أخبار عاجلة

عين على المسرح العربي:في فضاء التياترو ببادرة من عمادة المحامين..مسرحية «ما لم يقله الديكتاتور» لمريم بوسالمي ـ تونس

                                 المستقبل يدوم طويلا

كيف يمكن الكتابة عن سيرة ديكتاتور أسقطته الثورة بعد أن خاض فيها طباخه وحرسه القديم وحوّلتها الصحف إلى مسلسل بلا دلالة لأن الجميع يخاف من الأسئلة ومن تحمّل مسؤولية ما حدث. مريم بوسالمي في مسرحية «ما لم يقله الديكتاتور» عرضت مساء الأربعاء 2 مارس بفضاء التياترو ببادرة من عمادة المحامين. اختارت أن تذهب إلى «أرض الأفكار» لتساءل فكرة السلطة والتسلط والسلطان.
في مسرح مليء بالميكروفونات وبشاشات التلفزة، كان الديكتاتور (قام بالدور لسعد الجموسي) وحيدا بلا رفيق أو رفيقة أو حرس قديم، تكلم ليقول «ما يجب أن يقوله» ولكنه في النهاية «لم يقل شيئا» واختار أن يواصل نفس اللعبة القديمة: لعبة اللعب بالعقول التي يتقنها جيدا.
في علاقة بواقع ما بعد 14 جانفي، هناك مسألة صادمة، لم يتكلم الرئيس السابق ليروي لنا ما حدث ووجهة نظره.
في علاقة بالفن، اختارت مريم بوسالمي أن تنطلق من هذه الواقعة إلى ما يتجاوزها. لا تهمّ التفاصيل ولكن الفن الكبير يذهب إلى الجوهر ليتساءل عن الشروط التي تجعل من هذه التفاصيل (مثلا رجل كان يحلم أن يكون كبير الطباخين ووجد نفسه يرأس بلدا) ممكنة.
الحكاية في مسرحية ما لم يقله الديكتاتور «متقشفة». نحن بمحضر رجل وحيد، في ركح فارغ إلا من الشاشات ومن الميكروفونات التي لا تعكس إلا الصورة التي يرغب في إيصالها إلى الآخرين. إحدى الأفكار الكبرى التي تقدمها مريم بوسالمي في عملها الجديد هو أنه لا توجد صورة أصلا كما لا يوجد كلام، بل ثرثرة في فضاء فارغ إلا من إكسسوارات الصورة.
يختفي الديكتاتور خلف الميكروفونات ليظهر في الصورة ثم في المسرح، ثم يختفي من جديد. بقدرته أن يحمل جمجمته بين يديه وأن يتجول في الركح، بقدرته أن يضع جمجمته على شاشة قديمة وأن يستعيد وجهه القديم بقدرته أيضا أن يكون صادقا وأن يتحول من موقع المدان إلى موقع المدين وأن يصدم رعاياه أو مشاهديه بالأسئلة الكبرى: هل تحولت إلا ديكتاتورا من دونكم؟ ماذا كنتم تفعلون؟ ما الثورة التي أنجزتم؟ كيف تحوّل البلد إلى حديقة حيوان؟
تقشف الحكاية، خيار اشتغلت عليه المخرجة يسمح بطرح هذه الأسئلة حول موضوع التسلط، كبؤرة ينطلق منها الضوء لينير تفاصيل أيّامنا التونسية والعربية. وتذهب المخرجة أبعد حين تتساءل عن تسلّطها هي ككاتبة ومخرجة لنصّ، أحيانا يختار الممثل أن يحيد عنه، لتتدخل مذكّرة إياه أنه قد خرج عن النصّ. يثور الممثل ويقرر أن يتوقف عن التمثيل. نسمع صوت المخرجة في ما يشبه «بيانا فنيا» وهي تحذرّنا لتقول لنا أنها لا تملك معنى أو رسالة تحصر فيها قراءة مسرحيتها، لا ترغب كفنانة أن تكون متسلطة وأن تحتكر  المعنى. هي فقط تقترح رؤيتها كما حدث، وعلى المشاهد أن يتدبّر المعنى.
على هذا النحو تغتني الحكاية لا يهمّ أين يقيم الآن الديكتاتور وكيف يدير عزلته، ما يهمّ كيف أدار البلد والعقول؟
لقد أدارهما باللعب على الفراغ، فراغ الفكرة وفراغ الرؤية والمشروع. تكلم في المسرحيّة، لكي لا يقول شيئا، مواصلا نفس اللعبة القديمة: عبادة الصورة أحيانا، بمشيئة المخرجة، يطرح الأسئلة الموجعة التي لا نرغب في طرحها : لماذا كان البلد وحاكمه على تلك الشاكلة؟ ولماذا تحوّلت الثورة إلى كابوس؟
ربّما لأننا لا نقف على «أرض الأفكار»، وربما لأننا نختفي خلف الصورة التي نرغب في إيصالها عن أنفسنا، كما يفعل الديكتاتور.
تكسر مسرحية «ما لم يقله الديكتاتور» هذه الصورة وتضعنا أمام مسؤولية تحّمل عبء الماضي وعبء المستقبل ولعلّها أيضا تقول لنا أن “المستقبل يدوم طويلا”.
تحتاج المسرحية إلى قراءة أعمق من هذه الورقة، ثمّة جهد في الكتابة: النصّ يدين، يصرّح، يضيء، يوجع، يصدم، فجّ أحيانا، وأحيانا أخرى يبلغ ذرى عالية في الشعرية وثمة جهد في التصور الدرامي للعمل القائم على الفكرة التالية ربّما: لا يهمّ تقديم خلاصة عما فعل الديكتاتور بنا وبنفسه، ما يهم هو السيرورة، والمنطق الداخلي الذي أدّى بتلك السيرورة إلى أن تنتج ما أنتجته (بلد يضيق به العيش) لا ما كان يجب أن تنتجه (بلد يليق بنا).
المسرحية تفكك وتعيد بناء هذه السيرورة. وبالقدر الذي تكشف فيه عن خواء الصورة، تكشف أيضا عن دروب أخرى ممكنة على المشاهد يقع عبء تصوّرها.
بقي أن نقول أن لسعد الجموسي قدّم أداء جميلا في المسرحية حيث تعاطف مع الشخصية في عزلتها وفي صدقها وفي كذبها المقنع في نفس الوقت الذي حافظ فيه على مسافة منها ولعل هذه المسافة هي ما نحتاجه لنقول ما لم نقله عن أنفسنا!

عن: كمال الهلالي/ الصحافة اليوم (موقع الفرجة)

عن بشرى عمور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.