أخبار عاجلة

عين على المسرح- واقع المسرح الجزائري بين الثوابت والمتغيرات موضوع مداخلة الدكتورة برمانة ســامــيـة طرح لأسباب الأزمة وبحث في سبل النجاح – بـقـلم : عـبـاسيـة مـدوني – سـيـدي بـلعباس – الــجزائــر

في باب احتضان دار الثقافة عبد القادر علولة بولاية تلمسان ، فعاليات أيام مسرح تلمسان التي امتدت لأيام وتزامنت مع احتفاليات اليوم العالمي للمسرح ، وفي المجال الأكاديمي وفتحا لمجالات الحوار والنقاش ، وترسيخ مبدأ التواصل مع الآخر في طرح أهمّ المواضيع المؤرقة التي تمسّ الفن المسرحي بالجزائري ،حاضرت الدكتورة ” برمانة سامية ” ضمن جدول المداخلات حول   واقع المسرح الجزائري بين الثوابت والمتغيرات ” ، وقد أدار وترأس الجلسة الفنان المخرج  “سمير زموري” ، محور المداخلة جاء متعدّد الأطراف ، واسع المجالات ، أرادت من خلاله الاستاذة المحاضرة ، مقاربة وتجلية ما يتعلق بالمسرح الجزائري ، وكل المحطات والعواصف التي مرّ بها ، مركّزة في فحوى مداخلتها على أهم ما أعاق مسيرة المسرح الجزائري في طليعتها فترة التسعينات مع العشرية السوداء ، أين عرفت ركودا وتراجعا في الجانب الثقافي الذي اتّخذ وجهة معاكسة في ظلّ تغييب كل مبادرات وآفاق التغيير ، حيث تمّ تضييق الخناق على حرية الفكر ، التعبير والابداع على المستوى الوطني والقومي ، فكان المسرح يمرّ بمرحلة جدّ حرجة وأضحى من الممنوعات ، وفي المقابل كانت هناك أصوات تناضل وتنادي بأهمية الفن الرابع ورسالته النبيلة فقوبلت بسلسلة من الاغتيالات التي راح ضحيتها كل من ” عبد القادر علولة ” ، ” عز الدين مجوبي” ، و” الطاهر جاووت” والقائمة تطول .

هذا ، وقد أشارت الى وعي من اغتالتهم أيادي الغدر ، وكيف كانوا يتمتعون بحسّ فني وفكر ناضج وواعي ، وكيف أنّ تجاربهم كانت نقلة نوعية في مسار المسرح الجزائري ، ومع ذلك وجرّاء العاصفة التي ألمّت بالمسرح الجزائري ، اتّسعت هوّة الأزمة وشملت أهم نقطة ألا وهي أزمة الاعراض عن التأليف ، والتأليف المرتبط بالعرض ، مع موجة التأثر بالغرب والاعتماد على النصوص العالمية في باب الاقتباس ، الجزأرة والترجمة ، ممّا نتج عنه تأخّرا وتقهقرا في ميلاد نص أدبي دراميّ .

العشرية  السوداء التي رأتها حملت في جعبتها متغيرات أثّرت على الفن المسرحي بالجزائر ، جاءت محمّلة بعديد الاشكاليات الكبرى التي تتعلق بالفن المسرحي ببلادنا ، منطلقة من أهمّ نقطة ألا وهي تغييب النقد البناء والموضوعي المواكب للحركة المسرحية ، حيث أن الساحة خالية من مراجعات نقدية رصينة ومعمّقة ، واذا ما وجدت فلا تتعدّى منابر اعلامية غير متحصصة ولا علاقة لها بالصنعة المسرحية ، وان تباينت في هذا الحقل بعض الأقلام المهتمّة المنطلقة من وعي ونضج فكريّ ، واتّساع رؤية نتاج التجربة والمتابعة ، لكن معظمهم يكتفون بالتحليل السطحي دونما بذل جهد بارز في التحليل والنقد والتمحيص ، فيغدو اعلاما غير متخصّص وغير ملمّ ، ناهيك عن تغييب  أساليب الاشهار الذي يعدّ الحجر الأساس في العملية المسرحية في باب الترويج للعروض .

كما أشارت ذات المحاضرة الى مشكل التسيير ، حيث أشارت الى أن معظم المؤسسات فقدت توازنها المالي والاداري ، كما يحدث مع مسرح بجاية الذي أضحى مثقلا بالديون ، في ظل تغييب أسلوب التسيير ببعد تجاري ، بالرغم من أن المسرح هو مؤسسة عمومية ذات طابع تجاري وصناعي ، وقد فصّلت أيضا في باب  القطيعة الحاصلة بين الأكاديميين والممارسين ، وتقهقر مجال النقد المسرحي الذي يكتفي بالبعد الانطباعي غير المتخصّص ، حيث أن المسرح يحتاج الصرامة النقدية للتقدم وتحسين المستوى في كشف سطحية المستوى ، والمبالغات الملموسة في مجال الأداء التمثيلي وباقي عناصر العرض المسرحي ، وفي مجال غياب الوعي والصرامة النقديين يتمّ استثناء الحجاج البليغة في ابداء الآرء،  فما أحوجنا الى تقييم وتقويم سليم وبنّاء ، موضوعي واحترافيّ يحمي عقل المتفرّج ويسهم بالتالي في تربية الذوق الجمالي والفني لديه .

ناهيك عن استعراضها عديد الأسباب والمعوقات التي تحاول أن تسهم في تراجعه ، ناهيك عن عملة الجمهور الغائب عن متابعة الأعمال المسرحية واكتفائه بمتابعة ما له علاقة بالتهريج ، مع التركيز على الصنعة المسرحية التي من مهامها الأساس تربية الذوق والحس الفني لدى هذا المتلقي ، وحمله على التفاعل والتجاوب والمشاركة الفاعلة ، وهذا كلّه مرتبط بحجر زاوية أساس ألا وهو التكوين الحلقة المفقودة في المسرح الجزائري في شتى مجالات الفن المسرحي .

وشدّدت ذات المتحدثة في تفاصيل محاضرتها على إلزامية العودة الى دراما تشتمل على الفكر ، الأدب والأخلاق ، الفلسفة وعلوم النفس ، بخاصة وأن فن كتابة الدراما في حاجة فعلية الى المعرفة المهنية لتحقيق تعبير صادق ، مع تجسيد للشخصيات ، رسم لمعالم الصراع الداخلي والخارجي وفق علوم النفس وفلسفات العصر الحديث ، لايجاد شكل مناسب تماما للمضمون الدرامي الذي يعدّ الأساس في الفكر المسرحي لتغدو عناص المسرحية مكتملة وذات بناء بأسلوب فنيّ وجماليّ.

بالرغم من كل تلكم العراقيل والأزمات التي عصفت وتعصف بالفن المسرحي في الجزائري ، ترى الدكتورة ” برمانة سامية ” أنّ مسرحنا الجزائري  في فترة مخاض جديدة وولادة متجدّدة لأعلام جدد وموجة شباب أخرى ، فيهم من يحمل مشعل الرعيل الأول من فنانينا على غرار كاتب ياسين ، علولة ، مجوبي ،  كاكي والقائمة تطول ، وفيهم من يجتهد ويحرص على جعل المسرح الجزائري في الطليعة ، لكن كلا الجيلين على وعي تامّ بأهمية الفن الرابع ومدى عمق رسالته .

هذا وقد تشعّب الحديث واتسعت رقعة النقاش والتواصل مع الحضور ، ليقف الجميع عند نقطة هامة مفاذها  ضرورة بل الزامية العودة الى هويتنا ، الى تراثنا ، الى معالجة المواضيع الآنية التي من شأنها جلب اهتمام هذا الجمهور والتقرب منه لتحقيق متعته الذهنية والروحية ، كما بات لزاما اعادة ترتيب البيت المسرحي الفني بالجزائر للوصول الى مسرح جادّ وهادف من أولوياته تحقيق رسالته السامية في أسمى صورها وأنبل مقاصدها .

عن عباسية مدوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.