عين على المسرح -مهرجان البساط العربي في دورته الثالثة 2019 عرض مسرح الشارع ” تياطرو بورطور” لفرقة كواليس تيط مليل المغرب وعرض مسرح الطفل ” الأخطبوط ” لفرقة مركز الفنون الدرامية والركحية –الكاف-تونس – بقــلم : عـباســـيــة مـــدونــي –سـيـدي بلـعـــبــاس- الـجـزائـــر

 

في إطار فعاليات مهرجان البساط العربي للمسرح الاحترافي في دورته الثالثة تحت شعار  ” المسرح العربي بين الصمود والانهيار” من تنظيم جمعية البساط العربي بمدينة بن سليمان ، وضمن محطات البرنامج المسطر ، كان لمسرح الشارع نصيب كما لمسرح  الطفل ، وقد تمثل عرض مسرح الشارع في ” تياطرو بورطور” لفرقة كواليس تيط مليل ، العرض الذي أقيم بالشارع وسط حضور جماهيري غفير ، كان عرضا تفاعليا محضا حيث تم التخلي عن العلبة الإيطالية وكان الشارع هو الركح والجمهور هو لغة الوصل والتواصل والتفاعل ، وبأدوات بسيطة تمّ التأثيث لعلاقة قوية ما بين الجمهور والممثلين ، جمهور مختلف التوجهات ومتباين الثقافات والمستويات إلا انه ينتمي إلى ارض واحدة وبقعة موحدة ، كل شئ مباح بمسرح الشارع حيث لا حدود للزمكنة ( الزمان والمكان ) ، ثمة وعي من لدنّ الممثلين وهم على استعداد تامّ للتفاعل والتجاوب مع كل جديد غير متوقع .

تياطرو بوطور” عرّى الكثير  من القضايا وواجه عديد المعضلات التي يتخبط فيها الإنسان المغربي والعربي على حدّ سواء ، شخصيات لمثابة الجوكر تقود الفعل الدرامي من خلال حوار تفاعلي ، والأمر لم يبد غريبا على الجمهور الذي تجاوب وتفاعل وشارك في اللعبة المسرحية خارج العلبة الإيطالية .

الأغراض المستعملة بالعرض أدّت وظيفتها ضمن مجريات الأحداث ، كما اسهمت في ربط علاقة وطيدة المتلقي ما بين الجمهور المتلقي وما بين الممثلين ، وقد غاص العرض في هموم وآلام الإنسان المغربي ، من الكادح حتى الإنسان الطموح الذي بقيت أحلامه أسيرة واقع مرير ، انتصارا للمضطهدين ومناهضة للعنف والجبروت والحقرة .

نص ” تياطرو بورطور” لم يخضع لقواعد كتابة مسرحية كلاسيكية ، بل جاء حواره سلسا ، مباشرا الأمر الذي أشرك المتلقي في العملية الإبداعية ، وكانت من خلاله السلطة للإنسان الذي يبحث في خضم كل العبث والفوضى عن حريته وحقوقه  الشرعية .

وبهذا ، يظل مسرح الشارع لغة منفردة واسلوبا متفرّدا بذاته للاحتجاج بأسلوب إبداعي محض وبلغة مسرحية هادفة ، وطريقة سليمة محو ملامسة آلام وآمال الآخر وطرحها ركحيا على الشارع ، فهو تيار مسرحي تفاعلي من شأنه التفاعل والقضايا المصيرية .

من جانب آخر ، كان للأطفال نصيبهم وحصتهم من برنامج مهرجان البساط العربي للمسرح الاحترافي ، حيث احتضنت دار الشباب صبيحة اليوم الأخير من فعاليات المهرجان العرض المسرحي الموسوم بـ” الأخطبوط ” لفرقة مركز الفنون الدرامية والركحية –الكاف-تونس ، مسرحية ” الأخطبوط ” من تأليف وإخراج ” محمد الطاهر خيرات ” ،  وتقاسم ادوارها كل من :        ” منير جزري ” ، ” نسيبة بن يوسف ” ، ” سهام التليلي”  و” زهير العروم “ .

العرض دارت أحداثه وسط فضاء رقمي محض ، وتقّمصت شخوض المسرحية أدوات تكنولوجية قمية حديثة على شاكلة الأنترنيت ، الهاتف الذكي ، اللوح الالكتروني ومضاد الفيروسات ، قد يندرج العرض نسبيا في مجال الخيال العلمي لكن المؤثرات البصرية طغت عليه بحكم توجه العرض ورسالته الموجهة .

حيث وبأسلوب شيق وممتع حاول طاقم العمل ملامسة واقع المدّ التكنولوجي وأهميته ، ومدى تأثيراته الجانبية السلبية منها والجانبية ، وكيفية استغلال هذا التطور الهائل في سبيل الحفاظ على الهوية دونما الانسلاخ من المبادئ والأصالة .

العرض المسرحي اعتمد التوعية والتوجيه ، على أن يضع المتلقي في واجهة المخاطر التي تتربص به إزاء الاستعمال الغير الواعي والغير العقلاني للتكنولوجيا الحديثة بمنأى عن الاستغلال الإيجابي في ضوء المعرفة وحصاد المعلومة التي تنفع ، ناهيك عن تحقيق التواصل الإنساني واختزال المسافات بين الأجيال .

وعليه ، فإن مهرجان البساط العربي للمسرح الاحترافي في دورته الثالثة ، شهد تنوعا وثراء من حيث البرنامج والمحطات ، من ندوات فكرية وعروض تنافسية ومسرح الشارع وعروض تنشيطية وورشات تكوينية ولقاءات فكرية ثرية ، وحضور وازن للإعلام والشخصيات الفنية ، أين كان المهرجان جسرا للعطاء والإبداع والتواصل ، لتلاقح الأفكار والانصهار ، للتلاقي والارتقاء والسمو بأبي الفنون لغة وحضورا وإبداعا ، مع دوام الاستمرارية والتفاني خدمة للمسرح لغة الإنسانية والحضارة والتأثيث لفعل فني واعد .

 

 

 

 

عن عباسية مدوني