أخبار عاجلة

عين على المسرح العربي – تجربة الاخراج المسرحي عند عبد القادر عند علولة

عبد القادر علولة يعرف حتما بأنه كان مستهدفا. فالقتل آنذاك كان شبحا يداهم كل متنور. وكثيرا من رفاقه قد اغتيلوا سواء في وهران وتلمسان والعاصمة او في باقي المدن الجزائرية الاخرى. فالوقت كان وقت غدر وحرب من الخلف. ومع ذلك، في 10 مارس المصادف لاحد أيام رمضان عام 1994، وبعد الافطار مباشرة، كان علولة على موعد مع الجمهور الوهراني لإلقاء محاضرة عن المسرح. وقبل ان يصل جنة المسرح، باغته رصاص الجحيم من الخلف فارداه قتيلا.
هكذا غادرنا جسد “عبد القادر علولة” وهو ملطخ ببذاءة الموت، لتبقى روحه تطوف اروقة المسارح، مثل شبح شكسبيري لا ينفك عن الظهور كلما انطفأت اضاءة في مسرح من المسارح. وهكذا بقية اعماله المسرحية نصوصا وإخراجا وتمثيلا، إنها بمثابة آثار جمالية لابد من زيارتها من حين لآخر. لأنها موضع فرجة ممتعة دائمة، ودراسة وبحث وتنقيب مستمر.
لكن لماذا اغتيل علولة ؟! ماذا فعل بالضبط لكي يتحول جسده فجأة الى جثة هامدة ؟! هل قُتل حقا لأنه فقط، كان يحب ان يصنع الجمال؟ أو لأنه ذهب بالمسرح نحو الناس ؟! أو لأنه فقط كان يحارب طواحين الظلام ؟! ثم من هؤلاء الذين يدافعون عن الظلام بهذا القدر من الاقتتال؟ كيف يفكرون؟ ما هي أشكالهم؟ هل يشبهوننا حقا ؟ وهل هناك دوافع حقيقية لأفعالهم تبرر بذاءة الموت الذي يقترفونه؟ ام انهم يمارسون القتل والاغتيال والاغتصاب كنزوة أو ترف وقضاء للوقت ؟. اسئلة كثيرة تدور بالرأس لا تجد لها اجوبة إلا في وجع الذاكرة وآلام الحاضر المقيت الذي لازال يُجمّل صورة الموت المجاني، والتشرد الجماعي، وتخمة اسماك البحر من اللحم البشري.
ان كتاب “تجربة الاخراج المسرحي عند عبد القادر علولة” للدكتور منصور لخضر، الصادر عن جامعة وهران، لا يتحدث عن موت واغتيال علولة. وإنما عن الحياة التي كان يعيشها، والجمال الذي كان و”لازال” يخلقه كمعلم ومربي مسرحي، وككاتب ومخرج وممثل قريب من الناس قرب الهواء الى البشر. وذلك من خلال المخرج الذي كان يشرف على جميع عناصر الانتاج المسرحي (تمثيل، ازياء، اضاءة، وموسيقى). وقد تأسس هذا الاشراف عند علولة، على الاراء الشخصية التي اثرتها القراءة العميقة للأعمال، والدراسة في فرنسا، والمشاهدة ومراقبة الحياة التي كانت تمر امامه بكل تفاصيلها، مثل شريط سينمائي. وبواسطة هذا كله، كان يقوم الى حد كبير، بتوجيه جميع المبدعين الذين كان يجمعهم حول انتاجاته الفنية، والتي توصلت في الاعوام الخمسة عشرة الاخيرة الى وظيفة مسرحية تستلهم شكل الحلقة وطريقة الاداء فيها، بعد ان تخلصت من اعباء “مسرح العلبة” الذي كان يبعدها عن الجمهور الذي من دون مشاركته لا يمكن ان يتحقق الفعل المسرحي، ولا يمكن ان يكتمل الحفل.
اكتشف “علولة” شكل الحلقة بالصدفة، مثلما قال في المحاضرة التي القاها في المانيا عام 1987، وكان اكتشافه هذا نتيجة لانصهاره واقترابه من هموم الناس، وتنقلاته المستمرة مع فرقته لتقديم اعماله خارج صالات العرض المألوفة، حيث تكون اشعة الشمس في بعض المرات اضاءة كاشفة لأعماله. مثلما صار دخول وخروج الممثلين وتغيير ازيائهم ومكياجهم على مرأى من المتفرجين. ففي هذا النوع من المسرح لا وجود للحدود او الحواجز أو الاشياء المصطنعة، التي يمكن ان تمنع المتفرج من فرجته المسرحية. يقول علولة: ( كانت للجماهير الجديدة الريفية، تصرفات ثقافية خاصة بهم اتجاه العرض المسرحي، فكان المتفرجون يجلسون على الأرض (…) وكان يجب إعادة النظر في كل العرض المسرحي جملة وتفصيلا).
ولهذا بدأ بتجريد عروضه من الديكور شيئا فشيئا، وصار يعتمد على بعض الاكسسوارات ذات الضرورات المهمة. ومثلما جرى تعديل على الفضاء المسرحي والديكور والإضاءة، طرأ تعديل على اداء الممثل، بعدما صار هذا الأخير يشعر، بل يرى ردود فعل الجمهور، خاصة عندما لاحظ، أن بعض المتفرجين كانوا يديرون ظهورهم للعرض، لكي يتسنى لهم- حسب تفسير علولة- التركيز على السمع. اي ان جمهوره كان ميالا اكثر الى السماع منه الى المشاهدة. فهو ذو ثقافة شفاهية، مثلما يذكر منصور لخضر، ومن اجل ان يقترح علولة مسرحا مختلفا ومتميزا، اساسه السرد وتغييب الأفعال الارسطية والقضاء على هيمنة “العلبة الايطالية” والتوجه الى فضاء قديم/جديد اسمه الحلقة، لا بد من الغوص في التراث الشعبي، لفهم مكوناته الدقيقة وأشكاله الفنية الخاصة والبحث في كتب التراث العربي ومتابعة العروض الشعبية بالأسواق.
لقد ارتكزت الحلقة اساسا مثلما يقول مؤلف الكتاب، على القول. بحيث تلعب الكلمة دورا اساسيا وديناميكيا في كسر الايهام وتزويق الحكاية. وهذا ما تجلى بشكل واضح وفني في مسرحية (الأجواد) التي حملت في شكلها ومضمونها معاني رمزية تراثية وجمالية، اعادت المسرح الى ابعاده الشعرية، بعدما احتلت الكلمة مكانا كبيرا في حيز النص، وأضفت البلاغة النثرية نوعا من الايقاع والحمولة التراجيدية. وقد كرس منصور لخضر لمسرحية “الاجواد” دراسة تطبيقية مطولة في الفصل الثاني من الكتاب. القى الضوء فيها على اهم تمفصلات النص، الذي تألف من ثلاثة لوحات، لا يوحدها نظام او تسلسل منطقي، سواء من حيث الفكرة أو الحدث. ولكنها نهضت على رؤية شاملة وواحدة في نفس الوقت.
ثم ينتقل بنا مؤلف الكتاب الى التشكل الحركي في المسرحية، بتسليطه الضوء على الممثل وادائه وتنفيذه لارشادات المؤلف. فهو الواجهة المركزية للعمل، ونظرا لخطورة دوره وجب على المخرج ان يضع تصميما محكما للتشكيل الحركي يتماشى وأفكاره المسرحية. وهذا ما جعل منصور لخضر يستعرض بعض التعريفات التي وردت على لسان “اوسكار ريمز” في كتابه “الفكرة الاخراجية والتشكيل الحركي” لكي يتسنى له بالتالي طرح اسئلته الخاصة، مثل:
– هل استطاع علولة كمخرج ان يوازن بين أبعاد النص وتشكيله الحركي ؟ – ما هي الاساليب التقنية التي اعتمدها في رسم مخططات تشكيلاته للحركة ؟ – ما مدى تأثير الموروث الثقافي المحلي على هذه التشكيلات ؟ – وبما ان علولة اقتفى منهج بريشت، فهل اثر ذلك على تشكيله للحركة؟ – وهل استلهام علولة لشكل الحلقة في مسرحية “الاجواد” أثر على رؤيته للفضاء المسرحي ومن ثم التشكيل الحركي؟
ولكي يجيب منصور لخضر عن هذه التساؤلات يذكر مقولة شهيرة لعبد القادر علولة حول مفهوم التشكيل الحركي: (يوجد في هذا العمل المسرحي على نحو متزامن فعل الكلام والكلام في حالة فعل، يعملان سوية بشكل اساسي من اجل اعطاء الأذن ما ترى والعين ما تسمع) ويرى الدكتور منصور لخضر ان هذا الكلام قريب من العبث، لان العين لا تسمع والأذن لا ترى- الخلط في مفهوم الحواس- وهو موجه بالدرجة الاساس الى ممثليه، الذين يطلب منهم ان يجعلوا النص متعدد الأبعاد، والعمل على تصويره من خلال السمع حتى يتمكن المتلقي ان يراه عبر خياله، وأن يجعل العين تسمع النص الحركي من خلال اصوات ومفردات توحي بنص ثاني، وكأنه موجة مترددة عن النص الأول. لان البنية الاساسية لتشكيل الحركة في مسرح علولة تعتمد على تفجير النص الى حركات تصب في المعنى الذي يطمح اليه، او تفجيره الى حركات تعاكس ما يتضمنه النص. ويسوق لنا منصور لخضر مثالا: حينما يتكلم احد الممثلين عن حرية التعبير، نرى حركة معاكسة صادرة عن ممثلين آخرين يحاولون منع ممثل آخر عن الكلام بموازات مع نطق جملة –حرية التعبير-. وهذا المسرح مثلما يقول علولة، يعطي الافضلية للقدرات السمعية، والتخيلية ذات القوام البصري والتمثيل المبسط إلى اقصى حد، حتى يصل في بعض المواضيع الى مستويات عالية من التجريد لكي لا يتخطى القوة الايعازية للمنطوق وللقول).
ثم يناقش المؤلف الافكار الدرامية للمسرحية ومفرداتها، خاصة توظيف الاغاني الحكائية عن ملاحم شعرية لأبطال عاديين معروفين في الحياة العادية. ثم يقوم بشرح اللوحات الثلاثة وتسمياتها، لكي ينتقل الى الشخصيات وتحليلها، إدارة الممثل، استلهام الاشكال التراثية، توظيف فضاء الحلقة لتحقيق الملحمة في العرض وتمظهر الاسلوب الملحمي في المسرحية. ثم ينهي كتابه بنشر نص مسرحية “الأجواد” كاملا.
ولابد من التذكير أنه سبق الفصل الثاني، فصل حول (علولة والاخراج المسرحي) الذي يسلط فيه “لخضر” الضوء على تجربة علولة الاخراجية وتوضيح معالمها. كما تناول في نفس الوقت العناصر الاساسية لفن الاخراج بشكل عام، شارحا جمالياته ومفاهيمه منتقلا من حين لاخر إلى مفردات العرض المسرحي عند علولة، وكيفية استخدامه، مثلا، للمعالجة الدرامية، بناء الشخصية ودراسة ابعادها، الازياء ودورها، الموسيقى وتماهيها مع العرض…الخ
في النهاية، انه كتاب غاية في الاهمية، ليس لأنه غني بالأفكار وعميق في التحليل فقط، وانما لأنه انتصار آخر يضاف الى انتصارات علولة السابقة.
محمد سيف / باريس

عن عبد الجبار خمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.