عين على المسرح العربي – سعداء الدعاس: «العربي» لم تعد مجلة العرب الأولى

7aa1e4d07d554171a9b2baf39c516ac6

 

شبّهت الروائية الكويتية سعداء الدعاس الرقابة في بلادها والتي باتت «تلعب دوراً مزعجاً في الساحة الثقافية الكويتية» بـ«النحلة» التي تحوم حول الجسد تبحث عن فرصة لاختراقك، فتموت هي ويبقى المنجز حياً، ليس ذلك فحسب، فالمنجز الأدبي، في رأيها، يتسرب إلى الجميع، ويصل بصورة أسرع بعد منعه. وأوضحت الدعاس التي عرفت أيضاً بنشاطها المسرحي وبروايتها «لأني أسود» التي حصدت أكثر من جائزة، أن مجلة العربي لم تعد مجلة العرب الأولى، وأن المطبوعة التي لا تدفع للكاتب لا يمكنها أن تحصل على مادة محترمة. الدعاس تعمل أستاذة في نقد وفن الكتابة في المعهد العالي للفنون المسرحية، حصلت على جائزة إحسان عبدالقدوس للقصة القصيرة – القاهرة 2006 وميدالية طه حسين للقصة القصيرة عام 2004، وجائزة الدولة التشجيعية في مجال الأدب – الكويت 2010، ثم جائزة نازك الملائكة للإبداع النسوي – بغداد 2012. أخرجت أعمالاً مسرحية وكتبت عموداً نقدياً كل أسبوع، كما تم اختيارها ضمن أبرز شخصيات العام في الكويت مرتين، بحسب قائمة جريدة القبس، وهي تحمل إجازة دكتوراه في فلسفة الفنون من القاهرة… «الحياة» التقتها فكان هذا الحوار:

> حصلت على جائزة الدولة التشجيعية عن روايتك «لأنى أسود» في العام 2010، ما كتابك المقبل الذي تعملين عليه؟ وهل سيكون سردياً أم نقدياً؟ وكيف تقومين سطوة الرقيب على الكتاب الذي أثار زوبعة كبيرة في معرض الكويت المنصرم للكتاب؟

– الرواية حصلت على جائزة الدولة وجائزة أخرى عربية، ثم حصلت على جائزة الدولة التشجيعية للمرة الثانية عن نص مسرحي، تلك الجوائز المحلية وغيرها من مصر وبغداد، أصبحت القيد الذي يدفعني للتدقيق في كل كلمة أكتبها عشرات المرات، في ظل ذلك لدي مشاريع عدة مؤجلة، وأعتقد أنني سأتركها إلى حين الانتهاء من بحث علمي أعكف عليه ويشغلني كثيراً. أما الرقابة فلا شك أنها باتت تلعب دوراً مزعجاً في الساحة الثقافية الكويتية، مثلها مثل النحلة التي تحوم حول جسدك تبحث عن فرصة لاختراقك، فتموت هي ويبقى المنجز لا يموت، بل يتسرب إلى الجميع ويصل بصورة أسرع بعد منعه. لكن وحتى نكون أكثر صدقية دعنا لا ننسى أن تلك النحلة باتت في كثير من الأحيان مقصداً لبعض الكتاب الذين باتوا يبحثون عنها، بل ويتمنون قرصتها، ليقتاتوا عليها، وهذا ما يثير استغرابي أكثر من الرقابة الموجودة منذ الأزل.

> نشهد نكوصاً كبيراً لإصدارات الكويت الثقافية وتعرض بعض مطبوعاتها للتهديد بالتوقف كمجلة العربي العريقة التي تشكل وجه الكويت الألق، ما الذي يحدث؟ وما الحلول التي من الممكن أن تطور مسيرة هذا الصرح؟ وكيف وصلت الحال بالمجلة إلى هذا المأزق الكبير؟

– منذ سنوات ومجلة العربي تعاني من التراجع على جميع الأصعدة، ولم تعد مجلة العرب الأولى كما في الثمانينات، إذ فقدت بريقها منذ منتصف التسعينات، أسهم في ذلك التطور التكنولوجي بفضاءاته الافتراضية، لكن ذلك لا يعني ضرورة توقفها، فما زالت هناك فئة من القراء ارتبطت بالعربي، ولا يزال الجيل الأول الذي ارتبط بها موجوداً بيننا، ومن حقه علينا أن يحتفظ بمطبوعته التي تشكل جزءاً من ذاكرته، أما المطبوعات الأخرى مثل مجلة الكويت، والفنون وغيرها، فهي أيضاً مطبوعات موجودة من أجل صورة البلد ليس أكثر وتعاني من العديد من المشكلات، أبرزها المكافأة المالية التي لا تتسق وسمعة الكويت، فالمطبوعة التي لا تدفع للكاتب لا يمكنها أن تحصل على مادة محترمة غير منشورة سابقاً!

> تمت تسمية مسرح وزارة الإعلام بالسالمية باسم الفنان عبدالحسين عبدالرضا أخيراً، وعد الفنان الكبير سعد الفرج أن ذلك تكريم لكل الفنانين، لماذا تأتي خطواتنا المبهجة متأخرة جداً في تكريم الفنان؟

– جميل جداً هذا التكريم، لكن كعادتنا حين ننتبه لفنان لا نرى غيره، وننسى أبناء جيله. للأسف الكبار يتساقطون، قبل أن يحصلوا على تكريم يليق بهم، وإن تذكرناهم يأتي ذلك متأخراً جداً وبعد أن يعبر الفنان ذاته عن امتعاضه كما حدث مع الراحل عبدالأمير التركي، الذي كُرم قبل سنتين فقط على رغم تاريخه الطويل والمؤثر، لكن الكلام هنا لا صدى له، كون إدارة المسرح في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب مشغولة بتكريم الإداريين الذين لم يقدموا للمسرح إلا وظيفة حكومية قد يشغلها أي شخص آخر!

> ترك زكي طليمات أثراً كبيراً في نهوض المسرح الكويتي بوعي كبير؛ كيف تقومين تلك المرحلة؟

– من يقرأ في كواليس المسرح يجد أن أبناء تلك المرحلة كانت لديهم معاناتهم أيضاً، ما بين تدخلات المتشددين، وعراقيل الحاقدين والعنصريين، لكن بفضل وجود الوعي الرسمي بأهمية المسرح، تحققت معظم طموحات طليمات والتي كانت أهمها إنشاء المعهد المسرحي. أما حالياً، فالزمن تغير، لم يعد كل مسؤول عاشقاً للمسرح، بعضهم يجلس في الصفوف الأولى لأي احتفالية مسرحية، إما يداعب موبايله، أو ينظر لساعته بانتظار انتهاء عرض الافتتاح، عندها تدرك كم تغيرت النظرة الرسمية للمسرح. صحيح أن بعضهم يمتلك رؤية، لكنه للأسف لا يتحرك، مستسلماً للحرس القديم!

> تعتبر فترة الستينات والسبعينات وبداية الثمانينات قمة المسرح الكويتي لنضوج التجربة ودخول مخرجين ذوي دراية حقيقية بدور المسرح في التأثير على قضايا مجتمعية بل ونقدها ونقد قوانين تشريعية جعلت من المشرعين إعادة النظر فيها، هل ما زال المسرح قادراً على القيام بهذا الدور؟

– ربما اعتدنا في الساحة الثقافية على ترديد هذه الصفات المعجبة بمنجز المراحل السابقة، المفارقة أنك لو اطلعت على صحف تلك المرحلة لوجدتهم يتباكون على المرحلة السابقة لهم أيضاً! المسرح في كل وقت كان يعاني من عثرات، واليوم حين أشاهد عرضاً للمخرج الكويتي علي الحسيني أو التونسي نعمان حمدة على سبيل المثال، أشعر بأن المسرح بخير، لكنني أؤمن بأن ذلك ليس القاعدة، ولنتفق أن خشبة المسرح بقدسيتها أعظم من مجرد منصة لتقويم القوانين أو تشريعها، الأمر الذي نجده كل يوم في مجلس الأمة، ونتابعه في وسائل الإعلام. القضايا الإنسانية وكينونة الإنسان ذاته، باتت المسيطرة على الوعي المسرحي العربي في الوقت الراهن، الأمر الذي لا يمكن له أن يؤثر في تشريعاتنا وقوانيننا إلا على المدى البعيد.

> دخل المسرح الكويت بعد حرب 1990 مرحلة نكوص وتهريج وقدمت على خشبة المسرح ما لا يليق بتاريخه، لماذا لا ينظر الجيل الجديد إلى إرثهم الفني وينطلقون من حيث توقف الذين سبقوهم؟

– هم يشبهون محيطهم ويعبرون عنه، ومن سبقهم كان يشبه محيطه أيضاً، الفنان لدينا وفي المنطقة العربية عموماً جزء من منظومة اجتماعية، لا يمكنه الانفصال عنها، نادراً ما نرى المبدع الذي يقدم المغاير ولا ينجرف مع السائد، الجديد في الأمر أننا لم نكن ندرك ذلك، لأننا لم نكن نعرف كيف يفكر ذلك المحيط، أما الآن وبفضل الثورة التكنولوجية بتنا نعرف ما يقال في الديوانيات المغلقة، وما لم تكن تسمعه، بات مسموعاً!

> أنت عضو هيئة تدريس في المعهد العالي للفنون المسرحية وزرت مبناه منذ زمن ليس ببعيد، لقد صدمني المكان لقدامة عهده وتهالكه، متى ينظر في حال كهذه ونحن نكرر القول المسرح والفنون وسيلتنا في وجه التطرف؟

– مبنى المعهد من الأمور التي لا أستطيع استيعابها على رغم السنوات، يؤمن بريخت بأننا حين نقول عن الشيء «عادي» سيستعصي على الحل، ربما هذا ما يجعلني لا أستطيع على رغم تلك السنوات أن أصف مبنى المعهد بـ«العادي»، حتى إنني أشرت لذلك في روايتي «لأني أسود» كون إحدى الشخصيات خريجات هذا المكان. كلما دلفت البوابة الرئيسة للمعهد تساءلت: حين يحضر وزير التربية بدر العيسى أو الحجرف من قبله (ومن قبلهما) ويرى المبنى هل يستنكره، يرثي لحاله، أم أنه يدعي عدم رؤيته، أم أنه كما قال بريخت: يصفه بالـ«عادي»؟ لا!

> النقد المسرحي في الكويت كيف تقومينه؟ وأين يقف بين نظرائه الخليجيين؟

– هناك أسماء محدودة جداً تعمل في هذا المجال، كما أن الجانب العملي موسمي مع الأسف، مرتبط بالمهرجانات والأنشطة، الأمر هكذا في منطقة الخليج أيضاً باستثناءات بسيطة.

> مسرح الطفل في الكويت بين غياب المتخصص الكاتب والإيحاءات المبتذلة للممثلين على خشبة المسرح أخذت لها مواسم لتبيع ما لا يليق، كيف نحمي أطفالنا من جرم كهذا؟

– حين تسلم زمام الأمور لموظفين لا يعون من مجال الطفولة شيئاً، ولا يفكرون إلا بكثرة عدد اللجان التي تنتج مكافآت، عندها لا تتساءل عن الطفل، كما أن الوعي المتدني لكثير من أولياء الأمور، يجعلنا ندرك أن ضرر المسرح ربما أقل ما يمكن أن يتعرض له الطفل يومياً، الضرر الأكبر يقبع بين أيديهم وهم يجلسون مع عائلاتهم، أعرف الكثير من الأطفال لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ويطلعون على كوارث سمعية وبصرية، عندها يصبح الابتذال على الخشبة الأقل ضرراً. نحتاج لتجاوز ذلك أن نشتغل على وعي الأسرة قبل كل شيء. يولد الطفل في منزل لا كتاب فيه، وأربابه مهووسون بالأجهزة الذكية، ومدرسته تؤمن بالتلقين، كيف بعد ذلك تسأله عن مسرحه الذي لا يشاهده إلا في المناسبات؟

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.