عادل لتعاونية مسرح الديك سيدي بلعباس صراع الهوية والانتماء والحريــة . بـقـلم : عباسيــة مــدوني #الـــجزائــر

رفع الستار اليوم 09 يناير 2021 ، عن العرض العام لمسرحية ” عــــادل” من توقيع تعاونية  مسرح الديك من سيدي  بلعباس ، وبدعم من صندوق تطوير الفنون والآداب ، ومساهمة المسرح الجهوي لسيدي بلعباس  ، حيث قدّم العرض دون جمهور في ظل جائحة كورونا وظروف الحجر الصحي .

عادل ” إسقاط جرىء لعديد القضايا منها المسكوت عنها ومنها الراهن ، كان هو ولا يزال ضمن العرض ثالوث الماضي والحاضر والمستقبل ، إنّه التاريخ المعبّأ والأرشيف المغبّر بين جدران المتاحف وصدأ الذاكرة .

عادل” نص وسينوغرافيا ” قادة بن سميشة ” وإخراج ” حوسين بن سميشة “ وتجسيد لكل من ” لحسن شريف” ، ” سفيان مختار” و” حوسين بن سميشة” ، ليكون هؤلاء من أثّث لحكاية مسرحية لم تخرج عن نطاق الراهن في مساءلة الذاكرة والذكريات ، في مساءلة التاريخ ، في استحضار زمن ولّى ومنحه نفَسًا متجدّدا .

المتحف كان الفضاء الأنسب لتفجير أحداث العرض المسرحي ، المتحف بكلّ أبعاده كان شاهد عيان على الآمال والآلام ، كان هو النافذة المفتوحة على التاريخ وحقائقه ، على ما يجب التصريح به وما هو خطّ أحمر ، المتحف كان رسالة مشفّرة تحمل بين طيّاتها الكثير من التفاصيل التي لابدّ من نفض الغبار عنها ، أو آن الأوان لذلك في زمن بات فيه كل شئ مغشوشا ، والمبادئ والقيم مجرّد كلمات خاوية وفارغة .

بالمتحف وفيه ولد صراع الهوية والانتماء ، صراع الوجود والكينونة ، صراع كن أو  لا تكن ، صراع الأجيال وتمحيص التجارب ، صراع النضال والحفاظ على الأصالة والتراث والليونة في التعامل مع الحاضر وموجته التحررية والمستقبل وبعده المجهول ، بذلكم المتحف تمّ مدّ جسر الحوار بين الأجيال ، جيل محافظ وما يزال يتخبّط في صراع مستميت ، وجيل متحرّر ، منطلق ومتمرّد ، وبين الاثنين هوّة وخيط رفيع من المعاناة وإثبات الوجود ورهان الذكريات التي تعدّ تذكرة النجاة .

بذلكم المتحف ، لامسنا كذا نوع من النضال ، نضال أتى ممزوجا بكل ألوان الموسيقى والتراث والطقوس ذات الصلة الوثيقة بأحداث العرض وحبكته ، ليكون ” لحسن شريف”   و” سفيان مختار”  حارسا المتحف شاهدي عيان على الذاكرة ، على صراعات التاريخ ، على صراعات الأجيال فيما بينها ، ليكون التاريخ في منظور كل منهما مختلفا ، متناحرا وذا عدّة دلالات ، لكنّ المتّفق عليه أن التاريخ هويّة وأصالة لابدّ ألا يطاله التهميش ولا التحربف في زمن تمّ تحريف كل شئ فيه ، مع خيانة علنية للذاكرة الجماعية ، ذاكرة الأوطان وذاكرة الشعوب ، حتى وإن كان لكل منهما رأي معارض .

المتحف بكل دلالاته ، كان الحقيقة الوحيدة التي كشفت المناضل ” قسوم” ، ذلكم المكافح الذي ضحّى بالنفس والنفيس من أجل الحرية ، الذي بحكم المآسي والندوب التي خلّفتها الحرب صار أكثر حكمة ، أكثر شراسة وأكثر تمرّدا .

” قسوم ”  وجد نفسه بين أكثر من صراع ، هو المناضل الوفي ، لم يخرج من دائرة الإستفهامات ولا من مستنقع البحث والتحري ، وكأنه في زمن غير زمانه ، هو الذي وجد نفسه بين رحى السؤال والجواب ، بين استنطاق ماضيه وتاريخه واستعراض مآسيه وآماله  في زمن الحرية والتحرر…

من فضاء المتحف إلى فضاء الحياكة ، تتصاعد أحداث العرض المسرحي ليكشف  ” قسوم ” عن ولعه بفن الخياطة ، ومحبوبته ” مبروكة” التي هي رفيقة الدرب ، مؤنسته وغاية إبداعه وحرفيّته في الخياطة ، وما ” مبروكة” سوى آلة الخياطة التي رافقته في حلّه وترحاله ، وكاتمة أسراره ، وحافظة إبداعه ، و” مبروكة ” كانت اسما على مسمّى إذ لطالما جسّدت كل إبداعه وتصاميمه ، محافظة على أصالة وهوية الزمن من خلال ملابسه التي ذاع صيتها في بعدها التقليدي الأصيل الضارب في جذور الهوية ، في جذور الزمن الجميل .

صيت خياطته كان سببا مهمّا في مراسلة صديق النضال والجهاد له بعد مدّة ليطالبه بتصميم لباس خاص بمنابة وطنية هامة ، ” عادل ” الذي أصرّ على تصميم صديقه  ” قسوم ” هذا الأخير الذي وجد الكثير من العراقيل في محاولة توفير طلب رفيق الجهاد ، واجتهد في ذلك وزار العديد من المتاحف والخياطين من ذوي الخبرة وكان ” علي” من شهود العيان والمعترفين بأصالة وجودة خياطته ، هو الذي أبدع على مر سنوات حفاظا على نكهة الأصالة وعمق الهوية في حياكته الملابس ، معترفا بحرفيّته ومدى إنسانيته في مدّ يد العون لكل من هو في حاجة إليها ، ولم يتأخر يوما في ذلك وأنه آن الأوان لردّ الجميل وتوفير شتى المستلزمات من قماش وألوان وخيط ليبدع مجدّدا في تصميم اللباس التقليدي لرفيق الجهاد ، هذا وكان ” زينو” خياطا يافعا عصريا في صراع وصدام مع ” قسوم”  الخياط التقليدي ، وفي حبكة ذلكم الصراع تنكشف الكثير من التفاصيل التي مهّدت لتساؤل شرعي : ماذا بعد…؟

وبعد كل الاجتهاد والإبداع والشغف الذي صاحب ” قسوم ” وهو يصمم لرفيق الجهاد ،   إلا أنّه اصطدم  في الأخير بإلغاء الطلبية من لدنّ صديقه ، الذي استبدل التقليدي الأصيل بالعصري الباهظ القادم من الضفة الأخرى والخالي من الأصالة ، الأمر الذي سبّب ندبة أخرى تنضاف إلى ندوب الدهر التي تقلّدها ” قسوم ” .

كل الصراعات ، وشتى ما صادف ” قسوم ” إلا أن ذلك لم يثنه من مواصلة مسيرته في حلّتها الإبداعية ، وفي مشهد جدّ مؤثر حمل البرنوس الأبيض مسلّما إيّاه لـ” قادة بن سميشة ” في دلالة قويّة ومباشرة على مواصلة الدرب وأن الأجيال مترابطة ، متراصّة وقادرة على مواصلة المسير بالحفاظ على إرث الماضي واستغلال الحاضر والتطوير من أدوات المستقبل شكلا ومضمونا  ، وذلكم البرنوس كان سيقدّم لأي متلقّ من الجمهور إن كان حاضرا دلالة على الصلة الوثيقة ما بين الأجيال .

العرض المسرحي في مزجه بين عديد الطقوس والموسيقى من الديوان والتراث الشعبي الأصيل ، مع الإستغلال الأمثل للفضاء الركحي ، والتوظيف الإيجابي للديكور ، ناهيك عن لمسة المخرج كلمة ولحنا وأداء ، والعارف بطقوس غنجة والمتحف الإرث يعي مباشرة أن العرض ولد من رحم ” غنجــة” والنص ترعرع بين تلكم الجدران ردحا من الزمن ، بحكم أن النص لصاحبه الفنان ” قادة بن سميشة” سبق وأن قدّم منذ ثلاثة عقود كاملة ، لتكون سنة 2021 الميلاد المتجدّد لهذا العرض في حلته الإبداعية ، ولمسته الشبابية التي لم تنسلخ من الأصالة ومن هويّة النص وبعده الحسي والفكري والروحي .

ليغدو عرض ” عادل” رسالة أخرى مشفّرة في زمننا هذا مفاذها أن التواصل وأن الهوية وأن التاريخ جزء لا يتجزأ من كيان الوجود ومن شرعية الحياة ، وأن ما قدّمه ” حوسين بن سميشة ” مخرجا شابا برفقة فريقه فيه تشابك للأحداث وبلاغة في تشريح الفعل المسرحي ، وأن المتعة التي تمنح للمتلقي على ما يزيد على الساعة كفيلة بأن تضع أمام نصب أعيننا الكثير من التناقضات والمفارقات بلمسة جادة ، فما قدم كان مسرحا جادّا ، متجاوزا كل العبث متصديّا لشتى ملامح التشظّي.

في عرض ” عادل” ثمة عديد المواجهات نلمسها ركحيا وسينوغرافيا وأداء وفعلا ، ممهّدا السبل لولادة متجدّدة تضعنا أمام مدى قدرتنا على التحليل والتمحيص ومدى قدرتنا على استيعاب النص الدرامي وتفكيكه ، وأنه يلزمنا متّسع من الوقت لذلك أمام حماس الممثلين ودهشة المشاهد وجمالية السينوغرافيا وإغراءاتها ، وأن الثالوث الزمني المجسّد ( الماضي ، الحاضر والمستقبل ) يدفعنا نحو موجة أخرى من الحيرة والتساؤلات ، من التأني والتمرد والتفاعل ، بخاصة وأن السينوغرافيا المجسّدة كانت وظيفيّة بشكل ملفت ومغر ، من الإطارات الشاخصة والشاهدة على شخصيات ولّت تركت بصمة هنا وهناك ، ومن قماش بألوانه ذات المزج الساحر بين الأصيل والمعاصر ، ناهيك عن التوظيف الذكيّ للمكنستين وأهمّ ما نحتاجه كنس الغبار عن تاريخنا ، وعن حاضرنا لتلميع مستقبل نأمله مشرقا ، كنس كل الزوائد والشوائب التي تعدّ حجر عثرة في سبيل المضيّ قدما ، كنس العقليات النزقة والمتحجّرة وتلميع تفكيرها علّ وعسى تغدو ذات فاعليّة ، كنس الضغائن وشطف النفاق لتمليع نفوس شاهقة الحضور محبة وحرية وعطاء …

في العرض المسرحي ” عادل ” كانت شتى الفضاءات الركحية مؤثثة لعديد الرؤى والمواقف تحملنا على المساءلة ، وشتى الحيوات المشكّلة بالعرض استقراء لمفارقات زمانية ومكانية متعدّدة وكل شخصية في ذلك مشحونة بالعديد من الألوان والأشكال والأفعال والحكايات المؤلمة ، وكل ذلك تمّ في حركية وديناميكية متواصلة مع قدرة على الغوص في مكنون التاريخ بكل أحداثه ، والحاضر بكل مفارقاته والمستقبل بشتى دلالاته .

تجدر الإشارة ، وكما أنه موضح في ملصقة العرض ، أن ” عادل” تكريم لشاب    مسرحي وفنان واعد ابن مدينة سيدي بلعباس الذي فارق الحياة وهو ” موسى لكروت ” ،  لكنه ما يزال حيا بين محبّيه وأصدقائه ، وفي العرض روح من روحه ، وحضور من حضوره السامق على الركح كما دوما .

عن عباسية مدوني