عين على المسرح العربي – افتتاح فعاليات الدورة 11 من مهرجان دوز العربي للفن الرابع على شرف المرحوم ” ابراهيم بن عمر” رباعية شكسبير ترفع ستار الدورة – بقلم : عـبــاســيــة مـــدونــي – ســيـدي بـلـعـبـاس – الــجــزائــر

مدينة دوز بالجنوب التونسي ، فتحت أحضانها لاستقبال عرس ثقافي مسرحي في حلّة عربية في شكل مهرجان دوز للمسرح العربي ، أين كانت ساحة سوق المرازيق قبلة للاعلان الرسمي عن افتتاح الدورة الحادية عشر المقامة على شرف المرحوم ” إبراهيم بن عمر ” وذلك باشراف السيد  ” وليد اللوقيني” والي ” قــبــلي” أين صرّح في كلمته عن دور الفنون وبشكل خاص أبو الفنون في دحض أنواع العنف ونبذ الارهاب ، ومدى أهمية المسرح في مدّ جسور العطاء والتواصل ،  كما أشاد بالمجهودات المبذولة من لدنّ فرقة بلدية دوز للتمثيل في الحفاظ على هذا التقليد المسرحي العربي ، الحفل الذي شهدت أجوائه ساحة السوق كان بحضور الاطارات الجهوية والمحلية وقد نشطته فرق الفنون الشعبية والماجورات والفرسان والمهاري بعبق التقاليد والألوان التونسية وسط حضور جماهيري ومشاركة عربية مع ثلة من الضيوف المكرمين تثمينا لعطاءاتهم وإشادة بمجهوداتهم في مجال المسرح .

أهمّ الوجوه التي حظيت بالتكريم من طرف السيد الوالي ثلّة من المبدعين كان رأسهم المرحوم

ابراهيم بن عمر” المقامة على شرفه طبعة هذا المهرجان ، الذي ولد سنة 1958 ، له أعمال مسرحية مميزة في حقل الكتابة منها ” رجوع الغائب” لفرقة دوز عام 1989 ،«خلي عزاها قيره» 1993 ، «عود رمان» 1994،  البرزار 1995 قارانتي سنة 1998 ، حس القطا 2009 التي حصدت عديد  الجوائز ، كما أنه كتب للمسرح الوطني الجزائري «شهرزاد لالة النسا» ولفرقة حمام  سوسة

«جوانح المحبة» ولفرقة فن الضفتين «طواسين» و«زريعة ابليس» لمسرح المدينة ،

و عمل للأطفال مع المركز الوطني لفن العرائس تعامل مع مدرسة الصم بدوز في عملين مسرحيين متميزين هما  “الشاهد” و “صرخة الصمت” ،  وقد صدرت للراحل ابراهيم روايتان : «الورقة».. و«أحاديث الصمت ” صدر الجزء الاول منها سنة 2013 والجزء الثاني في انتظار الطبع ، كما له ايضا ديوان شعر مخطوط بعنوان عقارب ، ناهيك عن توليه عدة مهام منها ادارة فرقة بلدية دوز  و المهرجان الدولي للصحراء ، وافته المنية في 6 اكتوبر 2015 .

ثاني المكرمين كان المخرج المسرحي ” أنور الشعافي  ،  متخرج من المعهد العالي للفن المسرحي عام 1988 ، أسس فرقة مسرح التجريب سنة 1989 ، وأسس المهرجان الوطني لمسرح التجريب -1992  ، شغل منصب مدير مؤسس لمركز الفنون الدرامية و الركحية بمدنين سنوات 2010 إلى2012، مدير عام المسرح الوطني التونسي من 2012 إلى 2014، وقد  أخرج العديد من المسرحيات منها: ليلة 27 (1990)  ، رقصة السرو (1991) ، الدرس (1993) ،  تغريبة بني هلال (1993) ، عود رمان -1993 -خسف التوت (1996)  ، بعد حين (2003) ، قبل حين (2006) وكثير من الأعمال آخرها أو لا تكون  سنة 2016 .

الشاعر والكاتب المسرحي ” محمد العوني ” هو الآخر كان له نصيب من التكريم بهته الطبعة ، وهو  عضو اتحاد الكتاب التونسيين ، مدير تحرير مجلة ” فضاءات مسرحية” الصادرة عن المسرح الوطني التونسي من 1984 إلى 1987 ، رئيس تحرير مجلة ” الحياة الثقافية” الصادرة عن وزارة الثقافة من 1992 إلى 1996 ،  مدير المركز الوطني لفنون العرائس بتونس من 2001 إلى 2010 ، عضو الهيئة المديرية لأيام قرطاج المسرحية لأكثر من مرة ، عضو لجان التحكيم والمشاهدة في مهرجانات تونسية وعربية ، كما تحصل على جوائز التأليف المسرحي في مسابقات تونسية وعربية ومتحصل على جائزة التأليف المسرحي لموسم 2009 بمناسبة مئوية المسرح التونسي.

ومن الجزائر ، هيئة المهرجان كرّمت الكاتب ، الاعلامي والناشط الثقافي “عبد الرزاق بوكبة”

صاحب عشرة ( 10) كتب في الإبداع الأدبي والإعلام الثقافي ، مشرف على فضاء “صدى الأقلام” للمسرح الوطني الجزائري ومشرف على البرنامج الأدبي للمهرجان الوطني للمسرح المحترف ، كما انه كتب مسرحيات أنجز منها “عودة العبّاد” في “تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية” 2011، و”رقصة الهاوية” في “قسنطينة عاصمة الثقافة العربية” 2015 ، مراسل  لمنابر إعلامية عربية ، وكاتب لمقالات أسبوعية في الصحافة الجزائرية.

” منى نور الدين “   الممثلة السينيمائية والمسرحية، وأحد أشهر وجوه السينما التونسية ، هي الأخرى حظيت بتكريم وحفاوة حارة ، آخر مسلسلاتها   ” نسيبتي العزيزة ”  ، التحقت بالسينما التونسية في سن مبكرة أين تقمصت  أدوارا مهمة في ذلك الوقت حيث أن لم يكن للسينما وجود قوي إضافة إلى العدد المتواضع من الممثلين، فكانت “منى نور الدين ” أحد أشهر وجوه السينما التونسية ، خريجة  مدرسة  ترشيح المعلّمين، لتلتحق إثرها بمركز الفن الدرامي بالعمران التي أسّسها حسن الزمرلي، ليتمّ ضمّها مباشرة بفرقة مدينة تونس،أين عرفت أوجّ عطاءاتها المسرحيّة خاصة في زمن إدارة علي بن عيّاد للفرقة .

وليلة الافتتاح الرسمي لفعاليات مهرجان دوز شهدت احتضان دار الثقافة ” محمد المرزوقي” أولى العروض التي رفعت ستار الدورة الحادية عشر بعرض مسرحي ” أو لا تكون ” لشكسبير مع المخرج ” أنور الشعافي”  ، العرض من توقيع  مركز الفنون الدرامية بمدنين .

العرض المسرحي الذي استمدّ نواة الطرح الدرامي من أكبر مناجاة للأدب العالمي للكاتب الانجليزي

وليم شكسبر”  لأاكثر من 400 سنة خلت ، عاد ليضع المخرج لمسته ببعد ورؤية مغايرة ضمن كولاج فني ومونتاج لثلاثية شهيرة ” هاملت” ، ” عطيل ” ، ” الملك لير ” و ” روميو وجولييت ” ، هذا المزيج الذي ألبسه المخرج للفيف الممثلين على الركح ، راح يناجي السؤال الجوهري الذي يقبع بذات كل انسان ” أكون أو لا أكون ” تلكم العبارة الشهيرة التي نطقت بها أكثر شخصيات شكسبير ابهار ألا وهو” هاملت ”  أمير الدانمارك ، الذي كان يصارع ويرزخ تحت ضغط هائل يتماوج بين مسؤولياته وبين نزعة الانتقام لوالده الذي قتله أخوه ” كلوديوس” ، والتفكير في الانتحار ووضع حد لحياته الى الأبد ، ومع ذلك لم يكن ” هاملت ” حاسما في قراره وبقي عالقا ، ورغم تصوير “شكسبير ” له على قدر من الحكمة والحنكة ، إلا أنه وضعه في دائرة عدم القدرة على اتخاذ  قرار مصيري ، لتنطلق من هنا اللمسة الاخراجية لذلك السؤال في تسلسل المزيج الدرامي لرباعية شكيبر ، مع لمسة سينوغرافية اعتمدت تقنية القماش الذي أبرزت جهد الممثلين في طرح أبعاد الرباعية من هاملت الى عطيل ، الى روميو وجولييت الى الملك لير ، التقنية التي  ربطت بين تقنية السيرك في توظيف القماش وربطه بالتقنية المسرحية من حيث الحركة والتوظيف الدرامي من حيث الحوار والتواصل داخل الركح بين أداء كل ممثل وآخر ، من حيث تواجد الممثلين معلقين بالهواء وبذلهم الجهد البارز من حيث الأداء والكوريغرافيا وتناسقهم مع الموسيقى ، وذلك في تعاملهم مع نص كلاسيكي من الأدب العالمي في تقمصهم لأكثر من شخصية  .

فـ ” روميو وجولييت ”   العاشقين التي تؤول قصتهما في الأخير الى مصير محتوم نتيجة صراع بين العائلتين ، و” عطيل ” الذي صوره شكسبير بالرجل المغربي أسمر البشرة ، الأمين ، النابذ للخيانة والغدر ، العاشق لـ” ديدمونة ” واللذان نتيجة تآمر مدبّر ونتيجة الحقد الدفين ، تحاك قصة الخيانة بناء على المنديل ، أين يضطر ” عطيل الى قتل محبوبته ، مكتشفا براءتها في  آخر المطاف ، فيضطر الى قتل نفسه خيبة وحسرة وندما ، في حين أن ” الملك لير ” كانت موضوع  المأساة في علاقة الآباء بالأبناء ، الا أن الملك لير كانت تصويرا لعلاقته ببناته الثلاث ، وكيف حرم الصغرى من الميراث نتيجة قولها الحقيقة ورفضها الخداع والكذب .

عرض ” أو لا تكون ”  انطوى وأسس لأبعاد رمزية ، باعتماد المخرج الشخوص المعلقة بين الارض والسماء التي تحيل  الى طبيعة  الانسان بصفته خليفة الله في الأرض والذات البشرية التي تتوفر على جانب من الطهارة الفطرية وجانب من الصراعات الغريزية في تقرير المصير أو اتخاذ القرارات الصائبة ، هي حالات  الإنسان  وهو يصارع بسبب رغبته في التخلص من مرتبة الانسانية والتمرد عليها وفق ما تمليه الأحداث والمستجدات .
العمل برمته يسعى للنظر الى الموت باعتباره حدث بيولوجي قدري والقتل كأولى الجرائم التي ارتكبها الانسان على الأرض،  مع ملامسة العدم والمجهول في البحث العقيم عن الحلول وسط صراعات أقوى ، ليغدو المجهول بصمة كل ما نحياه وما سنكابده .

وعليه ، فإن مدينة دوز تواصل عرسها المسرحي العربي مع عروض مسرحية وكثير من الأنشطة ناهيك عن بعث المخيم العربي للتربصات المسرحية في مجال الكتابة المسرحية ، الاخراج والسينوغرافيا .

عن عباسية مدوني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.