عين على المسرح العربي-“مكاشفات”.. صعود الحجاج وسقوطه / العراق

يُسمع صوت الحجاج، من خارج الخشبة، ثم يتوارى، لتحضير اغنيات أخرى- اغنية (سعدي الحديثي) في الغربية، مع الطبل والجوبي، (ولج عرنة ولج خانة)، واغنية اخرى لـ(داخل حسن) في مضايف الشيوخ وسط اهوار الجنوب.المرأة: مع حضور المرأة بملابس سوداء وعمة كبيرة على رأسها هذه المرّة تظهر في البدء بملابس بيضاء، وملابس (الحجاج الثقفي) السوداء ثم تنفسح أمامنا ارضية المسرح بيضاء ينتثـر عليها القطن الابيض، يندفها الحجاج بسيفه، كناية عن سفكه لدماء الأبرياء الطاهرة النقية.

ثم يغمرنا المخرج بلعبة: الستائر المعلقة والمتحركة، البيضاء، التي تكشف عن المستور خلفها، وتفضح ما يجري في فضائها الدموي، وتحولاته المكانية والزمانية بأسلوب أنيق، مشبع بصرياً بالوان حمراء وزرقاء.
هنا يحدث التقابل بين مستوى متواضع افقي للمرأة عائشة بنت طلحة ومستوى متعالٍ، جاثم على هيئة رجل يرفل بالبياض – ايضاً- كناية عن كرسي العرش، الذي يدرج عليه صعوداً وهبوطاً الحجاج نفسه.
ونحشر مع الممثلين في بقعة من هذا العماء الأبيض، الذي يتخبط فيه الحجاج، حيث تؤطر الاضاءة، موضعها (مخدعاً) يجمع عائشة بالحجاج وتضع شالاً ابيض يغطيه بالكامل، ثم يتقوض تحته ويركع، وهي تنطق بكلمات حرّة، تنحاز الى الانسان، وجوهره السليم، وحين تفرغ من حواراتها، تسحب عنه هذا البرقع الابيض الزائف ليبدو خلفه، بسواده الصارخ المقيت وعوائه الوحشي.
ويزداد الثراء البصري بانتقالات الاضاءة، والمؤثرات المجسمة بين مواقع حضرية، تمسح القرى، والقصبات، والمدن، بسياحتها الباهرة.
يقودنا انتهاء البصريات، الى قيام تناسخ جديد للحجاج، الذي بات ملتصقاً بكرسي السلطة حيث تتميز العاصمة بغداد غيظاً قرب نصب الحرية، مطالبة برحيله عن العرش الدموي، كما تظهره مناظر (الداتاشو).
واخيراً يظهر التابع، بأطوار وأدوار عدة (فاضل عباس) تارة سركال شيخ واخرى (جندياً)، ولاعباً بهلوانياً، ومهندساً ارضياً للطائرات، التي يوجهها تارة بصوته، واخرى بالمصباح الأحمر، صوت 7 × 7، من البوابة رقم (7).
والطريق الى (الحيرة) كما يعلق المذيع. وهنا في (الحيرة) يظهر مشترك لفظي، بين مدينة الحيرة التاريخية زمن المناذرة والغساسنة، بوصفها الحضاري المعروف، وبين حيرة الأنام او العباد، حين يشلّ الدكتاتور حراكهم، ويحجب عنهم التواصل مع الحرية في حياة معاصرة كريمة.
ويبدو ان انتقاء العرض للرقم (7) فيه دلالة طائفية مضمرة، في حرب الساسة، وتلويح احدهم للآخر، بالانتقام، والتطهير العرقي! متناسين ما تجرّه أمثال هذه الحماقات من تمزيق لأرواح الناس، اينما كانوا لتطال من يتفوه بها، وترديه ضحية على مذبح الغفلة، وحمّى التنافس غير الشرعي على تفوق مشبوه، شائه!.
وتستمر (الطائرة) المخطوفة عند الختام الى البوابة: (8) رقم الرحلة (8) حيث يقود طاقمها الركاب الى جهة مجهولة حيث (اللامكان)!.
تنشد عائشة حين تلتاع المرأة فيها، باهزوجة الفجيعة، وهي ترقص مهتزة بين جهات الكون الأربع، بعويل ينبع من رثاء أور، والندب والعويل على موت (تموز)، واختفائه في درك العالم السفلي، حيث اللاعودة، لقد أدّت مخطط اللطم والسبي، والانسحاق المأتمي، الفنانة (شذى سالم)، بما ينسجم، وروح التراجيديا العراقية الراسخة، في مسيرتها الدموية وفواجعها المتوالدة، والمتكاثرة، دون أمل، او بصيص رجاء في الخلاص من هذه المحنة المستعرة، التي يقبض مشعلو حرائقها ثمن عمالتهم بمقدار ما يزهقونه من أرواح بريئة، بلعبة نرد عشوائية قدرية، تخبط مصائر الناس، شمالاً وجنوباً، دون اي احساس بشيء اسمه الضمير!! فهم ينحرون البشر كالأنعام! وعائشة هذه يأتيها رسولٌ من الحجاج، يطلب يدها، فتكشف لعبة تخفّيه، بعد ان بعثت بيده رسالة هي ان تبصق في وجهه الملطخ بالعار.
هذه المجابهة تظهر كيف يتحوّل فيها الحجاج الى رمز وإمارة وطاغية ومتطاول، ومتجبر على غمار الناس، والمنتهك للأعراض، والدعي بأنه يعمرّ أحجار المدينة، وانهارها، وآبارها ونخيلها.. لكنها تدهمه بحقيقة خيانته (للانسان)، وتفحمه عائشة بالسؤال: ما قيمة ان تربح طابوقاً، وان ترصفه قبراً على روح الانسان او تضيّق عليه معاشه، ثم ترسله الى جهنم التي لا يحفها من أطياف الجنة، سوى ارواح ارسلت غدراً الى باريها!! – استخدم المخرج تقنية تخص مصصطلح (الجروتسك)، او الهيئة الشائهة، التي يختلط قبحها بتهريج صادم، لما تظهره بطانة الطاغية، وما يبطنونه مع وليّ نعمتهم (الحجاج) المتلوّن كالحرباء، والعابر للحدود الاستبدادية وما تنطوي عليه من قيم بدوية، وعشائرية، وعصابية تحزبية، مقبورة، لا تنسجم مع أنشودة الديمقراطية، وقبولها بالآخر الذي لم يعد ضدّاً، وجحيماً، بل مشاركاً ايجابياً فعالاً في صياغة الروح البشرية السوية، التي تتكامل روحاً وجسداً، تتفاعل الأنا والعالم، او المواطن ومجتمعه في نظام حكم نزيه، يرعى مصالحهم ويوصلهم الى بر الأمان.
ثم يسقط الحجاج وهو يبحث عبثاً عن سيفه، مع غلامه، الذي يصفر تارة بصفارة رقيبٍ، يترصد العشّاق في خلواتهم، لكن يتغافل حين يبصر ذوي الأمر فينا!! فيتحول الى ديوث منضبط يحرس شذوذ الحاكمين!.
ومن المفارقات في انجاز خطة العرض الإخراجية، أن يتقمص الممثلون شخصياتهم الحقيقية، ولوازمهم اللفظية، ويعلنوا أسماء الآباء، وطبائعهم المعروفة، بعيداً عن اسمي الدورين، الحجاج والثقفي، وعائشة بنت مصعب. فيصبح (ميمون) هو الحجاج وتصبح ابنة طه سالم هي (عائشة)!.
او ينسى (ميمون) الحوار، فيخاطب سيّافه التابع، بأن يعينه على أمره، فيظن انه يطلب سيفاً، لكنه، ينزاح انزياحاً تقويضياً! بالكامل، ويتحدث معه باللهجة الدارجة، انه (نسي الحوار) ويريد (تذكيره به)!.
برزت اللازمة في اللهجة الشعبية، النافرة، التي رافقت الحوارات العربية الفصيحة، التي أجاد نسيجها بروح الشفرات المؤلف قاسم محمد، حتى تكاد – احياناً- تحسبها شعراً مسرحياً، فتأتي الالفاظ لتزاحم بلّورها الصافي، بلطخات كثيفة من العتمة التداولية اليومية، الخابية وكأن صانع العرض يريد منها، إبراز اقنعة ممسرحة، تحمل ضاغطاً تغريبياً، مباشراً، للجمهور العريض، واستدراجه لفخاخ الدكتاتورية النشاز، وفضح دجلها ونفاقها وآلياتها المموهة تحت موسيقى الالفاظ الناصعة المتناسقة، لكنها في كنهها عبارة عن تلفيق منبري خطابي، لا يُغني من فقر، ولا يشبع من جوع!.
– ملاك، قديس، بقبعته، وقوامه المرسوم أسود طويل وبندقيته، هذا ما ينتهي اليه الحجاج في عصر اختراق الفضاء، وتكريس حقوق الانسان. عودة الحجاج للمرة الألف تاريخياً، هو لعنة التاريخ المضطرب، ووصمة في جبين الشعوب، لأنها غفت ساعة غفلة، لينقضّ عليها فحول من الغيلان الكاسرة، فيخنق وباؤه الأنفس، ويعمّ الفساد.
– تظهر بشاعة الدكتاتورية في قتله أقرب خلصائه، ليتدحرج هذا الفارس، مضرجاً بالدم، حتى يظفر بزوجته! وهي من الحرائر!.
– استثمر المخرج، المسرح الدوار، اختصاراً للزمن الواقعي واستبداله بالزمن الفني، وأظهر لنا الممثلة، وهي تلاحق الجلاد، عبر الوديان، والفيافي، والمدن لتظفر به، وتشفي غليلها من هذا المجرم العاتي، الذي يتفلت مثل الزئبق من القصاص، ويتكاثر مثل الفطر المسموم في السهوب الواسعة، فتضيق بالناس، الأرض بما رحبت تحت قبضته الظالمة، لكنه سيبقى طريد العدالة، وساعتها سيصرخ مثلما صرخ ريتشارد الثالث- شكسبير: مملكتي بحصان!.
قدم الفنان الراحل قاسم محمد، من منظومة مسرحية خصبة، من عمق تجارب المسرح الروسي، المنفتح على عقول اخراجية غربية خلاقة، وبمثل تفاعله مع المسرح الاوروبي، والامريكي تراه باحثاً متعمقاً بتراث الأجداد، منهم على سبيل المثال الفترة العباسية، وصولاً الى الفترة العثمانية، والى ظواهر القرن العشرين، حتى آخر أعماله المرموقة في دولة (الامارات) الشقيقة.
ومن نباهة قاسم محمد، انه كان متابعاً خلاقاً، لمؤلفات أدبية، تخص الأديب (محيي الدين البرادعي)، الموسومة (مكاشفات عائشة بنت طلحة)، وقراءته –ايضاً- لمؤلفات (محمود تيمور) ليختار مقاطع محددة منها، ليوظفها في نصّه المسرحي، تحت عنوان: (مكاشفات).
ويعمل المخرج (غانم حميد) منذ سنين خلت على (الثيمة) السياسية ويقرنها مثل بعض المخرجين العرب، والعراقيين الجادين، بالبعد الاجتماعي، وما تفرزه السلطة من مظاهر متنوعة، ابرزها احتكار المال والسلاح والوجاهة المتسلطة الكابتة للحريات، والمستأثرة بثروات الاوطان المستلبة، والمحكومة بالحديد والنار.
يندرج عرض (مكاشفات) تحت هذه اليافطة العريضة من (مسرح التحريض)، وان اتخذت لبوساً تاريخياً صرفاً، يخص شخصاً يدعى الحجاج بن يوسف الثقفي، وهو قرين هتلر، وموسوليني، وطغاة العرب الذي جاء ربيع الخلاص منهم، وقدمت الشعوب فلذات أكبادها لتحقيق انتصاراتها، ولكنها قد غفلت عن جرائم جديدة، تطبخ للانقلاب على هذا التغيير الوطني الحاسم، لطرق الحكم، والوصول الى السلطة.
المخرج (غانم حميد) عبر ممارسات اخراجية ابداعية سابقة، استفز أعلى هرم في السلطة، كما فعل بعض أقرانه، وهو اليوم، كعهدنا به بالأمس، ينتصر لما يرشحه له ضميره الوطني، ووجدانه الجمالي، ومسؤوليته الفكرية، لمجابهة طغيان اليوم السياسي، باستعارة أمثولة الحجاج الثقفي، الذي استبدل الثمار اليانعة، بجزّ رقاب العباد!. لكي يستتب له الحكم، باسم الدين، او الشرع، او بأسماء شعبوبة تلفيقية أخرى.
هذا المخرج في تجربته (مكاشفات) أعاد بعضاً من تقاليد مسرحنا العراقي من حيث تنفيذ سينوغرافيا مبتكرة كما هو ديدن اساتذتنا الرواد، وتلامذتهم في جلّ عروضهم الابداعية الوطنية الملتزمة.
وباتت لدينا بضعة أسماء من العاملين الناجحين في السينوغرافيا، ومنهم الفنان المبدع (علي محمد السوداني) الذي نفخر بمنجزاته الكثيرة، ومن بينهم عروض كاتب هذه السطور.
ولا ينبغي نسيان الدأب الجمالي، والتنفيذي لمساعد المخرج (إحسان هادي)، وما حفلت به موسيقى العرض من ثقافة غنائية، ولحنية، وهارمونية، اضفت البهجة الشكلية والجمالية، وحققت اطاراً واضحاً لوحدة عناصر العرض الفنية، التي تكاملت مع أداء الممثلين، المتزامنة بتعبيريتها الأخاذة مع سحر المؤثرات البصرية، والسمعية، ويتضح هذا في التركيب المشهدي الجذاب للممثلة شذى سالم، وهي تقارع الفضاء، والفراغ المفتوح بحسن وقفاتها، ووضعياتها، وتحكمها الاشاري، في دور (عائشة بنت طلحة).

—————————————

المصدر : جريدة المدى – د.عقيل مهدي

 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.