عين على المسرح-مهرجان فرحات يامون للمسرح في دورته السادسة والعشرين أرض الفراشات استفزاز سلبي للجمهور ….وبرزخ بعد ساخر لشهداء الثورة – بــقــلــم : عـبـاسـيـة مــدونـي- سـيـدي بـلـعـبـاس- الــجـزائــر

في ضوء العروض المسرحية المبرمجة ضمن فعاليات مهرجان فرحات يامون للمسرح في دورته  السادسة والعشرين ، احتضن ركح دار الثقافة ” محمد غازي” عروضا مسرحية موجهة للكبار التي تابعها  جمهور جربة وهو يعيش أجواء الفن الرابع في طبعة مغربية ، عربية ، حيث رفع الستار عن عرض  ” أرض الفراشات” لــ: ” سـامي النصري ” لمركز الفنون الدرامية بالكاف ، العرض الذي زادت مدّته عن التسعين (90 د) ، سعى مخرج العمل من خلاله إلى طرح قضية ذات طابع ملحمي درامي ، تلامس القيم والمبادئ ، أسلوب التعايش وقضايا الهوية والتشبث بالأرض الوطن ، وما يعتري كل ذلك من موجة رياح  التغيير التي تزعزع تلكم القيم وتنخر المبادئ ضمن نسق حياة يحمل أطرافا من التواصل ، الحياة بتركيبات متباينة ومزاجية في زوايا اقتصادية ، سياسية ودينية بلمسة إنسانية .

الصراع الذي جسده ، مطبقا تقنية أو نظرية تكسير الجدار الرابع لإدخال الجمهور في اللعبة الركحية أتى  ثماره في اللوحات الأولى من العرض ، في ملامسته قضايا فلسطين ، قضايا الأنثى المحرومة من أدنى حقوقها  في وجه الطمع والجشع ، ممررا رسائل واضحة للعيان بشأن التعايش السلمي تحت أرض سماء واحدة ، حب الوطن بمنأى عن الصراعات والتطرف والتوجهات السلبية في شكل العنف والإرهاب في باب غياب التنمية  في شتى المجالات مع دحض الرموز التاريخية وتبديد القيم .

في رجوعه لحقبة الثمانينات وتضمين عرضه السرد المكثف والإطناب ، مع اعتماد تكرار بعض اللوحات والمشاهد حمل المتلقي على الاستفزاز السلبي ، فالتاريخ حين يعيد نفسه أو يعيد هو إسقاطاته على الراهن قد  نكون في غنى عنه مقارنة بهذا المتلقي وما يريده لإشباع شغفه وغروره ، ففي الصراع التراجيدي الذي حاول تصويره كان استرجاع تلكم الرموز غير مجد بالموازاة مع الآنيّ والمرتقب.

أرض الفراشات ، تصوير لمجتمع يرزح تحت نير التبعية ، الوهم والسلبية ، لتكون الرسالة واضحة للعيان  أن  أرض تونس الخضراء أرض للسلام ، للفراشات التوّاقة للعيش في كنف التحرر ممّ يعيق مسارها أو  توجهها ، وفي تكراره للقضية الفلسطينية إطناب مبتذل ، فهل فهمنا نحن كعرب فحوى القضية الفلسطينية ؟   ومن الأجدر بمتابعة التفاصيل والأحداث ؟ في ظل خنوع عربي وآخر دوليّ مع صمت مطبق أمام قضايا راهنة تتمرّغ فيها كل أمة على حدة .

لفيف الممثلين الذين جسّدوا الأدوار ، بدا عمل المخرج في ادارتهم مرهقا وشاقا حتى أن ألبهم فقد صوته بفعل تكاثف الحوار والطول الممل في العرض ، الأمر الذي حدّ من أدائهم وجهدهم البارز في بداية العرض ، وبدا جليا الإرهاق في باقي اللوحات .

ما يربو عن الساعة والنصف من السرد المرهق ، شتّت انتباه المتفرج ، وجعله يتساءل أكثر من مرة ، ماذا يريد ؟ وكيف سينهي هذا العمل ؟ وفي ظل تجسيده لشتى الصراعات بدا جليا ركض الممثلين في شتى الاتجاهات ، ومباغتتهم للحضور بين الفينة والأخرى بالقاعة محمّلين بكثير من الكلام الحامل لأبعاد تمردية وثورية ، معتّقا بكذا أمل وأفق في التحرر من كل قيد .

ليكون عرض ” برزخ” لجمعية مدى للمسرح بتطاوين ، من إخراج ” حافظ خليفة” ضمن رزنامة برنامج الدورة السادسة والعشرون من مهرجان فرحات يامون للمسرح ، والذي  تناول قضية شهداء الثورة  ، مرتبطين بسؤال بارز مفاذه : هل مصير أولئك الشهداء البرزخ الموعود ؟

وسط جهد بارز للممثلين وطاقة واضحة لإيصال رسالة العرض ، حيث الاستفهامات عالقة بمن هو أحق بالبرزخ ، ناهيك عن الملفات موضوع البحث والتنقيب بين جريح وشهيد ، وان كان جميعهم راضون عما يجري بتونس اليوم .

باعتماد تقنيات خيال الظل وسينوغرافيا متحولة ، شخّص المخرج جلّ مراحل إمكانية العبور ، معتمدا على عديد اللوحات ، وعلى الرغم من أن العمل تمّ مع مجموعة من الهواة إلا أنه كشف عن إمكانيات واضحة في التمثيل والرغبة في تشخيص لوحات العرض ، معتمدين الكوميديا والجديّة في الطرح مع استحضار البعد التاريخي وذاكرة الثورة حتى لا يشوب الحقائق النسيان ، وتغدو المراحل الراهنة والآتية محلّ نقاش وجدال بغية الوصول الى الحقيقة المطلقة في ظلّ التهميش والتزوير ، وتغييب دور الإنسان  كعنصر فاعل في لعبة التلاقي والتواصل واستعراض حقيقة الأمور بمنأى عن تشويه الدين الإسلامي ، مع استحضار مآثر التضحية ووضع ” سناء محيدلي “ كأنموذج حي لذلك ، فكانت صوت الأمة وهمس النضال وصدى المقاومة وهي تغادر الوجود في ريعان شبابها حينما نفذت عملية استشهادية ضد العدو الإسرائيلي في لبنان وهي في ربيعها السابع عشر، وكان العبور الى البرزخ بمثابة واجهة للعديد من اللقاءات والتعرف عن قرب عن فحوى نضال كل طرف ، وهل سيظل ملفه عالقا أم سيسمح له بالعبور .

كان العرض بمثابة الكوميديا السوداء التي تنبش في الحقائق ، وتعمل على تمحيص الرؤية الواضحة لإبراز الشهيد الحق والأحق بالبرزخ ، بعد سفر الشخصيات الثلاث باحثة عن الخلاص وهي عالقة بين الدارين وهم مختلفي الفكر والتوجه ، القاسم المشترك الوحيد بينهم الفضاء الذي يجمعهم والرصاصات التي اقتنصتهم ، أين لامسنا عالم الأموات ، وعايشنا التناقضات والصراعات المطروحة ، بين زمنين متناقضين ، للبحث في ماهية ” الــشــهيــد” بين عبث الموجود وعتمة ما ينتظرهم .

العمل المسرحي ” بــرزخ ” صمت وشهقة يضيّقان الخناق على المجتمع التونسي والعربي بشكل عام ، أين النضال واضح بغية تحصيل الحرية والكرامة  ، مع انتظار التحرّر من ربقة التشوه الحاصل بحجة الاستشهاد وتحصيل الحريات المغتصبة .

 

عن عباسية مدوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.