عين على المسرح العربي -في مهرجان «أفانسين».. حتى المسرح زعلان – مصر

وفقًا لما رأيته في مهرجان «أفانسين» الذي نظمه المركز الثقافي الفرنسي في الفترة من 11 حتي 18 فبراير، وقدم فيه 6 عروض مسرحية ضمن مسابقة المركز، إضافة إلى 3 عروض قدمت على هامش المهرجان وعرض ختامي. بدا جليًا الغضب فيما قُدم من عروض، ونقد لما وصلنا إليه في عدة جوانب حياتية أهمها: “الإجتماعي، والسياسي”. وظهر واضحا في ثلاثة عروض مسرحية قدمت نفس القضايا ولكن بطرق ومعالجات مختلفة، من خلال شباب بعضهم لا يزل يدرس في الجامعة أولها عرض “الدخان” الذي تحدث عن مفهوم العشق الممتزج بالألم وفقًا لسير أحداث العرض، كما كشف أيضًا ما عانته أسرة شاب قرر الإنسحاب من الحياة محتميًا في إدمانه للمخدرات التي تحقق له السعادة وتؤنس وحدته. “عاطل بالوظيفة”.. أما عرض “حلم هزلي” فتتساوى فيه الكوميديا مع التراجيديا، حيث تناول عدة قضايا ومنها البطالة داخل المؤسسات الكبرى رغم عمل الموظفين بها، الأمر الذي جسده “خالد” بطل العرض من خلال عمله في مؤسسة حكومية يذهب إليها كل يوم دون أن يفعل شيئ، يجلس بلا مكتب مثل غيره ممن حوله، ثم يعود إلي منزله محملًا بالإحباط، ما يفعله كل يوم هو الحديث مع الموظف القديم  “أستاذ راشد” وزميلته الجديدة “علوية” التي تقتل الوقت بأعمال “التريكو” ثم تبيعها للموظفين. “الراجل شغله حياة، وطالما معنديش شغل يبقى معنديش حياة.. أنا عاطل بالوظيفة”، يقولها خالد معترضًا على ما يواجهه يوميًا، وكأنه يرد على من يتهمون الشباب  بعدم الرغبة في العمل وتفضيلهم لـ “قعدة القهاوي”، و تتبع تلك الجملة مشاهد لما يحدث في تلك المؤسسات الأرشيفية التي قد تقضي على حياة أفراد كُثر عندما يلف موظفها القديم “شاندويتشاته” في أوراق الأرشيف وكأنه أمر عادي لن يضر أحد في شئ. إعلانات .. ثم ياتي دور نقد إعلانات التليفزيون التي تحاصرنا كل يوم، وتبيع لنا كل شئ، بعروض وهمية أحيانًا، تلك الفتيات التي تحدثنا عبر الشاشة عن منتجات كثيرة، ورجال يقدموا لنا عروض حصرية بأسعار لم تحدث من قبل، لمنتجات وأجهزة غير صالحة للإستخدام أحيانا. مالناش في السياسة ..  لأن كل شئ يعود إلي السياسة، قدم العرض عدة إسكتشات، عن القادة والرؤساء مثل (عبد الناصر، السادات، مبارك، والسيسي). رقاصة وأغنية .. ولم يخلو العرض من التعليق على ما تقدمه سينما السبكي من أفلام عمادها هو الأغنية شعبية أو المهرجان، الذي تزينه راقصة تلفت الأنظار ويتهافت على رؤيتها رجال وشباب كثر عند دخولهم للسينما، والعنف المتمثل وفقًا للعرض في “المطوه اللي بتزغرط في الأفلام”. كما كان لهم تعليق أيضًا على السينما الدرامية والأداء المبالغ فيه، وفقًا للعرض وكان المثال على ذلك أداء الفنان الراحل عماد حمدي في المشهد الذي جمع بينه وبين عبد الحليم حافظ في فيلم “أبي فوق الشجرة”. “أربعة أرجل فأرجل” .. قدم العرض العديد من القضايا الإجتماعية ومنها “الزواج”، إضافة إلي الكثير من النقد السياسي لما نمر به في بلادنا، المتمثل في مشهد صندوق الإنتخابات، والحروب، والهدنة التي يصفها النص أنها خدعة يقدمها المحاربون لشعوبهم ليقنعوهم بأن الحروب انتهت لفترة، إضافة إلي البرامج والحوارات التي تطرح مناقشات عدة حول أمور وقضايا مصيرية دون وصول لحقيقة بعينها وجل ما يحدث هو “لخبطة” المشاهد. اوعي تقول معرفش .. ثم يأتي دور ما يعانيه قطاع كبير من الشباب الباحثين عن فرصة عمل، في كتاب الـ “سي في” الذي يجب أن يُرضي صاحب العمل، والذي تختلف طريقة صياغته وفقًا لكل شركة أو مؤسسة، إضافة إلي المعاناة التي مر بها كثيرون أيضًا عند ذهابهم للمقابلة الشخصية “الإنترفيو” ما يطرح بها من أسئلة غريبة قدمت في مشهد كوميدي تعالت فيه ضحكات الحضور على سؤال “شايف نفسك فين كمان 5 سنين؟”، و الذي تضطر كمتقدم للعمل الإجابة عليه وفي النهاية لن تحصل على الوظيفة ثم يظهر من يقول بعد كل ذلك “الشباب مش عايزين شغل!”. “ريا وسكينة”.. أما عرض “السيمفونية التاسعة .. ريا وسكينة”.. فهو عرض تفاعلي يبدو غضب القائمون عليه من تخبط  المعلومات الخاصة بأحداث وشخصيات بعينها في التاريخ مثل “ريا وسكينة” الللاتي قتلن الكثير من النساء ثم اكتشفنا مؤخرًا أنهما كانتا يعملن في المقاومة، حيث يُفتح في العرض نقاش حول التاريخ ومدي مصداقيته، وصحة معلوماته التي تقدم لنا، يشارك الجميع بأرائهم ويختلفون مع القائمين على العرض بهدف الوصول لحقيقة المعلومة التاريخية، مما يثير بداخلك عدة تساؤلات: “هل التاريخ يكتبه الفائزون فيصبح أحادي الرؤية؟ أم أن التاريخ وجهات نظر وعلينا البحث لنعرف الحقيقة؟، أم أن ما نقرأه بالفعل هو الحقيقة دون أدنى شك؟!”. وهنا تتجلى فكرة المسرح الناقد، تلك المساحة التي تسمح للشباب بالتعبير عن أنفسهم، و غضبهم، وتوضح رؤيتهم للوضع الحالي، ومستقبل أوطانهم، وطرحهم لعدة تساؤلات قد لا يحصلوا على إجابتها ولكن يكفيهم المحاولة. الضحك من أجل الضحك .. وعلى الجانب الأخر يأتي “مسرح مصر” وعروضه، التي  يقدمها الفنان أشرف عبد الباقي مع فرقته المسرحية الشبابية، والتي تتعرض لكثير من النقد منذ فترة، علمًا بأن هذا النوع من المسرح يبدو أنه ملائم لتلك المرحلة التي نعيشها، فهناك فئة من الجمهور كل ما ترغب فيه هو الضحك لتنهي يومها بإبتسامة، وقطاع كبير من الأطفال يهوى رؤية (على ربيع، مصطفى خاطر، ويزو، أس أس)،  فقط لقدرتهم على إضحاكهم مع كل عرض. لن يفهم الأطفال تلك القضايا الكبيرة المتعلقة بالسياسة، وحبس الأدباء، ومقدمي البرامج، وتعذيب المسجونين، واختفاء المواطنين القصري وإنكاره، وغيرها من الأمور، ولكن جل ما يرغبون فيه هو الضحك وسماع “إفية” جيد من نجمهم المفضل، يكررونه مع أصدقاءهم ويتباهون أمام بعضهم البعض بقدرتهم على حفظه. إضافة إلى جمهور هذا المسرح من الأسر التي لا يمكنها الذهاب إليه، فيروي “مسرح مصر” ظمأهم عبر شاشات التليفزيون، بعد يوم طويل مليئ بالسعي من أجل لقمة العيش، فتشدو فرحتهم فور رؤية “على ربيع” ابن المنطقة الشعبية الذي يشبههم، و”ويزو” التي تثبت أن”التخن” ليس بعائق. ومصطفى خاطر الذي يقدم شخصية “عم شكشك”. مفيش وسط .. ويتضح من ذلك أن لدينا مسرح في أقصى اليمين ومسرح آخر في أقصى اليسار دون وسط، مسرح تحت شعار “ضحك من أجل الضحك”، ومسرح شعاره “نحن غاضبون”، وكلاهما يؤكدان أن مصر لم تعد وسطية، وتستوعب كافة الأراء، ولم يعد مواطنيها ولاد نكتة، بل اصبحت هي النكتة، و لم يعد بها قانون مُنصف لمن يقع عليهم الظلم”. فاتركوا تلك المسارح تهوّن علينا ما نمر به من أحداث في تلك المرحلة، واحتضنوها فهي ملائمة لما نعيشه كل يوم، اذهبوا للمراكز الثقافية، أو لمسرح مصر، ستجدون ضالتكم بالتأكيد ومن يشاركونكم الغضب أو  البحث عن الإبتسامة، التي تعيننا على تلك السنوات العجاف التي لا نعلم متى وكيف ستنتهي.

 

ناهد سمير

http://elyomnew.com/

 

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.