يسير على نهجها.. يعطي مساحة كبيرة للممثل.. يعتمد الخيال”.
وأبدت الفنانة القديرة جولييت عواد رأيها بالعرض، قائلة “جاءت المسرحية مميزة بكل عناصرها ابتداء من فكرة النص وعمقه ودلالاته إلى السينوغرافيا التي أضافت الكثير إلى ما يحمله النص من أفكار ومواقف”.
وتضيف “أن أداء الممثلين، جاء مكملا إلى الفكرة، أرجو أن تكون هذه بداية يضعها ويخطها عبد السلام قبيلات، وشعرت بأنها تشاهد مسرحا حقيقيا كما كانت تشاهد عندما كنت طالبة أدرس بقسم الفنون”.
وعبر الجمهور عن آرائهم، منهم أماني الغول التي قالت “الفكرة المسرحية إسقاط على الواقع العربي الراهن، رموز ودلالات عدة منها تجهيل الشعب.. وفرض حالة من الجهل والأفكار السوداوية.. عدم قدرة القيادات على التغيير وتسخيف فكر الشباب ومحاولاتهم. بينما يتخذون التخويف وسيلة حتى يتمكنوا من السيطرة، كما تشكل الفتاة حالة المرأة العربية والأوطان المغتصبة.. وفي الوقت ذاته تمثل فكرة الخوف من الآخر، فتظهر وهي تحاول التمرد والثورة وتخشى المجازفة”.
وقال محمود أمين “شاهدت لوحة مكتملة بكل عناصر العمل المسرحي يكمله أجزاء الفعل، عمل منتظم بطاقات إبداعية مميزة جدا، حالة اتحادية بين الموسيقى والديكور والأدوات، المخرج أبدع بعمله أخذنا برحلة لم نرَ البحر ولا السفينة بل همنا بتفاصيل إنسانية ورسائل أراد إيصالها لنا من خلال الفنانين الذي كانوا بحالة انسجام تام كل منهم يكمل الآخر”.
د. ينال حباشنة وجد في المسرحية “إسقاطا سياسيا على الواقع منها، وجهة نظر القائد قد لا تكون صحيحة، يمكن أن يتجاهل دور الآخرين، تؤكد ضرورة مشاركة الجميع باتخاذ القرار.. وغيرها من الدلالات التي حرص المخرج على أن يقدمها من خلال حوار عميق يرقى بالمسرح الأردني والحركة الفنية”.
وكان الكاتب ياسر قبيلات، أكد في تصريح لـ”الغد” أن الشخصيات في العمل تتصرف في إطار بنيتها النفسية والثقافية والاجتماعية، هي معادلة درامية رياضية في سياق بنية العمل.
وأضاف “أنا حاولت فهم الشخصيات والنص لمدة عامين متتاليين، لحين الوصول لفهم معين.. بالتالي الرؤية الإخراجية نابعة من الحالة التي تمر بها الشخصيات”.
وحول مسرح الشمس الذي ما يزال قيد التأسيس في الوقت الحاضر، يذهب قبيلات إلى أن الفكرة ولدت من عدم وجود مسرح يومي في الأردن، وهناك رغبة شديدة أن يكون مكانا خاصا بالمسرح تعرض فيه مسرحيات جادة وهادفة وتلتزم بالمستوى الفني العالي، تأخذ بالتقاليد المسرحية العالمية والتراث المسرحي العالمي وتيارات المسرحية.

 

منى أبو صبح

http://alghad.com/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.