عين على المسرح العربي – «مسرح المحكور»: ماذا تبقى من ظاهرة فنية كانت وليدة حركة 20 فبراير؟

صبيحة 22 شباط/فبراير 2011 خرج عشرات الآلاف في المدن والقرى والمداشر بصوت واحد يقول الشعب يريد إسقاط الفساد ويريد حرية وعدالة وكرامة اجتماعية في مغرب حر ديمقراطي. مطالب تجاوزت كثيرا سقف برامج أحزاب البلاد الرسمية وحركت البرك السياسية الراكدة. وسرعان ما أعلنت الانضمام للحركة عشرات الهيئات الحقوقية والسياسية وشباب وشابات بدون انتماءات سياسية أو إيديولوجية أجمع الكل أنها لحظة مفصلية في تاريخ البلاد. بعد أقل من شهر كانت مفاجأة العاهل المغربي كبيرة حين تجاوب مع «الحراك العشريني» وأعلن عن الشروع في جملة من الإصلاحات أفرزت حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية.
كانت تلك الاستجابة من دواعي خفوت الاحتجاج وتواري المد الجماهيري إلى الوراء، لكن 20 فبراير كفكرة ظلت يقظة في نفوس من حررتهم من الخوف وروضتهم على الاحتجاج وقول كلمة «لا». فبدل الخروج الجماهيري إلى الشارع أتخدت أشكالا وتعبيرات جديدة فنية أو ثقافية أو جمعوية لكن بحس نضالي انبثق من احتجاجات ومطالب وغضب شباب حركة 20 فبراير من قبيل الغناء والموسيقى والسينما والمسرح والمبادرات الثقافية والإنسانية التي تتخذ من مواقع التواصل الاجتماعي نقطة انطلاقها.
ولعل من أبرز التجارب الثقافية التي ولدت من رحم 20 فبراير واستلهمت روحها وفلسفتها واعتمدت أهدافها وأفكارها فرقة «مسرح المحكور» وإسم الفرقة وللوهلة الأولى وفق المحكي المحلي في المغرب يحيل إلى إحساس قوي يمزج بين القمع والقهر و الاضطهاد لينتج إحساس «الحكرة». وتحاكي الفرقة تجربة المسرحي العالمي أوغوستو بوال في البرازيل والذي يعتبر رائد مسرح المقهورين منذ ستينيات القرن الماضي حيث أبدع طريقة فنية جديدة تستهدف إشراك الجمهور في رسم أحداث ووقائع ونهاية المسرحية التي تدور فصولها أمامه وذلك في إطار مسرح شعبي تفاعلي معارض ورافض لأوضاع القهر والظلم والاضطهاد. التقط الفكرة بداية أحد شباب حركة 20 فبراير الذي كان قد تقدم صفوفها الأمامية في مدينة الدار البيضاء إسمه حسني المخلص شاب ثلاثيني عمل سابقا كصحافي ودرس تقنيات المسرح في إسبانيا، في لقائه مع «القدس العربي» يقول: «20 فبراير لم تكن فقط محطة مفصلية في التاريخ المغربي بل لها معي علاقة شخصية جدا هي مصدر إلهام ومرشد طريق. أتذكر بعد سنة من تأسيسها دخلنا كشباب في مجموعة من جلسات التفكير والبحث والنقاش. أردنا إيجاد بدائل وأشكال نضالية تعبيرية جديدة لأجل استمرار روح الحركة واستمرار التفاعل مع الناس، وبعد تفكير وصلنا لتأسيس فرقة مسرحية مختصة في العمل الفني الاجتماعي الذي يلامس هموم الناس ويعكسها. لقد غيرنا فقط طرق الاشتغال إلى تعبيرات تتغذى من محركات وأسباب الاحتجاج. في أوج التظاهر كنا نعتقد أننا وحدنا من يمتلك الحقيقة ومن له الحق في الإمساك بمكبرات الصوت وسط الشارع للحديث إلى الناس حول المطالب والأفكار والمقترحات وما كنا نعتبره حقائق مسلمة. في الفرقة المسرحية الجديدة التي وضعنا أولى لبناتها قررنا أن نكون أكثر إنصاتا أن تعطي الكلمة للناس وللجمهور وأن نشاركهم في التفكير والبحث عن حلول وذلك عن طريق الفن والإبداع».

نضال فني جماهيري
على «ركح» الشارع:

يتقاطع «مسرح المحكور» أو مسرح «المنتدى» مع فن الحلقة الشعبي التراثي المغربي في استعمال الفضاء العام والشارع وتمازج ممثل الحلقة مع الممثل من الجمهور من أجل التعاون في إيجاد حل مسرحي للواقعة التي يجري تشخيصها وسط جمهور متفاعل من كل الشرائح والمستويات الثقافية والاجتماعية. وعن انبثاق فكرة «مسرح المحكور» يضيف حسني المخلص: التجربة ظهرت بداية في البرازيل وانتقلت إلى بلدان أخرى منها بلدان عربية مثل «مسرح المقهورين» في مصر، و»مسرح المضطهدين» في الأردن. في المغرب حاولنا تكييفها مع واقع الحال ومغربتها ومن هنا جاء «مسرح المحكور» بداية في الدار البيضاء ثم سرعان ما تبنت الفكرة فرق مسرحية في مدن مغربية أخرى.
في «مسرح المحكور» تحدد الفرقة موضوعا للنقاش قد يكون العنف أو القمع أو الاعتداء في الشارع العام أو خدمات الإدارات و المرافقة العمومية أو حالات الظلم والإفلات من العقاب، يتم تشخيص مشهد يجسد بوضوح حالة قهر واضطهاد تضم «ظالما ومظلوما ومساعدا في حالة الظلم والقهر ومحايد ومشجع ومتفرج على الحالة» ومن ثم يتم إشراك الجمهور لأجل التعبير عن رأيه فيما يراه والبحث في أسبابه والبدء في عصف ذهني جماعي لأجل إيجاد حلول للوضعية الماثلة أمامهم، فيتدخل ممثل من الجمهور ويتصرف في المشهد كأن يرفع يد الظالم عن الشخص المضطهد ويزرع الابتسامة في وجه الباكي وجعل المتفرج المحايد مشاركا في تغيير حالة الاضطهاد ومن ثم تغيير مسار القصة عبر إبداع حلول غالبا ما تتنوع بتنوع الجمهور الحاضر.

من عروض «مسرح المحكور»

«أينما كان قهر واحتقار للمواطن نحن هناك» هكذا يجيب حسني المخلص عن سؤال ما هي الثيمات التي تشغل بال «مسرح المحكور» وهكذا قدمت الفرقة عروضا حول الرشوة بكل مستوياتها. فتعاونت مع منظمة «ترانسبارنسي العالمية لمحاربة الرشوة» في إنجاز قافلة فنية مسرحية جابت عددا من مدن المغرب لأجل تقديم عرض «استعجال الكلام» جسدت فيه الفرقة والجمهور المشارك مشاهد الرشوة التي قد تحصل في الإدارات والمستشفيات وشرطة الطريق ورشوة الأشخاص النافذين ورجال الأعمال من أجل إنجاز مشاريع غير قانونية وغير ذلك من مظاهر الرشوة والارتشاء التي تفاعل معها الجمهور.
اشتغلت الفرقة أيضا على موضوع حقوق المهاجرين من جنوب الصحراء في عرض جال مدنا مغربية وسافر أيضا نحو تونس بعنوان «بحال بحال» وتعني «مثل بعض»، ومنع هذا العرض عدة مرات من طرف السلطات المغربية لأنه ناقش معاناة المهاجرين وأوضاعهم الإنسانية في المغرب الذي يعتبرونه بلد عبور للهجرة نحو أوروبا أو بلد الاستقرار في حال فشلت محاولات الهجرة بشكل غير شرعي. ثم ومن الأفكار الأخرى التي طرحها حسني المخلص في فرقته القهر الممارس ضد المرأة في النص المسرحي «داها وداها» وهي أهزوجة مغربية قديمة تغنى في الأعراس وتعني «حصل عليها وامتلكها» في إشارة إلى أن المرأة تؤخذ ويتم امتلاكها كأي شيء ملموس. وحاليا يقول بأنهم يحضرون عرضا حول «العنف المدرسي» تجاه رجال ونساء التعليم والتلاميذ.
في الحاجة إلى تأسيس مسرح هادف:
يقول حسني المخلص أن إيجاد فضاءات للتعبير عن عالم القهر والقسوة والظلم بوضوح وشفافية وبدون تابوهات وخوف هو أول خطوة في درب التغيير. وعن إلى أي حد يمكن السير قدما في طلب التغيير وهل من الممكن أن تتغلغل فكرة المسرح النضالي في وجدان الناس وتساهم في خلق انتفاضات شعبية تطالب صراحة بالحرية والديمقراطية أجاب «قد لا يتحقق ذلك في الأمد المنظور لكن بإمكان المسرح النضالي والهادف أن يشكل حركة ضغط اجتماعية تؤخذ بعين الاعتبار». وتبقى تجربة «مسرح المحكور» في الهند خير نموذج حيث أصبحت حركة اجتماعية لها صوت مسموع سياسيا ويتم التفاوض معها في فترة الانتخابات وتقترح قوانين على البرلمان. بالنسبة لنا ما زال هذا الأمر حلما لكننا على الأقل خطونا خطوتنا الأولى، وهذا لأن المؤشرات والإمكانيات الذاتية والموضوعية لم تنتج بعد ما يمكننا وصفه بالحركة الثقافية الفنية والمسرحية التي همها الأساسي التغيير والنضال. ورغم ذلك يستشهد حسني بتجارب فنية أخرى رائدة سبقت «مسرح المحكور» في تبني مشاكل وهموم الناس ورسمت لنفسها خطا مسرحيا يحاكي الواقع المغربي وينطلق من تفاعلاته المجتمعية والسياسية والاقتصادية ويقول عنها: «هناك فرقة مسرح «دابا تياتر» وهي ذات باع وسبق في المسرح النضالي الهادف وهناك أيضا تجربة مسرح «أكواريوم» مع الكاتبة والمخرجة المسرحية المعروفة نعيمة زيطان التي اشتغلت خاصة على قضية المرأة. هي تجارب رائدة لكن رغم ذلك الجو العام في المغرب لم ينضج بعد كي نتحدث عن «دينامية مسرحية» عامة وشاسعة لها التوجه والإطار نفسه».

على خطى «مسرح المحكور» …

وليست فرقة «مسرح المحكور» وحدها من أزهرت بغيث حركة فبراير، بل ظهرت أشكال وتعابير أخرى فنية وثقافية وجمعوية أثبت بحسب الباحثين أن الحركة غيرت أفكار وتوقعات وأقبرت حقائق كانت في حكم المسلمات وأنتجت جيلا جديدا لا يشبه مغرب ما قبل الربيع العربي. من تلك التجارب مثلا فرق موسيقية وفناني راب استعملوا سلاح الغناء للاحتجاج على الأوضاع والتعبير عن حالات القهر والاستبداد من ضمنهم «معاد بلغوات» الشهير بمعاذ الحاقد الذي حوكم عدة مرات، وفرقة «وليدات فيسبوك» التي أسسها نشطاء في الحركة وقدموا عبرها عروضا شرحت بحس نقدي معارض إخفاقات الحكومة وناقشت مواضيع الاستبداد وحرية التعبير. وبرزت أيضا مبادرات اتخذت من وسائل التواصل الاجتماعي منطلقها ومنبرها مثل لقاءات «الفلسفة في الزنقة» التي انتقلت فكرتها إلى تونس وتعمل على تنظيم حلقات نقاش في الشارع يتم طرح محاورها الفلسفية في صفحة خاصة في فيسبوك ومن ثم تحديد تاريخ اللقاء وأيضا هناك تجربة «الدخلة بكتاب «التي تعمل على تنظيم حفلات فنية هادفة تكون تذكرة دخولها عبارة عن كتاب بحيث يتم تجميع تلك الكتب بعد الحفل والسفر بها بعيدا إلى مناطق ومداشر نائية لأجل بناء مكتبة لشباب وأطفال هذه القرى. وعن هذه التجارب يقول حسني المخلص: هي تعبيرات صحية عبرها نرصد غنى الدينامية الفنية التي خلفتها 20 فبراير. لقد لاحظنا أن الشباب غير طريقته وتوجه أكثر نحو ما هو فني وثقافي وهذا أمر جيد وأفضل من أن يجنح شبابنا طبعا نحو تعبيرات أخرى قد يكون من ضمنها «التطرف». ويختم قائلا:» 20 فبراير كما غيرت الرقعة السياسية في المغرب غيرت أيضا المشهد الثقافي» .

فاطمة بوغنبور
القدس العربي

عن عبد الجبار خمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.