عين على المسرح -مهرجان فرحات يامون للمسرح عروض للكبار بتجارب متفاوتة وطرح موحّد للواقع التونسي أثناء وبعد الثورة -الجزائر

باعتبار الفن الرابع صراع بين الواقع والحلم ، عبور للحريّة وملامسة لشغف الآني والراهن ، احتضنت دار الثقافة ” فريد غازي” بحومة السوق جربة بتونس ، فسيفساء متنوعة من العروض المسرحية الموجهة للكبار في ظلّ فعاليات مهرجان يامون للمسرح والفنون الركحية في دورة خامسة وعشرين تعد بالكثير ، من بين العروض المدرجة ضمن البرنامج كانت مسرحية ” عقاب أحد ” للمخرج ” غازي الزغباني” وبطولة الثنائي ” محمد حسين قريع ” و” غازي الزغباني ” اللذان جسّدا لنا عبثية الوجود من على مقعد بحديقة عمومية ، العرض عن نص مقتبس للأمريكي ” إدوارد ألبي ” عن قصة ” حديقة الحيوان ” .

العرض لامس عبثية الوجود في فكّ القدر ، وكيف تجمع الحياة بين نقيضين يتّفقان في نقطة واحدة اسمها التهميش ، في محاولة لكسر القيود وتجاوز الطابوهات بغية تعايش سليم وسلميّ ، فــ” موفق ” الهارب من عيون البشر وملاحقتهم ، أنيسه الوحيد الكتاب لينكبّ على المطالعة ، أين يجمع القدر على مقعد بحديقة عمومية مع ” فرحات ” الذي يعاني التهميش هذا الأخير الذي يصر على سرد قصصه المتتالية ومآسيه ، وبين ” موفق ” و” فرحات” بون شاسع في الفكر والتعايش ، الأول تفتكّ به الوحدة والعزلة ، والثاني رغم التهميش اللاحق به إلا أنّه متحرّر من كذا قيد ، يرى في علاقته بأحد كلاب الحديقة أنجع وسيلة للهروب من عبث البشر واحتقار المجتمع له ، وبين حيثيات الحوار الدائر بين الطرفين تتدفّق الأسئلة وتتماهى أساليب الطرح لتعرية الواقع المعيش ، ومعالجة قضايا الساعة بما فيها الحرية ، الوطن ، الممارسة الديمقراطية وغيرها من أشواك قواعد بناء المجتمعات ، لتنتهي المسرحية في ظلّ حمّى الحوار بمقتل أحد الطرفين ، حيث لا حياة في ظلّ ما نكابده ونعيش لأجله ، في تلكم الحديقة وعلى ذاك المقعد تعمّقت فجوة الأسئلة ، تعرّت الصدور وصُبغت الأماني بألوان الدمار والقتل والعبث ، ليبقى دوما لربما مجال للحلم ورواق للصراخ .

ثاني العروض المبرمجة كان عرض ” Hypnose ” قلب الرّحى للمخرج ” عاصم بالتهامي” ومن إنتاج ” ماب برود” ، العرض الذي لامس الواقع التونسي بآلامه ومرارته ، بأحلامه وآفاقه ، كشف النقاب عن الصراع المحتدم بين فئات المجتمع التي تتعايش وفق نمط متباين بحكم التفكير ، الإيديولوجيات ، البعد الاجتماعي والكثير من التفاوت الذي يوسّع الهوّة ويجعلنا ندور في حلقة مفرغة من التساؤلات الاستفهامات ، وجاء الطرح المسرحي بالعرض متوافقا مع الموسيقى والمؤثرات الضوئية لتتناسب مع البعد الركحي الذي شغله الممثلون بحضورهم البارز ، وأدائهم الذي أثّث للعمل المسرحي وتماشى ورؤية الإخراج التي كشفت عن طاقة إبداعية رائدة تضاف الى المسرح التونسي ليتألق شيئا فشيئا بحكم التنوع الحاصل والاجتهادات المتكرّرة في حقل الإبداع المسرحي ، فالازدواجية الحاصلة بقلب الرحى تحمل المتلقي على أكثر من تفاعل ، كما عرّت المسرحية كل الأفكار السياسية المتداولة ، وكشفت بعد الإرهاب مع الوقوف عند سطحية الممارسات السياسية السطحية القامعة بتونس ، ليكون العرض صرخة في وجه الجبروت والظلم وقمع الطموحات وكتم الأصوات الحرّة المنادية بالتغيير في ظل كلّ التصدعات الآنية .

” سلفي ” نص ” أحمد عامر ” واخراج ” الطاهر عيسى بن العربي ” وبطولة ” إكرام عزوز” كان ثالث العروض المبرمجة ضمن فعاليات الدورة ، العرض الذي جاء في بعده الكوميدي الممزوج بالجديّة عالج وسلّط الأضواء على الأوضاع المزرية بالمجتمع التونسي فيما بعد الثورة ، العرض في طابع الوان مانشو تناول العديد من القضايا الشائكة المتعارف عليها وحاول طرحها في شكل عون نظافة الذي لامس من خلاله سلسلة من الإشكاليات العالقة ، ونبش في قمامة المجتمع ليضع يده على أكثر من موضوع يهمّ الفرد التونسي وأي فرد عربي أو إنسان بهذا الوجود ، ساعيا لتعرية نمط الإرهاب وكشف خباياه وتمرير رسائل المواطنة والشرف والعيش الكريم في ظلّ كل تصدّعات المجتمع التونسي أين اختلط الحابل بالنابل في خضمّ ما يسمّى ما بعد الثورة ، مبرزا أهمية العرض في تمرير رسائل هادفة تدعو للحفاظ على الوطن وصيانة شرفه ، وبين الكوميديا الساخرة والهادفة والجديّة مزج الفنان ليبرز طرق الإصلاح والتنوير ، وتعرية الواقع بشكل صريح بتفاصيل واضحة منطلقها النظافة ببعدها الفلسفي والرؤى الفنية .

وعليه ، العروض المبرمجة والموجهة للكبار ضمن تظاهرة مهرجان فرحات يامون للمسرح بجربة ، تونس تكشف عن طاقات واعدة ، ورؤى هادفة من أولوياتها خدمة الفن المسرحي وتفعيل حركيّته ، وحتى إن تقاربت المفاهيم في الطرح يبقى الفن الرابع رسالة الأمل ، الحلم وتحقيق المستحيل لا سيّما وأنّ المسرح التونسي يشقّ طريقه نحو الأفق في ظلّ ما يسمّونه بالثورة وما بعدها ، ليبقى المسرح حوار الانسان
والتواصل .

بـقـلم : عــبـاسيـة مـدوني – سـيـدي بـلعـبـاس – الــجــزائــر

عن عباسية مدوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.