أخبار عاجلة

عين على المسرح-في اختتام مهرجان فرحات يامون للمسرح في دورته السادسة والعشرين الرحلة من غزّة تكرّم رغم الحصار ….الكواســر تونس الخضراء الأبـــيــّة التي ترفض الخضوع… كل الرايات العربية نبض فلسطــيــن …-بـقـلـم : عـبـاسـيـة مــدونـي – سـيـدي بـلـعـبـاس- الـجـزائــر

 

أسدل الستار على فعاليات مهرجان فرحات يامون للمسرح في دورته السادسة والعشرين في محور ” المسرح والتراث” على مستوى فضاء دار الثقافة ” محمد غازي” ، العرس المسرحي العربي الذي كان نابضا بروح غزة فلسطين ، الغائبة الحاضرة بين الوجدان ، الحصار المفروض منع عرض ” الرحلة “ لمركز غزة للمسرح فلسطين ، من أن يشارك الوفود العربية المهرجان ، رغم كل ما عكفت عليه هيئة المهرجان وما وفرته لأجل تسهيل مهام دخولهم جزيرة الأحلام جربة بتونس ، ومع ذلك لم يمنع هيئة المهرجان من أن تبث مقاطع من عرض المونودراما “الرحلة ” أمام الجمهور الذي غصّت به القاعة لينقل لهم صوت غزّة ونبض فلسطين ، لغة الحرائر وغصن الزيتون.

غزة الغائبة قصرا ، الحاضرة قلبا وقالبا بروح كل عربيّ وفيّ للقضية الفلسطينية ، ورغم عدم حضورها إلا أن هيئة المهرجان كرّمت العمل المسرحي في قالبه المونودراما الموسوم بــ ” الرحلة ” للمخرج ” أسامة مبارك الخالدي”   ، وكرمت فلسطين قاطبة ووهي ترفع رايتها وراية تونس، كما خصّتها بذرع المهرجان، هذا حتّى تنقل صوتها ونضالها ، وقد قرأ الأستاذ ” زهير بن تردايت ” مدير المهرجان على الحضور الغفير بالقاعةة رسالة مخرجها لهيئة المهرجان ولكل الوفود العربية المشاركة بمهرجان فرحات يامون ، حيث ركّز مخرج العمل في رسالته علىى المجهودات المبذولة لجعل صوت غزة حاضرا في كل محفل من المحافل الفنية ، مثمّنا دور هيئة مهرجان فرحات يامون للمسرح في ريادة كذا مهرجان ، مؤكدا على نجاح دورة سنة 2017 بحكم الوفود العربية المشاركة ، وبحكم صوت فلسطين المدوّي بالركح ، موجّها رسالة واضحة الى المهتمين بأبي الفنون الى السموّ به شكلا ومضمونا حتى نرتقي ، وعلى ضرورة تثمين اللقاءات المسرحية الواعدة تشجيعا للإبداع ، مناداة بفعالية الحوار الفني ، تأكيدا على نضارة الأفكار وجديّة التجارب في حقلها التثقيفيّ والتوعويّ ، لاسيّما وأن المسرح هو الفن الانساني الوحيد القادر على التغيير وإحداث الفارق فنيا وإبداعيا ، مؤكدا في فحوى ندائه استغاثة غزّة المعجونة بالحب ، بالأمل وبالإرادة لكسر القيود وتحدّي الحواجز لتزلزل بصوتها أحقيتها في نيل الحرية وأنّ هذا لن يتأتّى  ما لم تتظافر الجهود وتعقد كذا لقاءات مسرحية لتقول أن فلسطين حاضرة وأنّ غزة رغم الحصار المفروض شامخة ، وأنّ المسرح سلاح ذا حدّين في محاربة الاضطهاد ، الجبروت والإرهاب بشتى أشكاله وأنواعه .

 

نشير الى أن مونودراما ” الرحلة” تصوّر لنا حياة شهيد عاد للحياة ، ليكتشف ويسرد حقائق مريرة على لسان كاتبها وبطلها الممثل ” محمود عفانة” ، الذي يجسّد دور الحقيقة ، صوت النضال والمواجع ، وهو يروي تفاصيل استشهاد وحيدته الطفلة البريئة التي اخترق رصاص العدو جسدها العفيف ، وكيف تضمنت المونودراما عديد الرسائل الوطنية لتشريح واقع ومعاناة الشعب الفلسطيني في بحثه عن هويته ، عن استرجاع أرضه وعن أحقيته في الحياة والاستقرار تشبثا بأرضه .

ليأتي بعدها عرض ” الكواسر ” لــ” حمادي المزّي” في شكله الخطابي المعجون بالإيحاء والرمزية ، مصوّرا لنا شخصية ” خضراء” المرأة الصنديد ، الشهمة ، القوية التي لا تهاب المصاعب ولا يكسر إرادتها أحد ، والتي تناضل لأجل بلوغ ” عين تنسيم” حتى تفجرها وينعم العالم براحة البال والسعادة في ظل كل الاضطهاد الدائر ، وفي ظل مشروعها النضالي المحفوف بكذا عراقيل داخلية وأخرى خارجية ، نلفي بالمقابل لامبالاة ، همجية ، مجتمع مغموس في الكراهية والحقد لا يؤمن بالحب ولا بالتعايش السلميّ .

الكواسر صوت تونس الخضراء ، تاريخها وإرثها ، وسط دويّ الموسيقى وقرع طبول الحرب ممزوج بصهيل الخيل ، وكأننا في حرب ضروس حيكت أو ستحاك ، ولربما هي سارية المفعول بأرض الوغى ، في تصوير المخرج للأعمى ، للابكم ولصاحب اليد المبتورة دلالات رمزية ذات إيحاءات رمزية واسعة تشير بشكل أو بآخر الى نماذج بشرية في مجتمعات يرأس سدّة حكما الأعمى عن الأحداث ، الأبكم عن اصدار صوت الحق ، ومبتور الذراع الممتدة الى حقوق العامة من البشر في كنف الصمت وخنجر السلطة.

اعتمد المزّي ، الحقبات التاريخية وكأنه يؤرخ لملحمة تونس ومراحل تاريخها التي مرّت بها ، من التعنت الحفصي ، الى الأسلوب الفاطمي ، الى الحكمة العثمانية والطموح الحسيني ، ليختصر لنا تاريخ تونس على لسان شخوصه والتكالب الحاصل بكل فترة زمنية للنيل منها ، وسط صمود  ” خــضـراء” في وجه المحن ، تضارب المصالح وعفن الساسة ، وصراع الأزمات المتتالية في زمن تونس الخضراء ، هنا أين ضاعت وتضيع في طوفان الصفقات المشبوهة والإعلام الفاسد الموجّه ، وما حال تونس الخضراء الا نسخة من حال الأمم العربية المغلوب على أمرها في رسالة المخرج لايقاظ الضمائر واستنهاض الفكر الحرّ بلغة عربية في قالب تاريخي .

 

والعرض بدا وكأنه تصوير كاريكاتوري في شخصياته ، من خلال السينوغرافيا في شكل ملابسهم ، ملابسهم ، حركاتهم على الركح ، معتمدا الأسلوب الساخر بين جموع الممثلين كحال الفساد المنتشر بالبلد العربيّ تونس وفق اسقاطات المخرج ، ما عدا ” خضراء” التي ظلّت جادّة ، شامخة وأبيّة وجميلة ،  مصرّة ، معتمدة على روحها النضالية وشغفها وحبها لهته الأرض ، ليبدو السؤال مشروعا في نهاية رحلة المسرحية : أيــن الـــمــســيــر ؟ وهو سؤال مفخّخ لمخرج وفريق عمله أمام المتلقي الذي يخرج ههنا مردّدا ذات الاستفهام ( أين المسير؟) في ظلّ التكالب الحاصل ، في ظل الفساد ، في ظلّ الجبروت والاضطهاد ، في كنف البيروقراطية والمحاباة ، فأين المسيــر ؟ وهل يحق للخضراء أن تمتلك أهليّة وأحقيّة النسيان ؟ أم لابدّ من تقليب المواجع وفتح كل ملفات الفساد المنتشر ، ليكون السؤال مشروعا ومفتوحا الى ما لا نهاية .

لتكرّم في نهاية المطاف ، كل الوفود المشاركة والتي أسهمت في انجاح الدورة من عمر  المهرجان ، وسط حمل الرايات العربية والتي تعلوها راية فلسطين القطعة من الروح ونسمة النبض .

تجدر الاشارة ، الى أن دورة 2017 لمهرجان فرحات يامون للمسرح في محور ” المسرح والتراث” كانت ناجحة على أعلى مستوى ، تنظيما ، تأطيرا ، تكوينا ، عروضا ، تنشيطا وأكاديميا ، ناهيك عن منح العلامة كاملة لجمهور جربة الوفيّ ، جمهورها من الصغار والكبار لتأسيس تقاليد مسرحية واعدة ورائدة بخاصة للأطفال جمهور ونقاد المستقبل ، ومن جانب آخر الكبار الذين يصيغون الحوار الفني كل بأسلوبه وطريقته في متابعته العروض ، واستخلاص فحواها والعمل على مناقشتها وفق وجهات نظر متباينة تؤسس بدورها لفعل نقديّ ينمو تدريجيا ، منوّهين بمجهودات كل من عكف على انجاح الدورة السادسة والعشرون وبخاصة جنود الخفاء ، والعلامة الكاملة لطاقة الشباب المتوافرة بجزيرة الأحلام ، للأمل فيهم وبهم ، للإرادة التي تحذوهم ، للابتسامات التي تعلو محيّاهم ، أليست تلكم هي مهمة المسرح ؟ أن يعلّمنا الجمال ، أن يؤثث داخلنا الحوار الفاعل والفعال ، أن ينحت بأسلوبه معاني التواصل والتفاعل ، أن يحملنا أن نرضع من ثدي الحوار أسلوب التعايش السلمي و أن يؤسس معنا وفينا محطات الابداع بلغة الانسان .

 

عن عباسية مدوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.