عين على المسرح العربي -حلمٌ في بغداد.. ملائكية الجسد وخرافيته – العراق

اختار ” أنس عبد الصمد ” موضوع مسرحيته (حلم في بغداد) ليوصل خطابه الفني ، باسلوب اخراجي ، قد لا يكون شائعاً في تجارب أقرانه من المخرجين الشباب ، في توظيفه لتعبيرات الجسد ، وخلق مسافة (بونية) بين بطل العرض ، وعادة ما يكون “أنس” من يحتل بؤرته المركزية ، وتتحوطه (مجموعة) متدربة ، لا تضارعه في قوة حضوره ، وتركيزه ، وكثافة لغته الاشارية ، وما تتضمنه من رسائل مضمرة، يوصلها من خلال “الميميكا” ، اي تعبيرات وجهه المغرّبة ، الصادمة او الاحساس المسمى بالكينزية الحركية المرتبطة بتجربته المستنبطة من فنون الشرق الصيني والياباني ، بوجه أخص ، والمتأثرة ايضاً بقراءة المخرجين الغربيين المعاصرين ، وما اشترعوه من مقترحات تخص المعالجة الحديثة لفنون الفرجة ، وآليات تلقيها من قبل الجمهور المحلي .

يراهن المخرج على اثارة مسرحية ، لا تنبع من حبكة نصية لفظية سابقة ، بل يذهب الى آنية حاضرة ، تجري مع زمن المشاهدة نفسه ، ويفتح الأفق لتبرير أية صدفة طارئة تحدث ، كأن يوقف تدفق مجرى العرض ، وانطفاء الضوء ، وصمت الموسيقى ، والتجمهر وتسديد النظرات المباشرة بعيون المتفرجين ، ليقوم بعد هذا الفصل ، الذي يبدو عفوياً ، بـ “وصله” بما كان قد تقصّده ، منذ البداية لتمرير هذه اللعبة المسرحية .
تتناوب البصري والسمعي منذ لحظة استهلال العرض ، أجواء كابوسية ، يزيد من حدتها تساقط قطرة ماء ، نسمعها ، ولا نلمسها ، في اطار شرقي نابع من معابد تتردد اصداؤها من طقوس اديان قديمة عبر ذاكرة المسرح ، مقرونة بظهور مجموعة الممثلين وهم يفترشون الأرض ، ويدورون حول محاورهم الشخصية ، مغلّفين بأكياس النايلون البيضاء ، وعلى مقربة منهم طاولة بغطاء أحمر ، وكراسي ثلاثة ، وأوانٍ ، وتفاحات حمراء ، امرأة ، ورجلان ، ثم يدخل الثالث، ليحلّ محله ، يأكل الجميع بنهم ، ويقضمون التفاحات بشبق غير معهود. الممثل (أنس) يتقدم بنصف عارٍ ، بتنورته الحمراء ، لينفرط الجمع ، بقوام نصف منكسر ، ويتوزعوا على الزوايا المتقابلة يتشكل التداعي ، عند الجمهور ، بأن المرأة تمثل الجانب الانساني ، وسط بيئة متوحشة ، ، يلتهمها هذا الوافد الغريب ، ويطيح بالرجال المسالمين ، الذين هم الأقرب الى عقل المرأة ووجدانها ، تتكاثر البؤر ، المشتتة ، وتتناثر الادوات ( الاكسسوارات ) في أنساق حركية متشابكة ، تخف حيناً كرقصة فردية ، أو جماعية ، او تتكدس بطريقة الكولاج ، وتتلامس بمونتاج يقرّب الصورة التعبيرية للمشهد ، المتوازي مع الصوت الموسيقي والمؤثرات وصولاً الى موسيقى عراقية فولكلورية المخرج ، يغادر البنية السببية ، للتكوين البنائي ، المتراتب عمودياً ، فتنراج مشاهده الى ” لقطات” مجتزأة .
حتى ان قطرات العذاب الصيني هذه ، التي هوت على الرؤوس كالمطرقة ، تتحول بعد طول معاناة ، وحروب ، وتدمير ، الى انبثاق طيف سحري ، من وجيب قلب بشري ، مازال ينبض بالحياة برغم المآسي والالآم ، وما تجره من كوابيس وأمراض نفسية ، واختلالات اجرامية ، تتستـر بقشرة لاهوتية – اسطورية ، لا تعرف للاخلاق ، او التسامح من معنى .
اصوات نسمعها ، رتيبة ، منغمة ، ومكلومة لأنين انثوي ، ورجولي ، لذكرى احتفال منقرض وما أفضع ان يشاطر الغريب المرأة أكل التفاحة فما لفم ، بضجيج غريزي فاضح ، لترتد المرأة متهاكلة على كرسي أحمر ، ومعها رجل الكتب المثقف الذي يقضم أوراقه ، ويمزقها بعد خيبات واذلال ( مثلّه محمد عمر ) بجدية وصدق ، ويحتل الممثل أنــس، محل المثقف ، ليصبح ضده الجاهل ، مدعواً هو الآخر ، الى وليمة ، أكل اوراق الكتب ! ولكن من وجهة نظر همجية ساحقة ، المرأة تضع ملابسها السوداء ، وتستبدلها بالبيضاء ، ثمة طفلة منخرطة من الحشد الرجولي ، يتلاعب بها الوافد الغريب ، يرفعها ويسقطها رافعاً سيفاً يبقر فيه بطون الكتب .
يعلن المخرج في فاصلة ، اسم فرقته ، وعمل الورشة ، ثم يبدأ العرض ، ثانية من جديد ، بوتيرة تعبيرية ، تظهر الرجل المعتوه ، الذي ينقلب زيّه من الأحمر ، الى ملابس خربية مدفوعاً بسعاره الجنسي ، لتنفلت منه المرأة ، وتدفعه بعيداً عنها ، ثم يتساقط (الرجلان) فيقوم بتفريغ محتويات القنينة ، من دماء قانية ، فوق رأسه ، مرض المازوكية يلاحق هذا المفترس الذي يضرب بيديه رأسه الأصلع ، بلطمات قوية ، وتتقلب عينيه في محجريهما وكأنه من عالم الجنون .
الغرف الجانبية في الهامش ، يحتل احداها بطل العرض ، والآخرى يستلقي فيها رجال آخرون .
انفتح العرض على استهلال بطيء ، روحاني ، نشفته رياضة اليوغا ، بالجسد المثفّ بتساميه الفني ، كالذي يفعله الممثل الياباني مثلاً ، بالعلو بجسده ، وهذا ما أراده الممثل ” أنس ” حين سبح جسده في فضاء الأنغام ، او حين يستدير على عقبيه ، بدراية تقنية مكينة .
وتنشغل المجموعة بكنس الأرض من بقايا اوراق الكتب الممزقة المستباحة ، ومن نثار التفاح المهروس وشظايا الزجاج لصحائف الطعام المهشّمة ، وتحمل أقداح النبيذ ثانية الى الطاولة الحمراء ، اسلوب الاداء ، يلامس الصامت ، والراقص، والتعبيري ، واعتماد المؤثرات والموسيقى ، او الهمهمات ، كالذي تقوم به (المرأة) وهي تقترب من ” المايكروفون ” حين يخونها النطق ، تحاول ، وكأنها (تقتضم) المايكروفون ! كرسي المخرج التمثيل لايصال المعنى ، من خلال اللامعنى ، غمغمات غامضة ، بلا حوار ، طقسية الحركة ، رمزية التعبير ، لدى البطل ، ولدى المجموعة ونسقها الايقاعي ، وشفرة السبابة المرفوعة للأعلى ، تعني الاستغاثة للمعذبين من الناس ، لكنها تعني القتل والتدمير بالنسبة الى “الارهابي ” الذي يتوهم بأنه الناطق الأوحد باسم المقدّس !
طوّر المخرج من وظيفة الكولاج البصري ، بظهور على الشاشة لرجل ، مرهم الرأس ، مغلف بالشاش الطبي ، وبقع الدم هذا الرجل الايقونة ، يرمز الى دمار بغداد ، من خلال عرض (الداتاشو) الذي يمثل حركة سيارة ، تخترق شوارع بغداد العاصمة ، وسط كتل الكونكريت ويصطحبه اثنان يتقافزان فوق مقعد السيارة بفعل مطبات الطريق ، ثم تتزامن الحركة ، مع حركة ماسحة الزجاج ، الذي انقسم الى شطرين ، وكأنهما يمثلان عيون بغداد ، وهي تحاول جاهدة ، محو القذى عنها ، دون جدوى ، ولكن باصرار ، وعناد ، من أجل مستقبلها المرتقب ، ولكن بعيون صافية ، واسعة بسعة سحرها ، ولونها ، وعراقتها .
للمخرج ، ومعه الممثل ، ومصمم الموسيقى (محمد عمر) واجتهادات (صالح ياسر) في اختيار المؤثرات السمعية ، وسينوغراف ( محمود) وفريقه من الشباب الهواة ، الدور الرئيس في تداول عروض المخرج الجاد (أنس عبد الصمد) ، وهو الممثل الذي تترك خطاه في أرضية الخشبة ، روحاً ابداعية خلاقة ، اجتذبت في رحلاتها اسماء ممثلات يابانيات “ميكاسان” ، و “ايروكو” وممثلة مغربية “سلوى الحاج” ، وفتحت مسارح اليابان، كوريا، تونس، وتركيا .. قلبها ، لمخرج عراقي يطرح تساؤلاته المعرفية ، من خلال جماليات اداء الممثل في عرض جسدي يقرن هواجس الانسان منذ خليقته الاولى ، وحتى تكنولوجيته المعاصرة المتفجرة المقلقة ، والمخيفة.

———————————————
المصدر : مجلة الفنون المسرحية – د. عقيل مهدي – المدى

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.