عين على المسرح العربي جلجامش .. الفعل ونقيضه – العراق

جلجامش ” ملحمة عراقية دُونت في العصر البابلي عام 1250 ق . م ، باالغة السومرية أولاً ، ترجمها إلى العربية الدكتور طه باقر ” هو الذي رأى كل شيء فغني بذكره يا بلادي ” .
صاغها الأستاذ طلال حسن مسرحية للفتيان في ثلاثة أجزاء ” 248 صفحة ـ بغداد ـ 2004 بأكثر من خمسين شخصية توزعت تناقضات الحية وصراعاتها ” بانوراما ” تمسح الواقع كما هو لا كما ينبغي أن يكون ، بلا تزويق لتدوين الواقع ، وقد تمزق وجه الحياة .
” أرسطو ” يرسم ملامح الشخصية المحورية ، أن يكون ذا جاه وعز ، وهذا متوافر في ” جلجامش ” يتعرض لسوء سبب السوء ، نابع من مأساة ما حوله ، تنعكس عليه ، وجوداً أو عدما ، أو معاناة فعل قام به البطل ، تدمر ما حوله ، وتدمره ذاتاً ، وهذا متوافر أيضاً في ” جلجامش ” .
” جلجامش ” ـ في المسرحية ـ يقود شعب ” اوروك ” من كارثة إلى كارثة أشد ، والشعراء يطبلون ويزمرون ، جلجامش هو اوروك ، واوروك هي جلجامش .
يرى ” هيجل ” أن التناقض يضخ في الدراما متعة وحيوية ، ومن دون الفعل ونقيضه تموت الدراما بعد أن يغرق الشخوص والحوار في مياه آسنة ، تتعفن بروائح كريهة لا تطاق ، في الدراما الاغريقية ” جاسون ” يخون زوجته ” ميديا ” ذلك هو الفعل ، فكان النقيض : قتلت ” ميديا ” ولديها انتقاماً من زوجها الخائن .
” شالتي ” في مسرحية ” جلجامش ” زهرة وسط غابة من أشواك ، وخوف ، وسحق ، ومصير معلوم ومجهول ، ترسخت قناعتها ، الحياة طيبة لولا جلجامش ، وأمثال جلجامش . ” شالتي ” داخل أسوار اوروك هاربة من جنديين مهمتهما : البحث عن عذراء يقتادانها إلى سرير جلجامش .
أحقاً هو دور الجيش عند ” جلجامش ؟ ” لأشياء منها اغتصاب العذارى ، تجنيد الشباب في حروب غير مبررة ، انفرادية السلطة ، في الوقت ذاته أعداء ” اوروك ” ينسجون خيوط الشر لاحتلالها ، كل ذلك ” أخبار ” على ألسنة مبعثرة هنا وهناك دون فعل ولا نقيضه ” الخبر ” في الدراما قاتل ـ ارسطو وغيره ـ .
شعب ” اوروك ” ما بين مطرقة ” الكيشيين ـ من الخارج وسندان ” جلجامش ” ومن معه في الداخل ، دون أن ينعكس دويّ طبول الحرب على الحياة . في ” الأم شجاعة لبريشت ” كان انعكاس الحرب على حركة المجتمع فظيعاً ، يغدو البعض أكثر وحشية من الوحوش .
” ارسطو ” لا يعبأ كثيراً بحركة المجتمع نفسياً ، أو اقتصادياً ، أو اجتماعياً ، خشية ترهل الحدث ، وتفككه وبالتالي ، يفقد التأثير المطلوب ، وع التأكيد على وجوب الحدث الواحد ، لا حدثين .
حصلت تغييرات على نظرية ” ارسطو ” أو اختلفوا في تفسيرها ، أو تمردوا على بعضها منها ، كما فعل ” شكسبير ” إذ لم يعد يؤمن بقانون الوحدات الثلاث ، وكم فعل ” فكتور هيجو ” في مسرحية ” هيرناني ” في اختياره ” الثيمة ” الرومانسية ، النابعة من أرض مخضبة بالدم ، و” بن جونسون ” الذي أنزل البطل من الجاه والعز ، إلى أن يكون ” ابن الشارع ” بطلاً مأساوياً ، بدلاً من الملوك والعظام والآلهة أو أنصاف الآلهة .
” شالتي ” ليست المأساة وحدها ، أختها مأساة بطولية ، اختطفت ” قسراً ” إلى مضجع ” جلجامش ” ثم أعادوها جثة .. ما بين الخطف والجثة ملحمة ، اختصرت في بضع كلمات ” خبرية ” خشية أن يكون حدث آخر ينافس الحدث الرئيس لكن ” الخبر ” خسر التأثير علينا : التطهير وبالتالي الخوف والشفقة.
” أم شالتي ” ضاعت في زحمة الحياة ، ما بين الضياع والغياب في الزحمة ملحمة ، اختصرت في بضع كلمات ” خبرية ” فخسرت ـ هي أيضاً ـ التأثير .
الخبر ينبغي أن يتعامل معه بحذر حتى لا يقتل الدراما ، في ” هالت ” مقتل الأب ” خبر ” كشف عنه الفعل العياني ” الشبح ” ، وهو صلب موضوع المسرحية ، كيف عالجها ” شكسبير ؟ “
أعاد الحدث عياناً عبر الفرقة المسرحية الجائلة ، كما لو كان يحدث ـ عيانً ـ أمام الجميع ” طازجاً ” لا خبراً يروى على لسان إحدى الشخصيات .
في مسرحية ” جلجامش ” عولج الحدثان ” خبرياً ” بطريقة تحالف ” ارسطو ” في الحدث :
أن يكون لا هو متناهي الصغر ، لا يحدث تأثيراً ، ولا هو بالمتناهي الكبر ، يطول ويصعب فهمه .
ملاحقة الجنديين لشالتي فعل ، نقيضه هرب ” شالتي ” واختفاؤها .. في المسرحية يحصل الفعل من جانب واحد ، فيتوارى نقيضه من جانب آخر ، الغالبية تعيش استسلاماً لقدر يطارد الشخوص ـ وهي خيول ـ تجلد ، على الجميع أن الانصياع لمخالب القدر ، دون مقاومة ، ما عدا : ” انكيدو ” بعد خطف ” شالتي ط بعزم قرر الانتقام من ” جلجامش ” ، ولم يتقدم ، فلتان نقيض الفعل ، يقتل الفعل سائبا بلا متعة ، بلا فائدة .
رحلة ” جلجامش ” لقتل ” خمبابا ” فعل ، لكن ” خمبابا “ً قتل على يد الحارس الزنجي .
رحلة ” جلجامش ” في البحث عن سر الخلود فعل ، لكن هو الآخر منساب دون اعتراض ، مثل أي فعل آخر من المسرحية.
” لعبة الدراما ” مثل ملاكمين في حلبة ، ينبغي أن يكونا قويين إلى درجة متقاربة ، والتراجيديا قد تنتهي ” بالضربة القاضية ” كلما تأجلت ” الضربة القاضية ” أكثر وفي وقتت محدد ، يقرره ” الحكم ـ المؤلف ” كان أدعى إلى الإثارة ، التطهير والخوف والشفقة .
في الدراما ، إن صراع أسد ” جلجامش ” غزالة” شالتي ” ففيها براعة أن ترتفع الغزالة ” شالتي ” إلى قوة الأسد ” جلجامش ” أحياناً ، قد تدمي البعوضة مقلة الأسد ، لكن بفعل ونقيضه .
لماذا لم تتحرك ” شالتي ” لفعل ما ؟
” شالتي ” ليست الغزالة الوحيدة لم تتحرك ، خمسون شخصية ، لم يتحرك أي منها ، بعد الفعل ، فقد ” الكل ” دواتها ، وعيها ، أملها في التخلص من وحل الواقع ، لأن جبروت الظلم ” جلجامش ” لوى الأعناق ، كتم الأنفاس ، أكان ذلك الواقع كما هو ؟ أم كان الواقع كما ينبغي أن يكون ؟ أم كان لا هذا ولا ذاك ؟ ” شالتي ” من أضعف الحلقات الغاطسة في وحل ” جلجامش ” قد تكون داخل الأضعف قوة تغيير إن هي استغلت ، بشكل صائب لم أجد شيئاً من القوة ، فهي ـ إذن ـ شخصية لا يعول عليها كثيراً قذفت على المسرح جاهزة ، لم يعد لديها ما تقوله ، لتتطور ، أو تؤثر في أعماق الأقوى ” جلجامش ” قد تكون فيه ثغرات هامة يعول عليها في التغيير ، إن هي شخت بشكل صائب ” شالتي الأركية ” غريبة عن المكان ” اوروك ” عاشت فيها ، ولا تعرف مكاناً غير ” اوروك ” يحدد ارسطو ستة عناصر في بناء الدراما ، رابعها ” المكان ” .
” شالتي ” فقدت الأمل في حمايتها ، داخل المكان ـ بين أسوار اوروك ـ ومن قبلها أغتصبت أختها داخل المكان ” اوروك ” ضاعت أمها داخل المكان ” اوروك ” ، عليها أن تحفر لها نفقاً خارج المكان ” سجن اوروك ” ، اختيار صعب اضطراري ، قد تصادفها ضوار قاتلة لكنها ليست أكثر وحشية من ” جلجامش ” و ” من معه ” ، كما ادعت شالتي ” من قبل ، باستثناء الجنديين .
” شالتي ” وجدت الملاذ ـ مصادفة ـ كوخ يسكنه رجل وامرأة عجوزان ، خرج المكان التاريخ ـ اوروك ـ نزعة رومانسية في العودة إلى الطبيعة كما لو أن الطيب قد قذف خارج المكان شاخ وانعزل طاوياً جناحيه يعني العجوزان ـ الطيبان ـ مأساة إجبار ابنهما الوحيد على معسكرات العمل الإجباري والتجنيد الإجباري .
مرة أخرى وأخرى : الفعل ، ثم فلتان نقيض الفعل .
العجوزان يتحركان سكوناً ، داخلياً ، يأكل بعضه بعضاً ، دون أن ينعكس القهر الداخلي : سلوكاً ، ونفسة وبدنا .
أحياناً تنساق الدراما وراء أفكار المؤلف من الخارج ، رمزية إسقاط التاريخ ، أو الأسطورة أو الخرافة على واقع معاصر معاش ؟ ما القصد من وراء ذلك ؟
في الكوخ عاشت ” شالتي ” حياة طبيعية ، ينغصها الخوف من مطاردة الجنديين ، لا تؤرقها أحداث ” اوروك ” ولا وحشية اغتصاب أختها ، ثم جثة هامدة ، ولا ضياع أمها .
اختبأت في الزريبة هرباً ، كاد الجنديان يمسكانها لولا رائحة الزريبة الكريهة ، وما فيها سوى ثلاثة خراف وعنزة لعل المؤلف لا يعني شيئاً بالعددين ثلاثة وواحد .
في البراري ـ مكان مفتوح ـ اطمأنت أكثر .
في البراري تحرك وعيها ، وفعلهاً قليلاً ، مأساتها هي مأساة شعب ” اوروك ” وعليها أن تسهم في فعل ما .حتى تستأصل الورم الخبيث ” جلجامش ” واقعية كانت في معرفة محدودية ” موهبتها المتواضعة ” فليست هي جميلة جداً ، ليغدو سيفاً على رقبة ” جلجامش ” . ” لم تشأ المسرحية أن تعتمد الظواهر الحسية المادية في التخلص من المحن ” ولا امتلكت سعة الخيال ” شهرزاد ” لتقص على ” شهريار ـ جلجامش ” حكايات متواصلة شيقة ـ لألف ليلة وليلة ، ولا هي بقوة ” هنادي ” في رواية ” دعاء الكروان ” للدكتور طه حسين ، للثأر من المهندس الزراعي الذي اغتصب أختها ، مما اضطر خالها لقتلها غسلاً للعار .
” شالتي ” ما امتلكت إرادة واعية في صد الفعل بنقيض الفعل ، الفعل عارم ، هي أضعف من أن تتصدى للفعل .
عليها أن تبحث في البراري ـ المكان فسيحاً ـ عمن يحول فعلها الذاتي فعلاً عاماً على رأي هيجل ” وجدت في العجوزين مرآة ما هي عاجزة عن نقص الفعل ، وأهالي ” اوروك ” عاجزون .
” انكيو ” هو الحل .
جاءها حاملاً عنزتها الضائعة ، لعلها ترمز لأمل مفقود ، ثم عثر عليه .
في نهاية الجزء الثاني من المسرحية ، حارس زنجي ، يغدوـ أملاً ـ في الخلاص من ” خمبابا ” .الخلاصان المحوريان الهامان جاءا : من المكان الخارج .
هل يعنين شيئاً معيناً ؟
” شالتي ” روضت ” انكيدو ” بالإقناع ، زرعت فيه بذور الثورة ، خطوة أولى إلى نقيض الفعل . خطوات بطيئة ضد ” جلجامش ” ، لا مجال للخطأ أمام الأمل الوحيد الآتي من بعيد ، من وراء التلال .ظاهرياً ، لا شيء يجمع بين ” شالتي ” و ” انكيدو ” ، هي زهرة ، وهو وحش في هيئة إنسان ، أت من خلف التلال ، وفي الملحمة جاء انكيدو من الصحراء . أهناك فرق بين المكانين ؟ ” خلف التلال ، والصحراء ” .
فرق كبير ، غرضان متباعدان ، في الملحمة يأتي الخلاص من ذات الأرض ، عبر نقاء الصحراء . في المسرحية يأتي الخلاص من بعيد ، من خلف التلال ، عبر لغة غير لغة ” اوروك ” ، لكنه الرمز المقحم ـ أحياناً يفسدها ـ أعني : الدراما .
في ظهور ” انكيدو ” بدأ الفعل النقيض يتشكل ، معادلاً موضوعياً ل ” جلجامش ” .
” هيجل ” يرى أن التناقض قوة تحرك الأشياء ـ منها الدراما ـ أختطفت ” شالتي ” ، جن ” انكيدو ” ، ليستعيد ” شالتي ” مهما بدت الطرق وعرة ، تململعت لعبة الفعل ، ونقيضه . يقف في الطرف المقابل ” جلجامش ” يرى أن التناقض يقتل الأشياء ، بعد أن استوعب درساً ما استوعبه من قبل : ” اوروك ” مهددة بعدو خارجي ، قريب ، مكاناً وفعلاً . في ” اوروك ” خرجت أشياء كثيرة ، يمتد أمر بنائها إلى ” اكيدو ” ، غدا : خلّ ” جلجامش ” وساعده .
فأين نقيض الفعل في الانتقام من ” جلجامش ” ؟ مات قبل أن يولد ! في المسرحية يصعب وجود بناء ” هجمة ” أو ” هجمة مرتدة ” بتعاون جماعي للوصول إلى ” الهدف ” باستعارة تعابير الرياضة ، يفلتان الفعل النقيض ، تتسطح العلائق ، والسلوك ، والتعبيرات ، ” جلجامش ” مصعوق بما يحدث حوله ، دون أن يتحرك لرأب الصدع في ” سد الواقع ” ، أو التداول مع آخرين ، بما أن العسكرية علم ، فعلى ” جلجامش ” أن يصغي إلى القادة ، فما آمن بواحد منهم ، فلم يكن دور القائد ، أكثر من ساعي بريد ، يربطه مع ما استجد من انهيارات . وعلاقته على الضد مع ” البرلمانيين ” اللذين يقرران شؤوناً خطيرة ، منها الحرب والسلام .
ما كان ” البرلمانيان ” العراقيان القديمان ” دمية ” في يد ” جلجامش ” .
في المسرحية مسّ خفيف لعناصر التوتر والشد ، واستغلال مواقع النفوذ التي تعطي التفصيلات حيويتها ، وترقبها ، ومذاقها المحلي ، وعبق التاريخ القديم ، وسحرية الأسطورة ، وهي تقطع الزمن لتجسد حالة تجعلنا نطير في فضاء خيالي ، نفقد فيه جاذبية الواقع ، بكم ما فيه من ألوان قاتمة . أفسد كل ذلك انسيابية ” الفعل ” ، بالتالي فلتان ” الفعل النقيض ” ، كما لو كانت المسرحية بقعة ضوء ساطع تسلط على مكان غير محدد ، بالفعل ونقيضه ، في مكان تجريدي لا تحديد فيه ولا قيود .
مسرح ” غوركي ” يبلور المكان الشخوص والأفعال والحوارات ، والانفعالات ، يُعد ” غوركي ” مطيعاً لرأي ” ارسطو ” في ” تشخيص المكان ، استنطاق الجماد ” ” الحضيض أو البرجوازيون ” .
” الأسلوب هو الرجل ” مقولة الناقد الفرنسي ” سانت بيف ” .
روح المؤلف الشفافة ، مست الأشياء بخفة النسيم ، ووضوح العبارة ، ضربات فرشاة تنبع من روح الأستاذ طلال حسن ، قضى نصف قرن في الإبداع ، جزء كبير منه في كتابة قصص للأطفال . ابتعد عن النتوءات ، ذوات الألوان الداكنة ، أو العنف ، أو صفعة أو ركلة ، أو كلمة ، أو شتيمة ، أو غدراً ، أو قتلا .
من لا يعرفه عليه أن يقرأ أدبه ، أكثر من عشرين كتاباً ، وأشياء أخر في الصحف والمجلات العراقية ، أو غير عراقية ” هارو لدبنتر ” نوبل ” 2005 م ، هو الآخر لا عنف في مسرحياته السبع والثلاثين ، ذاك صور البيئة الانكليزية ، والأستاذ طلال حسن ، ابن هذه الأرض عليها ولد ، وعاش وكتب ، ولما يزل يكتب .
عبارة سهلة ، مفهومة ، ذات جرس محبب على الأذن ، قصيدة ، كما لو كانت برقا ، يتوهج ، فيختفي ، ألوان الطيف الشمسي سبعة ً، بعضها أساسي ، بعضها فرعي ، بعضها تمثل رموزاً تساؤمية ، أو تفاؤلية ، لذلك اتسع المكان نهاراً ، يتسربل ببياض خفي ، أو ظاهر ، وإن كان المكان والزمان ليلاً ، فلا تشاؤمية اللون الأسود ، ما عدا هذين اللونين المتضادين لم يركز في حواره ، على أي لون ، ليس ذلك بعيب .
للناقد محمد الجزائري دراسة : اللون غي تشكيل قصائد السياب ، في كتابه ” ويكون التجاوز ” .
” ارسطو ” يركز على الصراع بين الخير والشر ، في الراما الاغريقية :
قتل اورست لأمه ، فيدرا تحمل ابن زوجها أن يستجيب لحبها الجسدي ، وصراعات أخر ، وأخر .
” فيكتور هوجو ” يرى أن الصراع قد يكون بين الخير والشر : كالصراع بين الحب والتدين من جهة ، والواجب والهدف من جهة ثانية .
” جينه ” يرى أن الصراع مبني على العاطفة ، وهي تمنحه الخلود لا الأفكار ، ” آلام فرتر ” .
في الإبداع طرائق متعددة في التأليف الحكائي القصصي ، قد تتباين ، قد تتفق ، الخلود في عبقرية المبدع .
” تولستوي ” في ” الحرب والسلام ” صارع 283 بطلاً ، مجاميع ، تتوحد في انسيابية الحدث ” الحرب ” ، تسعى إلى النقيض ” السلام ” ، لذلك قدم لفظة ” الحرب ” على لفظة ” السلام ” . تستقل الشخصيات روافد خاصة ، لكل بطل خاصيته الخاصة به ، المختلفة عن أي خاصية لدى الآخرين ، دون أن تتقاطع مع الخواص الأخر ، كل الشخصيات تتسلق جبالاً حادة ببطء ، وحذر ، فالخطأ قاتل .
فسطعت الرواية خالدة .
” دوستوفسكي ” في ” الجريمة والعقاب ” بضعة شخوص تتصارع ، حول حدث واحد ، كأنهم بضعة خيول في عربة ، يقودها السائس ” المؤلف ” يجلدها بلا هوادة ، طول الطريق ” الرواية ” ، كلما جرت أسرع ، جلدها أسرع ، وأشد ، إلى الكلمة الأخيرة ، حسب مقولة الناقد ” رجاء النقاش ” في كتابه ” أدباء معاصرون .
فسطعت الرواية خالدة .
تلك طريقة ، ونلك طريقة ، وثمة طرائق أخر غير تلك وذلك.
في التأليف الدرامي ، طرائق متباينة في التأليف ، غالباً استعارت طرائقها من خارج الأدب ، لعبت الفلسفة دوراً في الحكاية ، والاهتمام بالشكل ، والفضاء ، والتغريب ، والعبث واللامعقول ، غزت الأدب العربي ، وغدا من يخالف ” المسرح الطليعي ” متخلفاً عن ركب الحضارة ، علماً أنها وصلتنا بعد أن انحسرت في موطنها ” فرنسا ” وغيرها .
في الطرف المقابل ، تشدد ـ عندنا ـ آخرون ، في أن الأدب العربي له جذور ، مثل المقامات وحكايات النوادر ، والبخلاء ، وغير ذلك ، بمرور الزمن تخلى عن هذا الرأي أصحابه ، وحاولوا أن يعودوا ثانية ، إلى أن المسرح فن يعتمد : المقدمة ، والعقدة والحل ، دون التركيز على أي زخرفة ، سعد الله ونوس وعبد الكريم برشيد ، والبعض توقف عن التأليف لضياعه بين المفهومين .
الأستاذ طلال لم يتأثر بأي من تلك الطرائق .
في ” جلجامش ” حرك مجموعة متباينة ، لا أحد يشبه أحداً ، لكل منها همومها الخاصة بها ، ترتبط بعموم الآخرين ، بوشائج خاصة أحياناً ، وعامة أحياناً أخر .
فيضان اكتسح ” اوروك ” ، بعضه الآخر سيكتسحه آجلاً أم عاجلاً ، دون أن يتحرك أحد ما لصد الطوفان ، ولو بكيس رمل ، أو حجارة .
قصيد تراجيدي على وفق ” ارسطو ” في إثارة ـ فينا ـ عنصري الشفقة والخوف ، يفترض ـ فينا ـ أن نشفق على شعب يساق إلى ” المسلخ ” دون أن يتحرك أي منهم .
البطل المنقذ ” انكيدو ” آت ” من وراء التلال ” غدت الأرض والنساء ” عواقر ” تلد بطلاً منقذاً ، تعساً لبلد في حاجة إلى أبطال من مكان آخر ، حسب قول ” غاليلو ” لبرشت ، بما أن البطل المنقذ آت ” من وراء التلال ” فقد انضم إلى ” جلجامش ” ، وقوى نفوذه ، صارا : خليلين وفيين ، لا يطيق أحدهما أن يفترق عن الآخر ، وعندما قتل ” انكيدو ” بكاه ” جلجامش ” بكاء مراً ، وبدأت في ” جلجامش ” حرارة الألم الحقيقي ، لم يكترث للخطر المحدق باوروك ، لم نسمع عن ” جلجامش ” إنه بكى قتلى ” اوروك ” ، ولا رأف قلبه لعذراء تتوسل إليه ، ألا ” يفجعها ” ، كل ” اوروك ” لا تساوي نعل ” انكيدو ” الآتي من وراء التلال .
يبدو ـ عبر الزمن ـ أن قتلى ومحن ومصائب ” اوروك ” غير دم من كل من غير ” اوروك ” .
في ” جلجامش ” المسرحية ، يفترض ـ فينا ـ أن نتطهر ، نخاف مما لحق بأجدادنا في ” اوروك ” ، تلك خصائص المأساة ، بطل ذو أصل نبيل يقع في كارثة .
” جلجامش ” كان كذلك ، بدا للمؤلف أن شعب ” اوروك ” هو البطل الحقيقي في محنته ، فقد خصص له مساحة فعلية ، وحوارية كبيرة ، بل كاد يكون المعادل الموضوعي لطغيان ” جلجامش ” كما فعل من قبل ” بريشت ” عندما أعاد صياغة ” مأساة كريولانوس ” لشكسبير ، أسماها ” كريولان ” غافلاً ” كريولانوس ” القائد الروماني منتصرا على أعداء روما ليغزوها ، ركز ” بريشت ” على ما خلفته الحروب المتتالية على شعب روما ، في تفصيلات إنسانية دقيقة ، أبرزت الوجه الإنساني لبرشت .
من يصوغ ” بانوراما ” شعب ، لابد أن يضع في حسابه ” الإرادة ” في الشخوص ، واعية أم غير واعية .
” ارسطو ” ربط الشفقة بالإعجاب ، على أن يكون تطور الذروة المأساوية ، تصادم الشخصيات بما يحيطها من أحداث واعية لكلا الطرفين .
الإرادة الواعية شغلت الفلسفة ، تشعبت النظريات .
مسرح ” ابسن ” يرتكز على فشل الشخصيات في المزاوجة بين إرادتها وما يحيطها ، ” نورا في بيت الدمية ” ، تحاول شخوص ” جلجامش ” أن تلعق جراحها ، تبقيه مفتوحاً ، ينزف ، تستعذب الألم ، تجلد ذاتها ، لا تنتظر من أي كان ، أن يمد إليها يد النجاة ، غدت ” اوروك ” مركباً يغرق فيه الكل ، أو يُجلد .
الجلاد ” جلجامش ” ماض في ما هو عازم عليه .
وعلى الضحية ألا ” تزعج ” الآخرين في معاناتها .
مهما عظمت المعاناة ، فللآخرين معاناة أعظم ، والأيام تولد معاناة تلو معاناة ، و ” الاوركيون ” لما يزالوا أحياء ، عليهم أن يعطوا الحياة حقها ، يتحدثون عن الجانب اليومي الاعتيادي ، تفصيلات ، ون مس الجوهر ، لم يفكر أحدهم في البحث عن منفذ ـ أو موقف معارض .
لا حلم بمنقذ .
فقد انساقوا وراء ” جلجامش ” وهم معصوبو الأعين ، مسلوبون ، مستلبون ، لسبب أ لآخر ، ضحية لهبة خطيرة ، أسهموا في صنع الكذبة ” جلجامش ” ، فانحدروا ما انحدروا إليه في الحضيض ، مظلماً يتخبطون فيه ، هدفهم الآني أن يبقوا أحياء في الحضيض ، قبل أن ينقرضوا .
أهو الحل ـ حقاً ـ في الحضيض أن ييأسوا من العثور على طوق نجاة ، أنكر ” افلاطون ” الدراما ، عدها عاجزة عن تغيير المجتمع ، وتثقيفه .
دافع ” ارسطو ” عن الدراما في كتابه ” فن الشعر ” ، ولم يكن درامياً ، عدها معلماً هامتً في تطهير المجتمع ، مما علق به من أدران ، سبب المأساة هي المعاناة ، بعض الأفكار تظهر على ألسنة المتحاورين ، البعض الآخر يؤوله ، يفسره المتلقي ، قد يختلف التأويل والتفسير من متلق إلى متلق ، بعض المعاني تختفي خلف أقنعة اللفظ ، أو الصورة البلاغية ، بعضه الآخر يترك للتأويل والتفسير ، مسكوت عنه .
لنا أن نتساءل :
ماذا أباحت مسرحية ” جلحامش ” ؟ وماذا أخفت من أقنعة ؟ وماذا سكتت عنه أو عليه ؟
شيء كثير مسكوت عنه ، وعليه ، مقموع .
” اوروك ” سجن مسور ، تلاشت فيه مقومات البقاء ، كل شيء مفتوح أمام السلطة ” جلجامش ” طبول الحرب تسمع ، والحلول آتية من خلف التلال ، لا تزرع أملاً ، ولو خافتاً ، ” شالتي ” انسلت هاربة من ” اوروك ” انصهرت في قصر ” جلجامش ” ، هي غير أختها التي قاومت إلى الموت .
” شالني ” ما قاومت ، ولا انتقمت .
علاقتها ب ” جلجامش ” مضببة ، خادمة ، أو عشيقة ، لا ترقى لأن تكون ” زوجة شرعية ” ، ربما ترمز ” شالتي ” إلى ذاتية الناس المسالمين ، تحاول السلطة أن تغتصبها ، فتلجأ إلى الهرب ، ثم الاستسلام ، دون أية مقاومة ، وبذلك غدت مسماراً آخر يدق في ” متراس جلجامش ” ، لا في نعشه ، إذ المظاهر تقول إنه ماض بلا هوادة فيما يريد ، بينما منطق التاريخ يقول لابد من وجود صخور ، تحاول سد مجرى النهر المتدفق ، أو على الأقل ” تغيير ” مجراه .
فأين الصخور ؟
سلك المؤلف طريقة ” تولسنوي ” في تكديس الشخصيات ، بميسوره أن يجعل الشخوص رامزة إلى شريحة معينة ، متباينة ، لترتفع المسرحية إلى مستوى الملحمة في تاريخ حالة ماضية ، وربطها بحالة ” واقعية ” من حق المؤلف أن يتخيل ما يشاء ، بأدوات الفن الواعية .
الحياة عند ” ارسطو ” هي ” الفعل ” ، ونهاية الحياة تعني ” نهاية الفعل ” ، ذلك يدل على ديمومة الفعل ، والابتعاد عن أية نقطة تقريرية ، بلا فعل ، و ” هيجل ” يرى أن عظمة الفعل تتجسد في عظمة الصراع ، ” جلجامش ” فعل بلا نقيضه ، عندئذ يتوقف الصراع ، تموت المتعة ، تنعدم الفائدة . أيمكن أن نقول إن شعب ” اوروك ” كان محقاً عندما غدا قطيع غنم ، يساق إلى المسلخ ؟ وأخطأ شعب ” اوروك ” عندما خلد جلاده ” جلجامش ” في ملحمة سبقت الإلياذة ، وقد ترجمت إلى معظم لغات العالم . البطل الوحيد الذي يمكن أن يعوّ عليه هو ” جلجامش ” مهما عظمت أخطاؤه أو جرائمه ، هو ” بطل ” لا يوثق ببطولته ، لا حكمة تردع الطاغي ، لا أثر للدين في ” اوروك ” ولا ” برلمانيين ” ينقذان الموقف المريع .
وجود ” برلمانيين ” في ” اوروك ” يدل دلالة قاطعة ، على أن شعب ” اوروك ” متحضر إلى درجة يميز بين الأبيض والأسود .علماً أن ملحمة ” جلجامش ” أحداثها قريبة من عصر أبي الأنبياء إبراهيم الخليل ، مع ذلك لا وجود لأي أثر له في الملحمة ، أو المسرحية ، لعل مدون الملحمة ” سين ـ ليفي ـ أونتي ” كاهن المشمشو ، لم يرد للدين الجديد أن يكون له دور في الحياة العامة ، وفي بلاد ما بين النهرين ، فإن بعض الكهنة أدباء قريبون من الملك ، يبدو أن دور الدين يقتصر على العبادات والعلائق الاجتماعية ، أكثر من التدخل في ” سياسة ” الدولة .
اعتمدت المسرحية الجو العام ، أكثر من اعتمادها على الحبكة ، وهي طريقة ” تشيخوف ” في التأليف ، وقد تستهوي شخصية اهتمام المؤلف أكثر من غيره ، فينساق وراءها ، وهي لا تستحقه ، غالباً ما يكزن على حساب شخصيات أخر .
وفي وقت ينبغي أن ” يعدل ” بين الشخوص ، فيعطي كلاً مستحقه ، كما حدث مع ” شالتي ” استحوذت على الجزء الأول دون أن تضفي على الأحداث انعطافاً كبيراً .
لكن قتامة الجو جعل ” شالتي ” تبدو زهرة طيبة قي غابة من الأشواك ، تبعها المؤلف ” لأنه هو الآخر زهرة ” في وضع قاتم ، وهي شبيهة ب ” ماشا ” في ” النورس ” لتشيخوف ، فهي بلا هدف ، دائمة الحداد ، في الثانية والعشرين من عمرها ، فكل ما حول ” ماشا ” سوقي مبتذل ، والحال ذاته في ” جلجامش ” .
” شالتي ” ذات نقية ، تسعى لإنقاذ ذاتها ، بلا هدف ، مثل ” ماشا ” لا تمتلك فتنة شهرزاد ، ولا طلاقة لسانها ، ولا ذكاءها ، ولا مخزونها من القصص حتى تضع دموية شهريار في ” ثلاجة ” .
مأساة (شالتي) قدرية، لا طريق خلاص، مشكلتها مع (جلجامش) ثلثي إله ، اعتقد (أوروك)تحت قدميه، لا وقت لديه لسماع الحكايات، غارق في مستنقع صنع بعضا منه، والآخرون صنعوا بعضه الآخر، يرى العالم في اللحظة من خلال أكثر من مرآة،لكل مرآة أكثر من بعد بؤري ، وعدسات تتقعر، حسب الظرف، فقد الثقة فيما يحيطه، لا رفيق له، (انكيدو) زميل عمل ينقذ ما يريده، دون اعتراض، حاله حال (كريون) في (كاليغولا)ل(البير كامي).
لذلك بحث عن فتح المجهول وحيدا، قبل (أنكيدو).
فسار في الاتجاه الخاطئ، قبل(أنكيدو) ومن بعده.
بحث عن مستغلقات لم يفتحها أحد من قبله.
يصاب بالأحباط عندما يجد( الفتح) (الجديد) لا يحل مشكلة ما يريد، في كل فتح جديد يغرق في وحل جديد، حتى غدت الأوحال جزءا من حياته، وحل مجبول بدم، حتى يغض الكهنة عما يحصل، حيث لا أعراف اجتماعية ، أو إنسانية ، تحد من جرائم (جلجامش).
لو أردنا رسم صورة مجتمع (أوروك) الاجتماعية ، والسياسية، والنفسية، بأي نتيجة نخرج؟ لا شك أنها وثيقة لا تسر ، الأجدر أن نسدل الستار عليها، وإلا ندع (الفتيان) يطلعون عليها.
ففيها اغتصاب ، وفيها ما هو أفظع ، السكوت عليه.
مجتمع ذكوري يسود المسرحية، إناث يخدمن الذكور، دون أن تكون لأي منهن رأي في اتخاذ قرارات حاسمة ، أو غير حاسمة، غالبية واجباتهن إعداد واجبات الذكور ، فطورا أو عشاءا. أو أخريات هاربات خائفات في الأسواق، باستثناء (سدوري) غانية الخمارة تنصح (جلجامش) :
(فكل دائما أطيب المآكل ، واخرج، وابتهج ليل نهار) و (اوتونبشتم ) جد (جلجامش) رمز الحكمة :
( لا تنسي يا زوجتي أ ن حفيدنا جلجامش جائع ) ، تستجيب الزوجة ( سأذهب ، واعد الطعام )يستغرق الحديث عن الطعام بضع صفحات، دون مسوغ درامي، بطريقة متقاربة، أو مكررة بالأسلوب، والكيفية والعلاقة، والدراما لا تحبذ التكرار ، ابتلى (جلجامش) بتعذيب الذات ، أراد أن يخرج من تركيبته الداخلية، أو أن ينتحر ببطء، حتى يتعذب أكثر ، أو أراد إن يجري لذاته عملية جراحية ، ينتزع منها (أوراما) تفتك به من الداخل، لم يبق في ذاته سوى ورم واحد، لم يشأ أن يقتطعه.
إذن (جلجامش) ابتدأ يقتطع من كينونته الخاصة أجزاء : جزءا جزءا .
يدري أم لا يدري؟ اختيارا أم قسرا؟
(جلجامش) ذو طبيعة مركبة ، رغم فعلها المحدود، في الجزء الأول يغتصب العذراوات ، يسوق الشباب الى معسكرات العمل والحرب ، في الجزء الثاني يصادق (أنكيدو) ، يقاتل الوحش البعيد (خمبابا) ، في الجزء الثالث رحلة البحث عن الخلود.
لكل مرحلة أدوات تعينه على تحقيق ما يبغيه .
في المرحلة الأولى أعانه (الجنود) في اصطحاب العذراوات قسرا إلى فراشه، وإجبار القادرين على الحرب والعمل لعله آمن في هذه المرحلة –الأولى- أن القوة هي القادرة على تحقيق ما يصبو إليه، وقوته هي قوة (أوروك)، فأراد أن يثبت (قوته- فحولته) في اغتصاب العذراوات ، وهن اضعف الحلقات، وأوجع الضربات ، وبما أن النشيد هو (جلجامش هو اوروك – واوروك هي جلجامش) ، فما كانت العذراوات جزءا خارجيا يقتحمه بقدر ما هو جزء عضوي منه يريد :أن يقذف به خارج ذاته، حتى تموت فيه الأجزاء الضعيفة ، لا يعيقه شيء، وحده يخطط، والآخرون ينفذون ،وطبيعي أن (الأوحد) يخطيء – والخطأ – هنا – قاتل.
في مرحلة تالية احتاج العمل لبناء(اوروك) والحرب.
فأوجد (انكيدو ) المتواري خلف تلال ذاته، اختلفا هدفا ووسيلة، ولغة احتمل عناءا كبيرا (لاستخراجه) من تحت أطمار ذاته، وقد انهال عليه تراب النسيان، لكنها المرحلة ، الظرف، أضطره إلى المحالفة ، مع من يحب أو من يكره ، رفض الذهاب وحيدا، لقتل (خمبابا) من غير ذاته القوية العملية (أنكيدو).
” جلجامش ” ذات عليا ، سيد آمر تاه مطاع .
” انكيدو ” ذات سفلى ، خادم مطيع ، ظل تابع لمتبوعه ، قد يتأخر التابع في تنفيذ الأوامر ـ أو يماطل ، لكنه في النهاية يرضخ ، لا يطيق غضب سيده ، لأن الشرط الأول للخادم أن يتخلى عن ذاته ، يضعها خارج الخدمة ، ليتلبس ذاتاً جديدة ، هي ذات السيد شكلاً ، لا مضموناً فعلياً .
بكى وتألم كثيراً لمقتل ” انكيدو ” وهو لم يبكِ دموع العذراوات ، أو أمهات ، أو لأي محنة في ” اوروك ” ، فالسيد لا يبكي إن مات خادمه ، لكن ” انكيدو ” ليس مجرد خادم يطيع ، بل خادم ” استثنائي ـ لقطة ” لا يمكن العثور عليه بسهولة ، ” انكيدو ” جزء قوي من ذاته ، في حاجة إليه الآن ، في أصعب ظرف واجه ” جلجامش ” حيث جيوش الكيشيين تستعد لدخول ” اوروك ” حيث الأبواب ـ مجازاً ـ مفتوحة ، فتحها ” جلجامش طول تاريخه القديم ، أبواب مشرعة ، جدران مهدمة ، شعب غدا تراباً ذليلاً تطؤه أقدام الهوان .
لذلك ارتحل للبحث عن سر الخلود ، حتى يحيي الميت فيه ، لا يحيي موتى ” اوروك ” ، وقد اقتربت ساعة الحسم أمام الكيشببن ، ستزهق أرواح كثيرة .
لم يعترض ” جلجامش ” على قرار “البرلمانيين ” في وجوب الاستسلام للكيشيين ، وهو الجبار الطاغي ، كان بميسوره أن يرفض الاستسلام ، أن يقاوم ـ وحده ـ إذا اقتضى الأمر ، يقتل على أسوار ” اوروك ” لا أن يختفي عامين ، ثم يعود ليحكم ” اوروك ” من جديد ، بطرائق ـخر ، وذرائع أخر ، فقد أثبتت الوسائل القديمة بدائيتها ، وما عادت تنطلي ، رغم أن الشعب الذي يساق إلى ” المسلخ ” بقي يساق إلى ” المسلخ ” دون اعتراض .
” انكيدو ” إذن ، الذات القوية المنقذة في ” جلجامش ” .
وإلا بمَ افسر رضى ” امكيدو ” في أن ترتع ” شالتي ” في أحضان ” جلجامش ” دون أن يتحرك لفعل شيء ؟ ” نقيض الفعل ” ، وهو الذي كان في البدء رافضاً أن يمس ” جلجامش ” شعرة من ” شالتي ” ، وهمنا أن معركة ستحصل بين قوتين متكافئتين : ” جلجامش ” و ” انكيدو ” .
لم يحصل شيء من ذلك ، بل حصل العكس .
توقعنا من ” شالتي ” أن تقاوم ، تلقن ” جلجامش ” دروساً في الأخلاق ، والقوة ، وفي الاحترام ، وأن تجعل ” جلجامش ” يدفع ثمن ما اقترفه من جرائم في وقتها ، وأخواتها الأخريات من عذراوات ” اوروك ” .
لم يحصل شيء من ذلك ، بل حصل العكس .
كل الشخصيات محبطة ، ” جلجامش ” أكثرهم إحباطاً ، لعله بكى طويلاً ” خارج المسرحية أو الملحمة ” وهو يرى الانهيارات تتوالى بشكل مفجع ، لعله ناجى نفسه ، كما ناجى الخال فانيا ، تشيخوف ” آه لو كان باستطاعة الإنسان أن يعيش حياته ، بشكل جيد ، أن يصحو ذات صباح صافياً ، وهدئاً ، ويحس أنه يبدأ حياته من جديد ، وينسى كل ماضيه الذي يكون تبدد كالدخان ” .
لم يكن ل ” جلجامش ” وقت للأحلام .
في المرحلة التالية احتاج الحكمة ، والحرب وشيكة ، أو الاستسلام وشيك ، فكانت أشق الرحلات ، وأبعدها ، أحيطت برموز الموت قي كل خطوة ، تضاريس جغرافية مختلفة ، لأن الحكمة لا تمت إلى بقعة جغرافية محدودة ، فالحكمة وليدة البحر ، والصحراء ، والغابات والجبال ، في حاجة إلى صير ، وقوة احتمال المشاق ، حتى يعثر عليها ، وهي لا توهب ، إنما يُرتحل إليها ، لينهل من ينابيعها ، وعلى طالبها ألا يضع في حسبانه سفر العودة .
ولم يكن يعلم أن الحكمة في ذاته ، لكنها شاخت ، ضعفت ، انزوت عن عصر ” جلجامش ” في حاجة ماسة إلى من يساعده ، الملحمة جعلت الغانية ” سدوري ” هي مفتاح الحكمة ، وهي جزء من ذاته الدنسة ، يريد أن يستحضرها هي الأخرى ، ففي ذاته ذوات كثير ، بضع ذواته أمام ذاتاً : ذاتاً عرايا من دون تزويق ، ولا تزييف ، ولا خجل ، أو خوف ، لن يثتلها جميعاً ، سيبقي بعضاً منها لوقت الحاجة ، فأبقى ” سدوري ” الغانية ريثما يتم تصفية الحساب مع الذوات جميعاً .
ماتت الأشياء الجميلة ” اوروك ” في بشاعة أحداث ” الجريمة والعقاب ” برزت العاهرة ” سونيا ” أطهر مخلوق حسب رأي البطل ” راسكو لينيكوف ” وفي ذروة الحروب الاستعمارية ظهرت ” روميو وجوليت ” في ” اوروك جلجامش ” لا عاطفة تربط رجلاً وامرأة كما لو كان الجميع قد تخلوا عن عواطفهم الذاتية ، حتى يزيحوا عن كواهلهم ثقل الواقع .
مال قلب ” شالتي ” ظاهرياً إلى ” انكميدو ” ، لغاية أخرى غير تكوين أسرة واستمرار النسل ، إذ كانت كارهة ل ” جلجامش ” وما امتلكت الشجاعة لتشكل نقيض الفعل ، ومن دون أن تدري اعتمدت على بعض من ” جلجامش ” لمحاربة البعض الآخر من ” جلجامش ” فكانت النتيجة بلا نتيجة .
أهو الوضع القائم العكس على الموضوع ، فمالت الزهور دون أن تتمكن من أن تجد لها مكاناً تحت الشمس من بين الصخور ، ارتحل ” جلجامش ” رحلتين .
في الرحلة الأولى لقتل الوحش ” خمبابا ” ، اندهش الجميع لها بما في ذلك أمه الملكة ، إذ يفترض فيه أن يعبىء ” اوروك ” لمواجهة العدو الأقرب ” الكيشيين ” ، ” خمبابا ” بعيد لا يشكل خطراً ” جلجامش ” غريب ، ليس له خل يبوح له بمكنوناته ، ” انكيدو ” منشغل في بناء ” اوروك ” غدا ” جلجامش ” شخصية مأساوية ، قليل الكلام ، نقيض ” كاليغولا ” لألبير كامو ، عليه أن يقتل الوحش ” خمبابا ” في داخله ، في حاجة إلى قوة ” انكيدو ” ” خمبتبا ” في جبال الأرز المجللة بالثلج ، رمز الحصن المنيع ، يصعب الوصول إليه ، وبالتالي يستحيل التغلب عليه ، يغطي الثلج كل شيء . ” جلجامش ” آت من منطقة ” حارة ” ” خمبابا ” تحرسه تضاريس جغرافية تكشف ، وتقتل كل من يجرؤ اقتحام مملكته . يحرس ” خمبابا ” زنجي ، رمز القوة المقهورة .
من الناحية المنطقية ، هل يكفي حارس واحد لحراسة ” خمبابا ” الذي قذف الرعب في أجزاء واسعة من الأرض ، وإن كان ذلك محتملاً ، فهل يحرسه ” زنجي ” أسره وجلبه من مكان بعيد .
وإن كان ذلك ممكناً ، ” خمبابا ” في بلاد الأرز ، فما مدى حدود مملكته التي اخترقها ” جلجامش ” دون أن يحس به أحد ، لعله ” جلجامش ” آخر ، في مكان آخر ، كما لو أن في كل بقعة يوجد ” جلجامش ” آخر ، بتسميات مختلفة ، برز ” خمبابا ” فابتعدت ” الملحمة ” أو ” المسرحية ” عن مسارها الجغرافي ، ابتعدت مكاناً ، فتنقطع ما تشابك من خيوط في ” اوروك ” ليبدأ جزء آخر ، اقتصر على أوسع شخصيات ، في حوارات متسارعة ، لملاقاة ” خمبابا ” .
لم يتقدم ” جلجامش ” لملاقاة ” خمبابا ” .
فك الطوق أولاً باستمالة الزنجي ، غدا دليلاً لهما .
اقتربت لحظات الحسم ، موت الأصل ” جلجامش ” غير موت الظل التابع ” انكيدو ” بين مخالب ” خمبابا ” . هو في حاجة قصوى للتخلص من ذاته الشريرة ” خمبابا ” بمسوغات كثيرة ، أهمها أن ” يعبىء ” الجبهة الداخلية بالخير ، علماً أن الكيشيين يتكلمون ، ويكتبون اللغة السومرية ، فهل كان ” الكيشيون ” ذوي أطماع في ” اوروك ” ، أو يمكن أن يكون السؤال بشكل آخر : أكان ” الكيشيون ” محتلين ، أم كانوا محررين ؟
في رحلته ” جلجامش ” يقتل ” خمبابا ” ، تغير التاريخ الشخصي ل ” جلجامش ” ، وبالتالي تغير تاريخ المكان ” اوروك وبلاد الأرز ” ، فلم يكن شخصاً عادياً ، كما لن يكن ” انكيدو ” مجرد تابع ، دفعه سيده إلى الموت ، لبقى حياً ، يغتصب العذراوات ، ويعد العدة لحرب طاحنة .
بدأت معادلة أخرى ، لم تكن في حسبان ” جلجامش ” بعد مقتل ” انكيدو ” ولدت قوة جديدة ، عي قوة المحرومين ، فالزنجي ، هو البطل ، الذي يفترض في أهل ” اوروك ” أن يحملوه على الأعناق ، إن كان مقتل ” خمبابا ” يهمهم من قريب أو بعيد ، ليتوجوه ملكاً عليهم لا ” جلجامش ” .
وإلا فماذا فعل ” جلجامش ” عند ساعة الحسم ؟
تراجع خطوتين ، ليجعل ” انكيدو ” درعاً بشرياً ، يعينه الزنجي ، الحامل في ذاته تاريخاً من المعاناة ، والألم الداخلي ، الزيف والقناع ، من الصعب عليّ أن أتصور ” خمبابا ” غبياً ، وثق بزنجي أسير ، سبيّاً ، فيجعله مسؤولاً عن موته وعن حياته ، لعله مرّ بفترات اختبار طويلة حتى وثق به ، كان ” خمبابا ” نائماً نوماً حقيقياً ، يشخر ، ربما كانت رحلة ” جلجامش ” شرارة الثورة ، فانطلق منها الزنجي وهو أكثر اندفاعاً من الآخرين ، ما اكتويا بنيران ” خمبابا ” أكثر مما اكتوى به ، عندئذ بدأت رحلة جديدة في الصراع الإنساني .
تلك مرحلة البشر المقهورين المضطهدين ، في قيادة أنفسهم على الأقل .
ومات زمن العظماء والملوك والطغاة في قيادة التاريخ ، بعد أن قذفوهم إلى الهاوية ، كما استمرت لعبة الزيف ، إذ أن ” اوروك ” هتفت للبطل العائد ” جلجامش ” بعد تغلبه على ” خمبابا ” ارتاح لها ” جلجامش ” ولم يكن بطلاً .
في الأجزاء الثلاثة لا دور لرجال الدين ، بعد عودة ” جلجامش ” من رحلته برزت ” الكاهنة ” لتخبر الملكة أن ” جلجامش ” البطل عاد منتصراً ، فأخبرتها الملكة أنها تعرف ذلك . وكلام آخر يدور في الفلك ذاته لا يتعدى الصفحة الواحدة .
لا أعد ” اورشنابي ” ولا ” اوتونبشتم ” رجال دين ، لأني أفهم رجال الدين مدى حرصهم على أمن الناس في أموالهم وأعراضهم ، وعلى ردع الظلم ، أما واجباتهم تجاه ربهم ، فهي عبادات ، وفروض يمارسها الإنسان ، تحسب له أو عليه .
إن كانا رجلي دين فكيف صار مفتاح المعرفة بيد الغانية ” سدوري ” هذا يعني أن رجال الدين لا يتدخل في ما يضر المجتمع ، فالغانية هي غانية ، عليها عقوبات صارمة في شريعة حمورابي ، تنظم العلائق الإنسانية ، والعانية معول في هدم تكوين الأسرة .
دونت الملحمة في أصلها الأول بالسومرية ، قبل أربعة آلاف عام ، ثم بالأكدية البابلية بين أيدينا ، ليس عبثاً مؤلف الملحمة جعل المكان أبيض من الثلج ، وهو بياض دنسه ” خمبابا ” ، وليس عبثاً أن جعل الثورة الجديدة تنبعث من ” زنجي أسود ” ، يريد أن يسخر مؤلف الملحمة من زيف ما يحدث ، فالبياض مدنس ، والسواد طاهر ، ثائر ، منه تستمد البشرية خلاصها الآتي .
لكن ثورة الزنجي مبتورة ، فالشاهد الوحيد على ” بطولته ” هو ” جلجامش ” ، وهو أضعف من أن يصرخ بها ، لن ينتزع إكليل الغار من فوق رأسه ليضعها على رأس الزنجي ، ولم يشأ ” جلجامش ” أن يعيد معه الزنجي ، ليعوض عن ” انكيدو ” القتيل وبذلك تحل المشكلة .
الزنجي غير ” انكيدو ” .
ما عاد إلى ” اوروك ” مع ” جلجامش ” ، ليسد الفراغ الحاصل بمقتل ” انكيدو ” لعل الحارس الزنجي رفض الائتمار بأوامر ” جلجامش ” ، أراد أن يكون بلا وطن ، ببقعة جغرافية غير محدودة ، وطنه أينما وجدت القيود ، والسياط تجلد الأبرياء ، ما كان ” جلجامش ” في حاجة إلى قوة مثل قوة الزنجي ، فقد يسبب لتركيبة ” اوروك ” تغييراً ، وهذا ما لا يريده ” جلجامش ” والحرب على الأبواب .
عاد ” جلجامش ” وحيداً إلى ” اوروك ” .
استقبله أهالي ” اوروك ” استقبال الأبطال الفاتحين ، في حين أن ما أظهرته ” المسرحية ” لا يعدو أنه بعيد عن جبهة ملقاة ” خمبابا ” ، اشتركت الكاهنة في أقل من صفحة بعودة ” جلجامش ” رفع رأس ” اوروك ” عالياً ، نسيت العداوات ، ومعسكرات العمل ، وتجنيد الشباب ، فمن مصلحة الكاهنة أن يبقى الوضع على ما عليه ، حتى لا تتحرك بركة الماء ، وتتوزع ” التركة ” بطريقة جديدة ، لا تسر الكاهنة ، ومن يقف خلفها . أو : لعل شعب ” اوروك ” ظرفئذ ، في حاجة إلى قائد يحمي ” اوروك ” ، الوقت يمضي ، تفلت الأوضاع إن غدوا بلا فائدة ، مهما كانت عيوبه أو جرائمه ، ” جلجامش ” التاريخ ، حكم عقوداً من الزمن ، مسح كل ما حوله ، ولم يسمح ببروز قائد بديل عنه ، كما لو كان يعيش خالداً .
أو : لعل شعب ” اوروك ” اعتاد ، أو أدمن على صنع قائد رمز ، يسلمونه القيادة ، شعب ” ما سوخي ” يستعذب جلد الذات ، وتجرع الألم ، وإلا لماذا استقبل بهذه الطريقة ، أهي مظاهرة استقبالية فارغة ، نفاق ، وخوف ، أم كان شعباً ساذجاً ، مغفلاً في شؤون الحياة ، مثل طفل فقد أمه وهو نائم ، ظل يبكيها ، ينتظر عودتها على أطراف القرية ، عندما عادت فجأة ، هرع إليها ، احتضنها ، تشبث بها ألا تتركه ثانية ، مهما كانت قاسية عليه .
” جلجامش ” مثل شعبه ، طفل .
لكن طفولة ” جلجامش ” من النوع الذي يشكل خطراً على المجتمع ، لابد من حجره عن الاختلاط ، وسحب الصلاحيات منه ، فقد أهلك ” اوروك ” بقربربته ، خطورته تكمن في علاقته بالمرأة ، يفقد شخصيته أمام أمه ، لكنها طاعة باردة ، بينه وبين أمه مسافة ، لم يخطُ خطوة واحدة ليزيل الجمود بينهما ، حوارات باردة تجمعهما ، لا هي أحاديث قائد مع رعيته ، ولا هي أحاديث عائلية ، ينبض فيها الحب ، أو على الأقل الموضوعات العادية ، تدور داخل الأسرة ، لم يهرع إلى زوجته ، ثم يجمع بينهما جامع ، رغم الرحلة الطويلة .
لا يريد امرأة تشاركه ” السرير ” زوجة ، بل عذراء ، ولمدة واحدة ، يشعر بعظمته كلمت بكت العذراء أكثر ، وإن قاومت قتلها ، كما حصل لأخت ” شالتي ” أو لأخريات ، أيضاً .
ما عبأ ” جلجامش ” لامرأته بعد أن قررت اعتزال العالم لتكون هبة للآلهة . صلة ” جلجامش ” بالنسوة ، وأمه معلومة ، يعوزها الحس الإنساني والترابط .صلته بالعذراوات لا ينقصها القسوة والقتل ، وهذا ما يبرع به ” جلجامش ” كلهم إناث .
علاقة ” جلجامش ” بأبيه ، عليها علامة استفهام .
إذن كان ” توتونبشتم ” الجد حقيقة أم رمز ، ومجازاً ، فالأب ماتت ذكراه ، إما بكونه خاملاً ، أو فاسداً لا يحب ” جلجامش ” الخوض فيها ، أحياناً قد نعطي ” الجد ” للأب ، عندئذ يكون ” جلجامش ” ابناً حقيقياً ل ” اوتونبشتم ” ، وهذا مستبعد ، لأنه يطلق عليه ” حفيدنا ” في ما بعد .
من ذلك نستنتج استنتاجاً ” افتراضياً ” :
إن ” جلجامش ” مصاب في المسرحية بأمراض خطيرة ، أخطرها أنه قائد عام لشعب من الذكور والإناث ـ علاقته بالإناث علاقة مبنية على معادلة واضحة ، الأنثى في حياتها ” ليلتان ” الليلة الأولى تقضيها مع ” جلجامش ” ، وما بعدها تعد ليلة واحدة . مهما عاشت من عمر طويل ، تقضيه في أمور البيت . والأحاديث الفارغة ، بذلك عطل نصف المجتمع . المسألة الأخرى أنه ( جلجامش ) مع الذكور علاقة استعلائية جافة ، يقرر ، والكل ينفذ دون نقاش ، وبذلك قتل نصفه الآخر .
بقيت لـ ( جلجامش ) رحلة أخيرة . البحث عن الحكمة من جده ( اوتوبنشتم ) بعد أن قطع ( ذواته ) ، خفف من أعبائها ، بعد أن تحلل من الضعف ( شالتي ) ذابت في قصره دون اعتراض ، ودون القوة ( أنكيدو ) ، ودون الشر ( خمبابا ) ، دون الشعب هذه المرة ، فلا وفاق بينهما . أصلا هو لا يحترم ( أوروك ) ، تخلى عن ( أربع بوابات ) ، عليه أن يبدأ من ( بوابة خامسة ) هي أدنس البوابات ، سخرية به ، أو إذلالاً .
البوابة الخامسة هي بوابة ( ماشو ) ، تحديداً عبر حانة الغانية ( سدوري ) لعلها الذات الأخيرة في كيانه ، يستبقيها إلى ما بعد العودة . يصعب أن نتخيل الحكمة تقطر عبر الغانية . لفظة ( حانة ) تعني الخمرة ، وهي رمز لتحلل الفعل من كل الالتزامات، في الحانة ( غانية ) ملك لمن يدفع ، ويرضي المطلوب ، ليست (زوجة) ، الفرق بينهما كبير ، وجوهري .
الزوجة ـ قديماً وحديثاً ـ لواحد . والحكمة ـ قديماً وحديثاً ومستقبلاً ـ ليست لواحد . الغانية للجميع . لكل من يستطيع أن يدفع الثمن ، تلك هي الملحمة . وتلك هي المسرحية أيضاً ، فلم يكن ورود الحانة والغانية ، لفظتين ، تمران دون توقف ، الغانية تغني كرسي الحكم ، لا يمتلكه أحد ، إنما ( يقعد ) عليه من كان أهلاً له ، بأية طريقة كانت ، لكنها ( قعدة ) مؤقتة ، تطول أم تقصر . وليس عبثاً أن الحانة بلا رواد . فقد حكم ( جلجامش ) تاريخاً وأسطورة عقوداً من الزمن ، يأتي ترتيب حكمه في سلالة الوركاء الأولى التي حكمت بعد الطوفان ، وهو خامس ملك من ملوك تلك السلالة ، وخصصت له حكماً دام 126 عاماً ، حسبما ذكره الدكتور طه باقر في الجزء الأول من كتابه ( مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ) .
علاقة ( الخمرة ) بفن ( قيادة الدولة ) . بمثابة غسيل دماغ ، لكل ما يتعلق بعقل القائد في ما قبل ( الغانية ـ الكرسي ) لتفصل بين عالمين ، لا دخل للعواطف ، والعلاقات الخاصة ، إنما الحفاظ على ( الغانية ـ الكرسي ) هي مركز الاستقطاب ، في مسرحية (برشت) : السيد بونتيلا ، وتابعه ماتي ، يكون السيد ( بونتيلا ) في أروع حالاته و (أصدقها ) عندما يثمل بالخمرة .
ليس مستغرباً من الغانية أن تخاف من ( جلجامش ) كما لو كان قاتلاً ، أو قاطع طريق ، فهو حقاً قاتل ( أوروك ) وحقاً ، قطع الطريق ، إذ جعلهم يعشون في سجن كبير ، سلب منهم بناتهم ، وشبابهم ، وحياتهم .
رمزت صاحبة الحانة ( الغانية سدوري ) , إلى ما في أعماقه من دنس ، بينهما باب موصد ، قريباً من البحر ، بما يمثله من طلاسم ، والغاز ، ومخاطر لم تفتح الغانية الباب ، فتحه ( جلجامش ) بقوة لم يشأ أن يظهر أمامها في صورة القائد المنتصر . ولا في صورة البحث عن الخلود ، يقف ـ أولاً ـ ذليلاً أمام ( الغانية ـ الكرسي ) ، خشية : أن يفلت منه . بدت علاقة جديدة بين الرجل ( جلجامش ) والأنثى (سدوري).
بينهما باب موصد .
عجبت من هيئته ، كيف ماتت النضارة فيه . كلها كلمات رمزية ، تعني أن طريقة حكم ( جلجامش ) شاخت . ضعفت . عليه أن يزوق الحكم ظاهرياً ، وبما أن الحانة بلا رواد . والزبون الوحيد ( جلجامش ) فعلى ( سدوري ) أن تدله على سر الخلود ، سر خلود الحكم ( أبداً ) لا سر لخلود الحياة رغم أن ( جلجامش ) ( يتساوى لديه التعبيران ) .
في الملحمة ، وفي المسرحية ( فعل ) :
( جلجامش ) يريد أن يقتم باب الحانة الموصد بوجهه ، في الملحمة وفي المسرحية (نقيض الفعل ) ترفض الغانية ( سدوري ) أن تفتح الباب ، ما عادت الحانة (الكرسي) تصلح بـ ( جلجامش ) بعد المواجهة في الداخل يتلاشى القائد ( جلجامش ) من داخله ، يبرز من ( جلجامش ) طفل يبكي أمه الضائعة وهي ( كرسي الحكم) بما أنه يعيش غربة لا يبوح بمكنوناته للغانية ( سدوري ) ولكي تشفق عليه بكى ليستدر عطفها . وتلك الطريقة الوحيدة ، أو الفضلى ليبقى حاكماً إلى الأبد ، بكلمات بليغة ، فيها التوجع والرجاء ، والغزل المبطن ، وإثبات الذات ، اجتاز (جلجامش ) اختبار ( صلاحية الحكم ) فقال :
آه ! لقد غدا صاحبي الذي أبيت تراباً
وأنا سأضطجع مثله ، فلا أقوم أبد الآبدين
فيا صاحبة الحانة ، وأنا أنظر إلى وجهك ،
أن يكون في وسعي أن لا أرى الموت الذي أخشاه ، وأرهبه ؟
سدت عليه (سدوري) المنافذ ، وضعته أمام حقيقة أنه ميت ، مثل الآخرين . لأنها حريصة على قانون ( الحانة ) العام المتداول . في وجوب تبديل ( رواد الحانة ) يستحق العقوبة لذلك الضرر ، لكنها ( غانية ) لا تمتلك صلاحية تشريع ، أو تنفيذ عقوبة ضده ، زرعت اليأس فيه غير متفائلة من استمرارية بقائه على ( الكرسي الأبدي ) .
حينما خلقت الآلهة العظام البشر
قدرت الموت على البشرية
واستأثرت هي بالحياة
لو رسم مخططاً لإحدى الشخصيات ولتكم ” شالتي ” باعتبارها أكثر الشخصيات شفافية ، جسدت السحق الإنساني ، آصرة من شعب ” اوروك ” اقتربت من ” انكيدو ” و ” جلجامش ” تتواجد فيها خصوصية الدراما عند ” هيجل ” ـ في أن الدراما تقتصر على تبيان ما يتحول من فعل البطل من ذات تتطور إلى موضوع ، ثم تتطور من موضوع إلى ذات ، المخطط التالي يوضح بناء ” شالتي ” درامياً ، في فعل ، والفعل النقيض :
1 ـ خائفة هاربة في ” اوروك “
2 ـ هاربة خائفة خارج ” اوروك ” .
3 ـ آمنة في الكوخ .
4 ـ خائفة في الزريبة .
5 ـ آمنة في البراري .
6 ـ آمنة مع انكيدو .
7 ـ خائفة يقبض عليها .
8 ـ خادمة في قصر جلجامش .
9 ـ راضية بحياتها في قصر جلجامش .
يوضح المخطط : ” شالتي ” ذات من ” 1 ـ 5 ” ، تأرجحت بين الذات والموضوع من ” 6 ـ 7 ” ثم تخلت عن الاثنين ” 8 ـ 9 ” لتموت حية في قصر ” جلجامش ” ، نتساءل : الفعل أن ” تقاد ” إلى فراش ” جلجامش ” نقيضه الهرب ، وهو نقيض يتكرر في معظم الشخصيات ، لو تمت المقارنة بينها وبين أختها ، وقد تعرضتا للفعل ذاته : لكن موقف أختها أظهر ، كان النقيض من أختها ، رفض ” السرير ” ، دفعت حياتها في مواجهة الفعل ” الاغتصاب ” .
لكن درامية الأخت ماتت ، لأن الفعل ونقيضه وردا في سطر واحد ، لا يحدث التأثير المطلوب ، والأخت تستحق مساحة أوسع في خريطة المسرحية ، هذا ما لم يحدث ، فقدنا حيوية الفعل ، بعدم التركيز على نقيض الفعل .
يمثل الفعل أساس الدراما لا الشخصية عند ” ارسطو ” لـأن الشخصية مجموعة خصائص وتصرفات تتبع الحدث ، تجسد شخوص الحدث ، يضيء الحوار الشخوص ، ثم الحدث . الفعل يعني ” الحبكة ” ، وهي روح الدراما ، الشخصية تعطي معنى للفعل .
في أدب الأستاذ طلال حسن ، روح شفافية ، تتخلل الكثير مما يبدع ، تلك الشفافية نابعة من روحه الشفافة الواضحة ، الطيبة ، عبر عقود من الزمن نجد فيه خيمة أبوية ، نستظل تحتها من عناء الحياة ، معظم ما وجدت فيه اللون الأبيض ، انعكست تلك الشفافية على أدبه ، حتى غدا جزءاً واحداً ، ليس الانعكاس مباشراً ، فنقول عن تلك الشخصية ، أو هذه إنها قريبة الشبه به ، في حين أن الدراما تبنى على الألوان المختلفة ، أو المتضادة ، ينبغي أن لا نركز على الصراع بين الأسود والأبيض ، ففي ذلك نمطية غير واقعية ، نمزج بضعة ألوان ، نزج لوناً جديداً ، يمت إلى ألوانها الأصلية ، ويبتعد عنها في الوقت ذاته .
قد تتغلب بعض الطبائع السود أو البيض ، فتمثل ألواناً بعينها .
في داخل الشخصية الدرامية عندما تضع على لسانها أول كلمة على المسرح ، ينبغي أن تحمل في داخلها ثراء متدفقاً تعين ذاتها على استكمال الحوار إلى ” نهاية الشوط ” بلا جدالات ، ولا حوارات قصصية ، إنما تركز على موضوع واحد ، فعل واحد يقود إلى مجموعة أفعال ، تجعل المتلقي يتعاطف معها ، يتابعها ، لقد ابلى الأدب القصصي الحكائي ، بعقم التقريرية .
يميل المتلقب إلى الشخصية الثرية بأبعادها ، فلنبتعد في أدبنا عن المطاردات ، والعنف ، والحقد ” هذا كله غير موجود تقريباً في المسرحية ” ولننشىء أدباً لا صراخ فيه ، ولا انتقام ولا ” صفعات ” على الوجه .
وأحياناً ” لكمات الركلات ” فليكن الفعل هما، وأن نركز على الجملة ” الفعل ” ، نضع في مواجهة ” نقيض الفعل ” كل منهما من ذات الجنس ، وليكن ذات الجنس ، موضوعات صغيرة عادية ، نبني عليها عمارة جميلة ، ذات طراز رفيع ، نتخلص ” كلياً ” من التقريرية العقيمة ، في داخل الشخصية الكثير تعطيه في حواراتها ، دون أن تتعب ، فنحقنها بجرعات منشطة ، قبل أن تصبح عبئاً على المتلقي ، والممثل ، ويعزف المخرج عن تمثيلها لأسباب ، أهمها ” التقريرية ” و ” خواء ” الشخصية ذات البعد الواحد ” النمطية ” .
المسرح عمل جماعي ، في حاجة إلى مقومات كثيرة ، أكثر من بقية الأجناس الأدبية.
قد تسود المسرحية نزعات المجازات ، والاستعارات ، وبهرجة الصورة ، تشكيلات توضع هنا وهناك ، لكني أعتقد في حرفية الكتابة المسرحية المبنية على المقدمة ، والعقدة والحل ، مع تجديد من داخل الهيكل المسرحي ، لا استعارات من أجناس أدبية أخر ، تلصق في وجه ما يسمى بالمسرحية .
معظم من يمارس الإبداع الأدبي ، جهود فردية ، قد تصيب أحياناً ، وقد تخطئ ، تدفع الكثير من عمرها حتى تتخطى الأخطاء ، بميسور أصحاب الخبرة في الإبداع ، أن يقدموا ثمرة جهدهم الطويل ( جاهزة ) ، وبذلك يختصرون الوقت ، شرخ حاصل بين من كتب و من يكتب ، وبعض النقد الحديث لا يُعول عليه في تجاوز الأخطاء ، رغم أن هذا هو الدور الأول للنقد التطبيقي ، هنا الخطأ للسبب ذاك هنا ، الصواب للسبب هذا .
هل درست أسباب عزوف ( المخرج ) عن ( إخراج ) المسرحيات المؤلفة محلياً ؟
هل أحصي عدد من كتب المسرحية عبر خمسين سنة الأخيرة ؟
زادوا أم نقصوا ؟ كماً ونوعاً !!
تصدت الفلسفة للصراع بين إرادة الفرد الحرة ، وعلاقتها بالآخرين ، الإرادة الحرة : واعية أم غير واعية ؟
أظن ـ ليست ثمة إرادة ، إلا في مواقف متناثرة ، مؤقتاً ، سرعان ما تتلاشى . وبالتالي لا وجود لكلمة ( حرة ) ، رغم وجود ( برلمانين ) في ( أوروك ) يقرران أخطر شؤون الحياة : الحرب والسلام .
قبول شالتي دخول الكوخ إرادة واعية .
قبول ( أنكيدو ) في الكوخ و ( شالتي ) إرادة واعية .
( الزنجي ) يقتل ( خمبابا ) إرادة واعية .
رحلتا ( جلجامش ) إرادة ، ربما واعية ، أو غير واعية .
رضوخ ( شالتي ) في قصر ( جلجامش ) إرادة غير واعية .
رفض زوجة ( جلجامش ) القصر ، واعتزالها في دور العبادة إرادة واعية .
وبعض المسائل الأخر ، هنا ، وهناك . قد تؤول بالواعية ، أو بغير الواعية .
بقية الأشياء تم ترويضها ، قتلت الأشياء ، فسارت في خط مستقيم ، لا نتوء فيه ، لا انحرافات حادة ، تقلل من قدرية ( العقاب الجماعي ) ، لم تشأ المسرحية أن تقوم على مبدأ ( التطهير ) ، فلم تتطرق المسرحية إلى تشخيص العلل وهي تفتك في جسد الأشياء . لم تصف له الدواء ، بل جعلت الواقع أثقل ، يستحيل تغييره ، لأنه لا بصيص أمل في شيء ، يمكن الوثوق به في تغيير . لم يعمق وعي الشخوص .
لم يرسم طريق الخلاص .
( الفن ) أداته الإبداع في تكوين تكتنفه دعامتان : الجلال والجمال ، غير ملزم بتقديم الحلول ، يكفي أن يشير إلى المشكلة ، وأبعادها .
هي مسرحية ( فتيان ) تعليمية ، غايتها فتح نافذة على تأريخ الآباء ، ليدرك الفتيان ، أن ( جدهم ) ( جلجامش ) زير عذارى ، يغتصبهم ، يجند القادرين على حروب تلو حروب .
قد تكون بعض الحروب مبررة ، ليس بالضرورة أن تكون الحرب ( لعنة ) و(قذارة) طوال المسرحية ما قاتل ( جلجامش ) أعداء ( أوروك ) ، دوره الرئيس قتل (أوروك ) ، بحثه عن الخلود لذاته ، لا لمن قُتل في سبيله ( أنكيدو ) ، ولا لشعب (أوروك ) .
سر الخلود يمر عبر الغانية ، سخرية بما يطلبه ( جلجامش ) ، غاب في رحلته الثانية سنتين . ثم عاد ( جلجامش ) أو شبحه ، وهم ( يتباحثون ) وضع ( أوروك ) بعد رحيله ، أو بعد غيابه ، عاد مذهولاً ، دون أن يحقق شيئاً ، يريد سر الخلود ، والملحمة أعطته موعظة ، أن الإنسان يخلد في أعماله ، تلك نصيحة ، لا تقدم ولا تؤخر ، ويتفرع ( جلجامش ) إلى أوتونبشتم يتشبث بالإصلاح : ( لست أريد الحياة لنفسي فقط ، بل سأشرك فيه جميع الناس ) . ما المقصود من ( عودة جلجامش ) أخيراً ؟
إن كان ( جلجامش ) هو الشر ، فالشر خالد لا يموت ، لا أظنها نزعة المؤلف . بما لا يقبل الشك أن ما يلخص إليه ( الفتيان ) أن جدهم الأعلى الشرير ، ينبغي أن (يشطب ) من سجلات التأريخ ، والأسطورة ، والبحث عن وجه آخر أكثر نصاعة ، فهو ( يسود وجوه أحفاده ) .
فهل هناك قصد آخر من عودة ( جلجامش ) .
أميل إلى عودته ( شبحاً ) أو رمزاً ، في أن ( أوروك ) مقبلة على مرحلة ألعن من سابقتها . إن كان الشر محصوراً في يد ( جلجامش ) ، ومن يأتمر بأمره ، فقد غدا الشر تركة توزع بين كثيرين ، يمدون أو أحدهم في نواحي الحياة شتى ، تلك مرحلة أخطر . ففي الأولى الشر محصور في يد ( السلطة ) ، الآن وقد غدت أكثر من (سلطة ) ، والأعداء على الأبواب . زاحفين ، ليكون لهم نصيب الأسد من تركة (أوروك ) فعل آخر جديد يجتاح المسرحية ، دون أي نقيض . كما هو معظم خريطة المسرحية .
إن كانت عودة ( جلجامش ) حقيقية ، فقد تفسر تفسيراً آخر . عاد مصعوقاً مذهولاً ، وحيداً ، لعل الصعقة أذهلته ، والذهول عمق فيه ( الوعي ) في ما ارتكبه من جرائم ، وآن له أن يبدأ بداية جديدة غير الأولى ، لكن نبرة الحوار أقرب إلى الحمى الساخنة ، تنتاب المريض ليكمت بعدها في اشتداد الحمى ، ثم فترة النقاهة ، حتى يخرج بعد الحمى ، غير ما دخل فيها .
لا أظن الوقت كافياً لوضع ” استراتيجية ” جديدة في صدد أعداء ” اوروك ” ولا أعتقد الأعداء ساذجين ، لا يملكون ” قيادة ” تضع ” نقيض الفعل ” في مواجهة فعل ” اوروك ” ، فإن معظم أهل ” اوروك ” بلا نقيض الفعل ، فلا يعقل ذلك عند ” الكيشيين ” .
الحوار من طبيعة المتحاورين .
تكاد به تفشل المسرحية ، أو تبدع ، فهي الأداة الوحيدة ، فالأجناس الأدبية تختلف في ” كينونتها ” فالقصيدة تلتزم الصورة الشعرية ، ومعايير أخر، الرواية تلتزم السرد والحوار ، ومعايير أخر ، والمؤلف المسرحي أمامه وسيلة الحوار ، لتجسيد الفعل ، والحبكة ، والشخصيات ، والصراع ، وضع ” ارسطو ” معايير للحوار ، موجزة ، أن يكون الحوار ، نابعاً من المتحاورين ذاتاً ، وسلوكاً ، وسنا ، وثقافة ، و ” ألا يتحاوروا في ما لا ينفع الحديث إلى الأمام ” ، ويركده في ماء آسن ، لأن معاييره كانت قائمة على ما بين يديه من ” دراما ” وهي ” دراما شعرية ” ، في حين ما يشيع الآن أكثر ” درامية نثرية ” ، نصح ” ارسطو ” الابتعاد عن التزويق ، والتقعر في الأسلوب ، وألزم السهولة في الفهم ، وأن يبعث التطهير ، وبالتالي الشفقة والخوف .
فهل وجدنا شيئا من كل ذلك ، يسود المتحاورين (مصطرعين أم غير مصطرعين ) أسلوب سهل ، موجز، متبادل بين شخصيتين –غالبا-يدور حول موضوع واحد محدد، إذا انتهى الموضوع تغادر الشخصية المسرح، وهو المطلوب، بما ان الحوار تابع من الشخصية ، وهذه ليست بها دواخل متعددة يمكن أن تنهل من أكثر من منهل في نبع واحد، فقد جاء الحوار ذا طبيعة واحدة .
في المسرحية – أحيانا – حوار يعبر عما في داخل الشخصية من انفعالات ، وخصوصية ، تربط السابق بما هي عليه من الحاضر ، تشير إلى المستقبل، ترتبط به ، لا زوائد فيه لا ترهل ، لا صور شعرية تعتمد المجازات والاستعارات ، لا إقحام يضر الشخصية أو المتلقي (الفتى) وغير الفتى، أفي الحوار متعة وفائدة و (سحر كهربائي) يدغدغ عواطف وعقول (الفتيان) وغير الفتيان؟ في مسرحيات(بريشت) لا يوجد بطل واحد يوثق ببطولته.لذلك أسباب.
في مسرحيات (إبسن) صراع بين الإرادة الواعية ، وما يحيطها ، تفشل في التوازن بين الأطراف ، لذلك أسباب.
في مسرحيات (أسخيلوس) تسود روح الانتقام أطراف الصراع، لذلك أسباب.
في مسرحية (جلجامش) لا يوجد بطل واحد يوثق ببطولته، والصراع بين ما في الدواخل، وما يحيطها مؤجل، لعل التأجيل يتم حتى (تزال الغمة عن تلك الأمة). كما أن روح الانتقام أنهال عليها التراب، حلم سرابي، لا أحد يفكر في الخلاص بدءا من الجنديين و (شالتي) والمرأة والرجل ، والمارين في الأسواق. انتهاء بـــ (جلجامش)الانهزامي ، بدلا من أن ينتقم من (الغزاة) المستعدين ، يقاتل (خمبابا) البعيد.
بدلا من أن يتعظ من مقتل (أنكيدو) يترك (أوروك) في رحلة غامضة ، استغرقت سنتين، بحثا عن الخلود عبر بوابة الحانة، والغانية (سدوري).
بدلا من أن ينتقم العجوز من (اختطاف) ولده الوحيد، وإجباره على العمل في المعسكرات ، يغازل مع امرأته، قاتلا في ذاته روح الحزن ، لان الحزن بذرة أولى للغضب، والغضب يفضي إلى وعي ، وفعل في أحداث شيء ما…
كذلك الحال في الشخصيات الأخر،لا ادري زمن كتابة المسرحية، عامل الزمن في مثل هذا النوع من المسرحية حيوي.
(غوركي) كتب رواية (الأم) في معتقلات سبيريا، خمسين درجة تحت الصفر ، طبعت سرا ونشرت، ووزعت سرا في زمن القيصر ، عدت رواية تحريضية أسهمت بما آمن به البلاشفة ، وأطرى عليها وعلى زمن كتابتها (لينين) ، لو نشرها بعد انتصار البلاشفة لعدت رواية من (تاريخ الأدب )، تؤرخ لمرحلة سابقة ، لكان على (غوركي) أن يكتبها بطريقة ثانية .
أهي رواية مرهونة بظرف معين ، يزول تأثيرها بزوال الظرف المعين !
لا . فذلك موضوع آخر .
( تولستوي ) كتب ( الحرب والسلام ) بعد غزو ( نابليون ) لروسيا بعقود من الزمن، مع ذلك لم تفقد سحرها وجاذبيتها .
رواية ( تولستوي ) ليست تحريضية .
مسرحية ( جلجامش ) تحريضية على طريقة ( غوركي ) أم تأريخ لمرحلة على طريقة ( تولستوي ) ؟
قد تجمع الاثنين ، وقد تفترق عنها ، أحضرت ( التأريخ والأسطورة ) لتجسد حاضراً معيناً ، عد ذلك الحاضر ( تأريخاً ) ، ربما يصير يوماً ( أسطورة ) .
من تاريخ طبع المسرحية يظهر أنها مسرحية ( تحريضية تاريخية ) ، نشرت في وقت متأخر ، أما زمن الكتابة ، فقد يكون قبل ذاك ، لكنها ضمن الدرج ، لم تطبع . فهي لم تولد إلا ضمن تأريخ الطبع ، المثبت عليها .
لِمَ الإلحاح على زمن كتابتها ؟
ـ أحياناً ـ قد يفقد الإنسان ثقته بما حوله ، فتنعكس على أدبه ، للبارودي قصائد نظمها في المنفى . ـ يندم ويأسف ، لأنه اشترك في ، ثورة ( عرابي ) ، لا يجوز أن نأخذها على أن القصائد تلك هي رأي ( البارودي ) في الثورة العرابية .
في مسرحية ( جلجامش ) الكل مغيبون عما في دواخلهم ، وعما يحيطهم .
لا بذرة أمل ، في أن تشق التراب عنها يوماً ما ـ لتغيير الكم الهائل من الواقع المتردي ، إبعاد الرقبة عن المقصلة ، وهي نازلة طالعة .
( الأوروكيون ) مستسلمون ، ناسين أحلام ذواتهم ، بل بلا ذوات ، ( المقصلة ) لها حافات عديدة ، منها حافة اسمها (الاغتصاب) ، حافة أخرى اسمها (التجنيد الإجباري) أو (الخطف الإجباري) للعمل في المعسكرات ، ومن ثم التهيؤ لحرب جديدة ، قصابها، زير العذراوات (جلجامش).
في الأدب المقارن يدرس تأثير ملحمة (جلجامش) في غيرها من آثار الآداب العالمية ، مثل (هرقل) . والالياذة ، والاوديسة . ذلك يدل على الإعجاب، ففي أي جانب منها أعجبوا؟
لقد خرجت بنتيجة سلبية، بعد أن قرأت المسرحية، فيم يخرج (الفتيان) بعد قراءتهم المسرحية ؟
أ أكون قد (أخطأت) ، و(لويت) عنق الحقائق ، فخرجت بما خرجت من استنتاجات، تقوض ما نويته؟
كتب (شوقي) مسرحية (قمبيز) ، تناول فيها شخصية قائد فارسي شرير ، في مسرحية لا تتجاوز ثمانين صفحة من الحجم الصغير، فكتب عنها (العقاد) كتابه النقدي المعروف (قمبيز في الميزان ) بأكثر من مئة وعشرين صفحة من الحجم الكبير، دافع (العقاد) عن رأيه (حتى يتجنب من يتصدى لكتابة التاريخ مسرحا شعريا، طريقة شوقي)، ففي عرف (العقاد) أن (شوقي) ارتكب جناية على الأدب ، والحال ذاته كان رأي العقاد في مسرحية (شوقي)، مصرع كليوباترا.
إذن العلاقة بين الدراما والتاريخ ، أو الأسطورة علاقة معقدة ، تصل أحيانا ، أو كثيرا حد التناقض أو التضاد ،في الطرح، في التناول ، في التفسير ، والتأويل، رغم أن المنهل واحد.
أخطر تلك العلاقة ، الفجوات الزمنية في حياة البطل التاريخ. أو البطل الأسطورة التعصب لعا أو عليها وسوء التفسير، ارتكزت الدراما في مرحلة نضجها عند الإغريق على الأسطورة ، ثم على التاريخ في مراحل لاحقة ، ثم تخلت عن الاثنين معا في مراحل تالية .
(كليوباترا) ملكة من (البطالة) حكمت الإسكندرية عشرين عاما، تزوجها (القيصر) وعمرها ستة عشر عاما، أنجبت له ولدا، ثم تزوجها (انطونيو) ، أنجبت له ثلاثة أبناء ، انتحرت عام 34ق.م . بعد معركة (اكسيوم).
اختلفت الآراء بها،فأختلف المناولون لها ، معها أو ضدها .
(شكسبير) كتب مسرحية (انطونيو وكليوباترا) التزم فيها حرفيا تاريخ (بلوتارك) ، على انها غانية لعوب تستحق القتل، لم يكترث للآراء الأخرى التي تخالف تأريخ (بلوتارك)،فبرأ (شكسبير) القيصر وقادته العسكريين من أي عيب، ربما ، لان (شكسبير) لم يرد أن يغضب السلطة ، وهو قريب منها.
(برناردشو) كتب مسرحية (قيصر وكليوباترا) قدم (قيصر ) قبل الحب مؤدبا، دمثا، ملتزما بأصول الحكم، مثالا يحتذى ، تصور في البداية أن حبه لكليوباترا، ذات الستة عشر عاماً، مجرد حب ، لا يعيقه عن أداء واجباته وهو العجوز المترهل المحنك بالخبرة، بينما ترى (كليوباترا) أن حب القيصر العجوز وسيلة لهدف أكبر، فمن ينتصر على من؟ استغلت (كليوباترا) بما فيها جاذبيات محسوسة أو معنوية في (ترويض القيصر)، فكانت (كليوباترا) طفلة بريئة غرة ، قادتها حماقة القادة، ورؤساء القادة إلى كره الحياة ، فانتحرت –موقفا مبدئيا- من غباء القادة .
الفرنسي (درايدن) تناول (كليوباترا).
جعلها مسرحية رومانسية فكانت (كليوباترا) (جولييت)، وكان (انطونيو) (روميو) حبا عفيفا طاهرا جمع بين القوة العادلة (أنطونيو) ، والطهر (كليوباترا) لكن قساوة المحييطين بالعاشقين أفسد الأشياء الجميلة ، (احمد شوقي ) كتب المسرحية الشعرية (مصرع كليوباترا) .
جعلها شهيدة اسكندرانية ، فداء لوطنها ، ربما استند إلى شيء من التاريخ ، لعله استند إلى شيء من الجغرافية ، في أن (كليوباترا) معلم من معالم التأريخ الوطني، لا يجوز المساس به، ومن واجبه الأدبي الدفاع عنها، ليغير ما علق في الصورة من مفاهيم شكسبير، وغيره، يعيد لها صورة ما يتمناه الحاضر والمستقبل عن (كليوباترا).
احترم (كليوباترا) ، اوجد لها الذرائع في تحسين صورتها.
لسنا في حاجة إلى الحماس وحده في طرح تراثنا ، إن لم يكن مقرونا، بالحقائق، فكيف انتقلت (ملحمة جلجامش) الى (مسرحية جلجامش).
تلك قضية أخرى في حاجة الى نقاش آخر ، مقارنة ، تحليلا ، تفسيراً، واستنتاجا..

——————————————————————

المصدر : مجلة الفنون المسرحية  – محمود فتحي – الناقد العراقي

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.