عين على المسرح – تظاهرة الفوارة شــو رهانات المؤسسات الثقافية في ظل الأزمة وواقع المسرح الجزائري موضوعا النقاش والجدل – بقلم : عـبــاســيــة مـــدونــي – ســيـدي بـلـعـبـاس – الــجــزائــر

   تعيش عاصمة الهضاب مدينة سطيف هته الأيام على وقع تظاهرة ثقافية وفنية موسومة بـ

الفوارة شـو” حيث تقام التظاهرة على مستوى دار الثقافة ” هواري بومدين” ، حيث ينظمها ديوان الثقافة والسياحة لبلدية سطيف ، ويرعاها كل من السيد والي ولاية سطيف ورئيس المجلس الشعبي البلدي ، أين انتعشت ليالي عين الفوارة بفعل هذا الحدث الفني المسرحي في طابع الوان مان شو الذي ضمّ تحت أجنحته عديد الوجوه الثقافية والفنية ولفيفا من المواهب الشابة الواعدة التي تتنافس للظفر بجائزة الفوارة شو الذهبية .

الفوارة شو لم تغيّب الجانب الأكاديمي لمناقشة العديد من القضايا الراهنة والتي أثراها جمع من الأساتذة المختصين والمهتمين بالفن الرابع وما يرفعه من تحديات في ظل سياسة التقشف المزعومة التي عصفت بالقطاع الثقافي وجعلت العديد من المؤسسات الثقافية والفنية تتخبط في ظل صراع مجهول المعالم ، أهمّ ما نوقش على طاولة المحاضرات كانت مداخلة  موضوعها ” رهانات المؤسسات الثقافية في ظل الأزمة ” للأستاذ ” محمد سطيلي” المدير الأسبق لدار الثقافة بسطيف والمدير الجهوي الحالي لمسرح قسنطينة ، أين استعرض وبكل صراحة تداعيات الأزمة ، ورافع من أجل ايجاد البدائل والحلول لانتهاج سبيل سياسة ثقافية في مجال الفن الرابع ، أين أشار الى ضرورة مدّ جسور التواصل والعطاء مع الآخر حيث لا يمكن بناء الانسان دونما مسرح أو كتاب أو فن ، كما لفت الانتباه الى وجهة نظره الخاصة التي تناهض أن يدفع قطاع الثقافة ثمن الأزمة وبشكل خاص المسرح على حساب قطاعات أخرى ، فكل السلطات معنية بدعم المؤسسات الثقافية لدفع دولاب حركتها الفنية وضمان استمراريتها.

وقد رتّب أهم الأسس والقواعد التي من شأنها ضمان النجاح في تسيير المؤسسات المسرحية وحصرها في :

  • الزامية مراجعة حقوق الفنانين .
  • مراجعة ومتابعة العلاوات الممنوحة للعمال .
  • الانفتاح واستغلال الفضاءات للمؤسسات المختلفة التربوية والثقافية .
  • الرفع من سعر كراء المؤسسات المحتضنة للأنشطة الثقافية والفنية .
  • استغلال بهو المسرح في عملية البيع بالإهداء للكتب والناشرين والشركات .

من جهته ، أثار الأستاذ ” عبد الناصر خلاف ” موضوع واقع المسرح الجزائري وكانت ورقته المعدّة للنقاش موسومة بــ” جمهور المسرح وكرة القدم كيف حدثت السرقة ؟”

أين صرّح أنه حين اتصال المدير الفني لتظاهرة ” الفوارة شو ” ” توفيق مزعاش” بشخصه مطالبا إياه اعداد ورقة تخص راهن المسرح الجزائري حاليا ، ارتكز حينها خياره على سلسلة أو مجموعة من التيمات الفرعية كــ: المسرح والتقشف ، التقشف في زمن المسرح ، التقشف المسرحي وغيرها من التيمات التي تبادرت الى ذهنه في ضوء الموضوع المقترح .

وأكد أنه بعد تفكير ملي وخوف من طرق أبواب تفاصيل قد تؤدي الى تصفية حسابات مع مولانا التقشف ، اقترح عليه  موضوع ” المسرح والاقتصاد” بمعنى المجادلة بشأن المسرح كبضاعة ( البطاطا ، اللحم ، النقل ، السكر والبن …) التي يتحكم بها منطق العرض والطلب ، لكن حضوره مؤخرا ندوة ” المسرح والجمهور” على مستوى فضاء الراحل نادي ” أمحمد بن قطاف” شهر سبتمبر المنصرم بالمسرح الوطني ، فقرر حينها أن يفاجئ الهيئة المنظمة لتظاهرة ” فوارة شو” بمداخلة عنونها بــ ” جمهور المسرح وكرة القدم كيف حدثت السرقة ؟ ”  ، فجاءت ورقته المفتوحة على النقاش والمتابعة على الشكل الآتي :

يقول محرر المقال  :

   ” أجمع مختصون على أنّ المسرح الجزائري فقد جمهوره بسبب عديد العوامل المرتبط بعضها بالوضع الاجتماعي، والبعض الآخر يتعلق بذهنية الجزائري في حدّ ذاته. وتأسفوا لما يعيشه المسرح اليوم في الوقت الذي فرّ فيه الجمهور إلى ملاعب كرة القدم.” 1

 

     حين يتحدث اكاديمي كبير بحجم مخلوف بوكروح ويقول بالحرف الواحد : أنّ الجمهور استحوذت عليه كرة القدم والملاعب رغم أنّه يدفع الثمن لمشاهدة المباريات في الوقت ذاته يعزف عن مشاهدة العروض المسرحية”

علينا ان نفتح ملف كرة القدم ونتساءل معا كيف حدثت هذه السرقة ؟

     فقط  اشير ان الباحث يشتغل حول هذا الموضوع وسبق ان نشر كتابا وهو اعادة ما اعده كطالب للحصول على شهادة الماجستير في علوم الاعلام والاتصال  تحت عنوان : الاجتماعي في المسرح الجزائري 1963- 1972 وهي دراسة مسحية اكثر من 415 صفحة …

   وهل فعلا هل عزوف الجمهور عن ارتياد  المسارح الجزائرية إلى “علاقة التضاد الحاصلة في الفن الرابع ببلادنا من حيث قلّة التوزيع والإنتاج معا، فضلا عن غياب التخطيط وسوء البرمجة وضعف

التنظيم ..”  كما يقول الدكتور بوكروح وهي ادانة شاملة ازاء الواقع المسرحي الجزائري وهو حكم يوجه اللوم بقسوة للممارسة الفنية  ..

لو فتحنا ملف سياسة المسرح في الجزائر بناء على الوثائق المتوفرة لدي  نجدها كلها تمارس سياسة جلد الذات و تحميل مسؤولية الاخفاقات – عادة في مثل هذه التقارير و التوصيات لا تتحدث عن النجاحات.

  سأقدم جدولا احصائيا تقريبيا عن واقع كرة القدم في الجزائر :

( بالمناسبة كنت لاعب كرة القدم ثم تحولت الى الفنون القتالية واكتشف ان حكمة الوالد البالغ من العمر 101 سنة تفيدني في التكلم بصوت مرتفع دون خوف من احد)

عدد الملاعب المهيئة :حوالي 46

عدد الملاعب المحلية :2 = 48

عدد الملاعب الضخمة التي في طريقها للإنجاز سنة 2017:ملعب بوخالفة تيزي وزو-ملعب وهران الجديد بتكلفة 250 مليون دولار اي16 مليار دينار جزائري- مركب سطيف الجديد – ملعب برقي العاصمة – ملعب قسنطينة الجديد – ملعب الدويرة – ملعب مستغانم ..

 قيمة تكلفة ترميم ملعب 5 جويلية 170 مليار سنتيم

نهائي  كأس الجزائر

  • الحضور الرسمي : 54 نهائي كأس الجزائر، فازت سطيف ب 8 كؤوس..

كم من مرة حضر رئيس الجمهورية و رئيس حكومة و وزراء ووو..

عدد البرامج التلفزيونية

عدد الجرائد

عدد الحصص الاذاعية

المعاهد

الميزانية ( يتطلب مجموعة من المختصين كي يحددوا الميزانية التي تحددها الدولة للكرة القدم “

الدخول الى الملعب ( التذكرة)

ان جمهور كرة القدم لم يتشكل في لحظة بل بترسانة تقف خلفها من وزارة الرياضة الى الفيديرالية الوطنية لكرة القدم  والساسة و رجال الأعمال وترسانة اعلامية ..

النتيجة  :اعادة انتاج القيم السلبية في المجتمع  العنف اللفظي و المادي  أي العنف بكل اشكاله وايضا  ظاهرة التسرب المدرسي .. حاليا تثار مشكلة سحب رجال الأمن من الملاعب وهي كارثة حقيقية..

عندها نصل الى نتيجة مفادها من كرس هذه اللعبة جماهيريا واعلاميا ؟

و الآن الهاجس المركزي المطروح

ما هي أهم الوسائل لمحاربة العنف في ملاعبنا ؟

بالمقابل …..

كم عدد المسارح الموجودة في الجزائر : الجزائر العاصمة – سيدي بلعباس- معسكر- وهران – سعيدة – بجاية – باتنة – العلمة – قسنطينة – عنابة سكيكدة – ام البواقي ( كلها ارث استعماري )

تيزي وزو- الجلفة ..

لو تسألنا بنوايا طيبة :

كم مرة حضر رؤساء الجمهورية ؟

كم مرة حضر رؤساء الحكومة ؟

كم من وزير حضر ؟

ان حضور الشخصيات الوطنية يعطي دعما قويا للحركة المسرحية 

  عدد المهرجانات :

اطولهم عمرا مهرجان مستغانم لمسرح الهواة ( 50) لكن هذا المهرجان لم يسطع ان يجعل من مدينة مستغانم مدينة مسرح خلال تواجدي فيه تحدثت الى اغلب السكان فقيل لي انهم لا يهتمون به

المعهد الوطني العالي لفنون المسرحية ( تغير اسمه الى ثلاث مرات)

فتح ملحقات الفنون التشكيلية و الموسيقى ، اغفاء او اغفال ملحقة الفنون المسرحية

 ( تم غلق ملحقة باتنة للفنون الدرامية )

كيف يتم اعداد  المتفرج  بتعبير الدكتور مصطفى مشهور ؟

كيف يؤسس مسرح لمتفرج ذكي ؟ وكيف يكون هناك اعداد  غير مباشر للمتفرج المسرحي

” فالمتفرج قد يغدو ذلك الوحش الذي لم يعد باستطاعتنا التغلب على احتياجاته الثقافية او تلبيتها ” يصرح مشهور اذا فقدنا هذا المتفرج فلا “وجود في المقابل لمسرح يعيده اليه .”.2

لكن مصطفى ذهب الى شق آخر وهو الكتابة و الاخراج  ..

لكن ما آراه شخصيا  لاستعادة هذا الجمهور هو وجود حلقة مفقودة بالمنطق الدرويني ( القرد  الانسان)

هذه الحلقة التي لم يتم مناقشتها  والاشارة اليها في الملتقيات و الندوات و الوثائق و الورش : هي مسرح الشباب او فئة المراهقة وهو مسرح  يحمل  هموم وقضايا من صميم المجتمع ويطرح أسئلة مؤرقة …

  اضافة الى:

المدرسة : التربية الفنية المسرح

غياب شراكة   فعلية بين وزارة الثقافة والتربية ( مسرح مدرسي)

غياب شراكة بين وزارة الثقافة والشبيبة والرياضة ( ورشات – نوادي)

وحتى اكون منصفا ان هذه التوصيات جاءت في ملفات سياسة اصلاح المسرح  اوت 1988 و (نوفمبر1994) لكنها ظلت حبرا على ورق ..

علينا الان نتجاوز منطق كرة القدم لأن كرة القدم لم تسرق جمهور المسرح بل سرقت الشعب الجزائري وهذه الغاية الكبرى ..وبالتالي يمكن الحديث عن مستقبل المسرح او الاعلان عن  موت المسرح او اغتيال المسرح لأن الاغتيال قصدي ..

علينا قلب معادلة :رحلة الجمهور الباحث عن مسرحه،  و المسرحي الباحث عن جمهوره.

و طرح اسئلة  جديدة حول كيفية   سرقة  الجمهور الآخر الذي بيته ملاعب كرة القدم والقنوات التلفزيونية الرياضية

لأننا فعلا كما قال الباحث عزالدين بونيت هل يحق للنقد الحديث عن جمهور ” في الوقت لم تستطع التجربة التاريخية و الاجتماعية انتاج جمهور حقيقي ومؤثر، يتخذ تارة شكل الرأي العام ، واطوار اخرى شكل المجتمع المدني المنظم و المالك لجزء فعلي من مصيره و اختياراته ” 3

الاحالات

  • حسان مرابط ، المسرح الجزائري فقد جمهوره… “سرقته” كرة القدم، جريدة الشروق اليومي بتاريخ 2016/09/24
  • د. مشهور مصطفى ، اعداد الممثل ام اعداد المتفرج ؟دار الفارابي،2006،بيروت ، لبنان
  • عزالدين بونيت ، المسرح والدولة ،منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة رقم 9،2010،طنجة ، المغرب.

وعليه ، فإن مداخلتي الاستاذين ” محمد سطيلي” و” عبد الناصر خلاف” قد فتحتا الجرح العميق والنازف في واقع مسرحنا الجزائري ، كما أثارتا أكثر من استفهام حول رهانات وتحديات وصراعنا أبو الفنون في الجزائر بخاصة في ظل الأزمة الراهنة ، إلا أن تلكم الاشكاليتين المطروحتين من طرف الأساتذة ليستا وليدة الأزمة فحسب ، بل في زمن البحبوحة المالية وضخامة المهرجانات التي أهدرت من المال العام الكثير لم تكن تنتبه الجهات المسؤولة بإمعان وحرص الى المستقبل القريب ،إلى أن جاء شبح أزمة التقشف وضيق الخناق وبدأت الاستفهامات تطرح بشكل أوسع ، وباتت الأسئلة المغيّبة تظهر للعيان وبقوّة ، حيث آن الأوان لرص أسس جديدة ودراسة معمّقة لأصول الأزمة قبيل وبعد التقشف هذا المصطلح الذي يقبض على روح الفن والثقافة ، وتتقاسم فيه المسؤولية كل الجهات من أكبر مسؤول الى أصغرهم ان فعلا كنّا مستعدّين للمضيّ قدما بالفن الرابع في الجزائر دعما للطاقات ، تشجيعا للاقتراحات وترحيبا بكل الحلول حتى وان بدت صغيرة أو بسيطة .

عن عباسية مدوني

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.