(عين) عبد الستار ناصر مسرحياً – العراق

كتب القاص والروائي العراقي عبد الستار ناصر في إحدى قصصه القصيرة بعنوان دبابيس وأمراض: “على خشبة المسرح كان إمبراطوراً متوّجاً على نصف الكرة الأرضية يصغي إليه ملايين البشر وتخاف من سطوته وقسوته الشعوب. لكنه عندما عاد إلي بيته الفقير كانت زوجته تصرخ به وتسأل عن سبب تأخره كل ليلة؟ فأجابها بصوت منكسر خائف ذليل: لكنك تعرفين يا زوجتي أن الإمبراطور لا يموت إلا بعد الساعة العاشرة ليلاً!” وربما قليلون من يعرفون أن “إمبراطور” القصة العراقية لا يظهر بقناعه المسرحي الا للقلة الذين يعرفون مدى عشقه للمسرح أو لمن قرأ كتابه الذي أصدره عام 2007 بعنوان “مسرحيات عراقية: قراءات في المسرح العراقي المعاصر”. وقليلون من يعرفون أنه نفسه قد ألف عدداً من المسرحيات ضمّن منها ثلاثاً في الفصل الخامس الاخير من الكتاب.

منذ أن أصدر مجموعته الاولى في بغداد بعنوان “الرغبة في وقت متأخر” عام 1968، فقد إستمر إبداع عبد الستار ناصر القصصي والروائي والنقدي والسيري منذ ذلك الحين ولم يتوقف حتى بلغ لغاية الان خمسين كتاباً تُرجم العديد منها وخاصة مجموعاته القصصية الى عدة لغات. لقد عرف عنه غزارة الانتاج الذي بلغ معدلاً يصل الى نشر كتاب كل عام رغم أنه أنتج في بعض السنوات ثلاثة كتب. وساهم حضوره السردي والنقدي في المؤتمرات والندوات وكتاباته المنشورة في الصحف والمجلات بتعزيز مكانته الادبية في الساحة الثقافية. لقد عُرف عبدالستار ناصر كأحد أهم الاصوت العراقية وخاصة في القصة في الربع الاخير من القرن العشرين. بل إن مساهماته في الادب العراقي المنفي خلال العشرية الاولى من القرن الواحد والعشرين التي شهدت خروجه من العراق عام 1999 وإنتقاله للاقامة في عمان والتي بلغت سبعة عشر مؤلفاً ما بين مجموعة قصصية ورواية وسيرة ذاتية ونقد لا تقل أهمية عن أعماله الاولى.

تميط هذه المقالة اللثام عن الوجه الاخر لعبد الستار ناصر ذلك العاشق الحقيقي للمسرح الذي تجلى في مداومته على حضور المسرحيات العراقية على خشبة المسرح على امتداد عشرين عاما، والناقد المتأمل بعيون تهتم بتفاصيل العمل المسرحي والغوص في أعماقه، مستنداً الى ثقافة مسرحية، تجلت في كتاباته النقدية بحسٍّ فني وتحليليّ عالٍ وجريء. لقد تابع عبد الستار تطور المسرح العراقي المعاصر تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً عن كثب من خلال لقاءاته ومناقشته للاعمال المسرحية مع فرق العمل من الممثلين والمؤلف والمخرج. وقد توج ذلك بخوضه تجربة الكتابة المسرحية حيث كتب ثلاث مسرحيات قصيرة من فصل واحد.

كتب عبد الستار عن المسرحيات التي كان يحضر عرضها مقالات نقدية قصيرة لا تخلو من النقد اللاذع أحياناً مثل مسرحية (بين المالك والمملوك، ضاع التارك والمتروك) لمؤلفها ومخرجها قاسم محمد الذي أمعن في نقدها وتشريحها ليس بدءاً من العنوان الذي لم يستسغه ولا نهاية بالمضمون الذي قال أنه لم يكن جديداً بل مطروقاً كثيراً من قبل المسرح العالمي أو المصري أو مأخوذاً من مسلسلات وأفلام سينمائية، أو مثل مسرحية (الرهن) لمخرجها عبد الامير شمخي التي يقول أن المخرج ذبحها من الوريد الى الوريد بينما هي تتكيء أصلا على قصة رائعة هي “الوجه الاخر” لفؤاد التكرلي. وهنا يؤكد على ضرورة التفريق بين نص جيد ومسرحية رديئة. كما لم تخل مقالاته من نقده القاسي حينما كانت تبدو له بعض الاخطاء أو السقطات في الاخراج المسرحي أو في اضطراب الرؤية لدى المؤلف وخاصة في المسرح التجريبي. كما تنطوي على نقد لبعض المسرحيات التي تسيطر عليها لغة الخطابة أو يؤثر الديكور سلباً على انطباع المشاهد بحيث لا يتيح له الوصول الى المعنى.

يعرض عبد الستار في هذه المقالات نظرته لمضمون تلك المسرحيات وأنواعها والقضايا التي تناولتها ونجاحها التمثيلي والاخراجي وهموم أبطالها كما ينظر إلى تفاصيل المشهد المسرحي ككل مثل لوحات المشاهد والصوت والمؤثرات والديكور والاضاءة ، ويتحدث عن أداء الممثلين وجوانب الابداع أو القصور فيه! لقد شكلت كتاباته هذه ذاكرة تاريخية تحفظ صفحات تكاد تضيع من مسيرة المسرح العراقي منذ نهاية الحرب العراقية الايرانية في أواخر الثمانينات وحتى نهاية التسعينيات مما حدا به الى نشرها في الكتاب الذي صدر في عمان عن دار ورد للنشر والتوزيع عام 2007.

إشتمل الكتاب الذي جاء في 230 صفحة على مقالات غطت إثنتين وثلاثين مسرحية عراقية طوال عشرين عاماً بالاضافة الى مسرحياته الثلاث في آخر الكتاب وهي: (أول حرب جميلة) عام 1993، و(الخمرة لا تسكر الموتى) عام 1999، و(جمهورية العوانس) عام 1993. وقد قسم الكتاب الى خمسة أقسام. تطرق في القسم الاول الى محاولات التجريب المسرحي العراقي في مقاربات المسرح التعبيري والمسرح الايمائي، وفي القسم الثاني تطرق الى عرض ونقد مسرحيات تركت تأثيراً في الذاكرة، وفي القسم الثالث الى نماذج من المسرح الشعبي، وفي القسم الرابع الى مسرحيات بلا جمهور. أما القسم الخامس فقد إشتمل على مسرحياته.

ويلاحظ أن كثيراً من المقالات في الكتاب تتسم بالقصر والايجاز بحيث لا تتوقف كثيراً عند تقديم عرض أو ملخص لأحداث بعض المسرحيات. وقد يكون ذلك مفهوما بالنسبة له أو لمن حضر تلك المسرحيات في تلك الفترة، وخاصة جمهور المسرح العراقي ولكن أعتقد أنه بالنسبة للقارىء العربي الذي يعتمد على الكتاب كمادة أساسية للتعرف على تلك المسرحيات فسوف يفتقد هذا الجانب، حيث إهتمت المقالات بتناول بعض الجوانب الفنية أو الاخراجية مباشرة دون تمهيد، مما يزيد من صعوبة الامر على القارىء الذي لم يشاهد المسرحيات.

يبدو في القسم الاول إهتمام عبد الستار بوضع القارىء في جو المسرحيات كالحزن والجنون. وهكذا يصبح بطل الحرب هو المجنون الذي يحاول أن يبدو عاقلاً، وكل شيء من حوله هو وهم، كما في مسرحية المونودراما (يا طيور). تقدم المسرحية مشاهد مجنونة من العبث البشري في مصير الانسان. وتصبح الحياة في مسرحية (أحزان مهرج السيرك) لعبة لا يبتسم فيها المهرج بل يبقى يموت ويولد في دورة متواصلة لتجسيد الشقاء الانساني الباحث عن الحرية، ويلعب صوت البيانو وحركات الممثل دورا كبيراً في المسرحية التعبيرية الصامتة. وفي (هاملت) لناجي عبد الامير لم يعد البطل هو هاملت الشكسبيري بقدر ما هو رؤية المخرج لشخصية هاملت كما يريد أن يتخيلها هو، فضاعت ملامح البطل الاساسية بين أكوام من الفوضى والصراخ، كما ضاع النص الشكسبيري الاصلي.

في القسم الثاني (مسرحيات في الذاكرة) يتحدث عن عودة بغداد الى التألق المسرحي بعد فترة الحرب العراقية الايرانية الطويلة وبعد حرب الخليج الاولى من خلال المهرجان المسرحي الثالث عام 1992. يتناول عبد الستار عشر مسرحيات مهمة مثل (ترنيمة الكرسي الهزاز) التي أعادت له الثقة بقدرة المسرح العراقي على تجديد نفسه والتألق بفضل تكامل إبداع فريقها. مسرحية تتحدث عن المجد الذي ضاع والحنين للماضي الذي لا يعود بل يخلف اليأس والانتظار والشوق من خلال قصة إمرأتين: واحدة مطربة مشهورة تحلم بمجد سابق، والاخرى تنتظر حبيباً غائباً لن يعود. ويشيد بشكل خاص بمسرحية رأى فيها انبثاقاً جديداً للمسرح العراقي بفضل الابداع والتكامل بين الكاتب والممثل والمخرج وهي مسرحية (نديمكم هذا المساء) للمخرج محسن العزاوي التي استطاعت أن تضحك الناس في زمن البكاء.

أما مسرحية (الباب) لمخرجها قاسم محمد وشاعرها يوسف الصائغ فقد أثرت فيه كثيراً. إنها مسرحية صراع الحياة مع الموت عبر أجساد مسجونة وآمال مخنوقة وجوع ورغبات عندما دخل البطل الى المقبرة على وعد من المدعي العام أن ينقذه بعد يومين ولكن الوعد بقي كذبة كبرى، حتى جاءت إمرأة ودخلت معه في تجربة القبر لتثبت ان إرادة الحياة أقوى من الموت.

يكتب عبد الستار بلغة نقدية تتناول مدى ارتباط النص كما وضعه المؤلف بالعمل المسرحي ليرى مدى نجاح المخرج في التعبير عن رؤية الكاتب ومدى ما يضيف المخرج من عمق للنص. وتدل مقالاته على الاحاطة بجوانب من تاريخ المسرح العالمي ومقولاته التي يستشهد بالكثير منها، كما تمتاز بالجرأة في النقد والطرح كما فعل في أكثر من مسرحية، ألا أننا نلاحظ أنه يعود ليصف بعض المسرحيات التي أشبعها ذماً واستغراباً لفشلها مثل مسرحية (الرهن) بأنها كانت ممتازة!

يعد الكتاب وثيقة نقدية تاريخية عن مسرحيات تلك الفترة التي تأتي على ذكر أغلب أسماء ممثلي وممثلات المسرح العراقي ومخرجيه. فتراه يشيد بأداء صلاح القصب وعوني كرومي ومقداد عبد الرضا وسامي قفطان وسامي عبد الحميد وعزيز خيون وعواطف نعيم وهناء محمد وسعدية الزيدي وعواطف السلمان وفاضل خليل ومحسن العزاوي وجواد الشكرجي وقاسم محمد وناجي عبد الامير وشفيق المهدي ويوسف العاني وخليل شوقي وغيرهم.

لا يمنع عبد الستار عدم رضاه عن أداء بعض الممثلين المنهك أو الخارج عن سياق الحالة المسرحية وجو المشهد أو التقليدية في موضوع المسرحية أو في اختيار العناوين المكرورة مثل مسرحية (الف حلم وحلم) من الاشادة حينما يجد ذلك لزاماً بمجمل العمل والنص وحرص المخرج على متابعة تفاصيل المسرحية أثناء البروفات. يقول في تأصيل منهج نقدي: “لعل أسوأ ما نفعله في نقدنا المسرحي هو أننا نطمر الاحساس بما رأيناه ونحاول أن نقول كلاماً لا علاقة له بالعمل الفني الذي رأيناه”. ويرى أن المسرح العراقي يفتقد للنقاد الحقيقيين وأن كل ما يكتب هو مجرد إنطباعات عابرة وقصاقيص أفكار وحتى مقالاته هو يعتبرها نوعا من الانطباعات الشخصية ليعفي نفسه من أداء دور الناقد المسرحي وتبعاته.

وفي المسرح الشعبي تستوقفه أعمال محسن العلي الذي يضيف حساً ولوناً للوحة الشعبية التي يرسمها البسطاء من عامة الناس. يتحدث بلغة استبشارية عن مسرحياته (بيت وخمس بيبان) و(مقامات أبو سمرة) و(أطراف المدينة). يبحث عبد الستار عن معاني المسرحيات في لغتها ومشاهدها وديكورها ضمن الموروث الشعبي. لكنه يتطرق لهذا الجانب بايجاز سريع، حيث نراه مغرماً أكثر بالحديث عن أداء كل ممثل وممثلة، وفي أغلب المقالات هناك دائما حيز للحديث عن أداء الممثلين وخاصة الذين يشعر أنه يكتشفهم لأول مرة بفضل أدائهم المقنع.

أما في الفصل الرابع فهو يتحدث عن خمسة أعمال مسرحية بلا جمهور وذات قيمة فنية عالية. (الربح والحب) تعكس مدى تعب الممثل في ابراز الدور وإعطائه شيئاً من الروح. تتحدث المسرحية عن الاستغلال وتهريب العملة الى خارج القطر وامتهان كرامة المرأة لاجل الربح. (السيف والطبل) مسرحية تاريخية كبرى عن الصراع العربي- الفارسي أيام الاشوريين، ومسرحية (بيت أبو هيلة) عن الاحتلال الانجليزي للعراق والتطورات السياسية انتهاء بحرب الخليج، ولكنها لسوء الحظ لم تحظ بالوقت ولا بالمكان ولا بالجمهور الذي يناسبها لأنها جادة في خضم إنشغال المسرح بتقليد النماذج الرديئة من المسرح المصري.

سأتوقف عند المسرحيات الثلاث التي ألفها عبد الستار ناصر بشيء من التحليل لمعرفة كيف انعكست الافكار النقدية التي طرحها في كتابه على مسرحياته، نصاً بالطبع لكونها لم تمثّل. تفتتح المسرحية الاولى (أول حرب جميلة) بمشهد قصر أرستقراطي باذخ في نهاية حرب في مكان ما، ويضم كل خدم وحراس القصر وسيدته الوحيدة. يوظف عبد الستار في هذه المسرحية موسيقى الناي الحزينة لخلق الاحساس بالحزن والضياع والتشتت.

يجري الحوار بين شخصيتي المسرحية الاساسيتين وهما المرأة ساكنة القصر في الخمسينات من العمر والرجل الاربعيني الممتزج بالوسامة الغامضة. ويشعر الرجل بحسرة وألم من واقعه وهو يرى فخامة القصر. ولكن تأملاته للقصر ووقوفه قريباً منه تثير حفيظة السيدة وخادمتها. تحاول الخادمة تهديده ليترك المكان ، ولكنه يصر على البقاء. ثم تظهر السيدة وهي تدخن محاولةً إقناعه بذات الشيء. لكنه يبقى صامتا يتأمل في القصر. تحتار السيدة من يكون هذا الغريب الذي ينظر الى بيتها إن كان لصاً أم ماكراً أم تقياً ورعاً. ولكنه يؤكد بكل قوة وثقة إنه بسيط وحكيم. ولكن المرأة تستهجن أن يكون حكيما بملابس رثة. فتقول بلهجة ساخرة إن كان للبيع أم للشراء؟ ولكنه يؤكد أنه انسان طبيعي يكره المواعظ والحكماء. يلاحظ هنا الارتباط بالمكان والنزاع حوله لأنه يشكل قيمة كبيرة لكل منهما. ويلاحظ أسلوب السخرية والمنع من الوصول اليه الذي تقوم به السيدة مما يوحي بارتباط الرجل الروحي بالمكان.

تشعر المرأة بالاستياء لأنها يعاملها بطريقة توحي لها بأنها رخيصة. فهو يؤكد أنه رأى رجالا كثيرين يدخلون ويخرجون من عندها. وفي المقابل يوحي كلامه عن المعاناة أنها لم تعرف أو تعش معاناة كما عاشها واختبرها هو. وفي النهاية تطلب المرأة طرده من المكان لأنه تمادى، بينما هو يؤكد بصوت قوي واثق أن ذلك البيت هو بيت أبيه وجده.

واضح في هذا الحوار فكرة الصراع حول الارض والتمسك بها. فالسيدة في نظره لم تعرف معنى الحرمان ولا تبدد العمر بلا حلم. بل تسخر من أنات الاخرين وهي تنظر اليهم. ويظل الرجل يؤكد أن الارض التي عاش فيها طفولته وصباه له.

يبدو البعد الرمزي السياسي واضحاً في المسرحية في الايحاء باغتصاب فلسطين من قبل اليهود الذين احتلوا القصر الجميل ، والذين جاءوا من مختلف أنحاء الدنيا وأقاموا على الارض المغتصبة دولتهم التي صارت مثل سيدة القصر التي احتلته. يقول الرجل في أحد مقاطع المسرحية في إشارة لتوالي هجرة اليهود الى فلسطين: “رأيت الكثير من الرجال وهم يدخلون”. ويؤكد الرجل أنه “يحب الزعتر والزيتون والزعفران” في إشارة للارض الفسطينية ومفردات رموزها. يؤكد بطل المسرحية الذي يرمز الى الشعب الفلسطيني أنه طالب حق: “لا أحب الغزوات .. أنا رجل بسيط ” ويقول: “إنه بيتي أنا.. عشت فيه طفولتي وصباي”.

وفي حوار يغلب عليه الكلام المؤثر الذي يصل حد البكاء من الحنين يقول الرجل إنه لا يعرف ماذ حل بشجرة الرمان على أيديهم. ويخشى أن يكونوا قد قطعوها في إشارة الى محاولات طمس الهوية الفلسطينية والتهويد والغاء كل ما يجسد علاقة الفلسطيني بأرضه.

تنساق لغة المسرحية أحيانا وراء الخطابة والمباشرة. يقول في هذا المقطع الذي غلبت عليه التقريرية والمعالجة التعبوية “كلا سيدتي في الحرب لا نقتل النساء. إننا نفكر في إعادة الحق الى أهله. إعادة الحق من مغتصبيه. وهذا البيت هو الحق الوحيد الذي أريد. بل وأعطيك الحق في البقاء فيه”. في نهاية المسرحية ترمي المرأة المفتاح للرجل لكي يدخل ، ولكنه مندهش لا يصدق وتنتهي المسرحية حينما يضع مفتاح الباب فيه ليكتشف أن المفتاح بدون نتيجة للاشارة الى أن الصراع قائم وأن الحل السلمي مجرد وهم وأن العودة ما تزال غير ممكنة ورهن المستقبل.

في مسرحية (الخمرة لا تسكر الموتى) تبدو الاجواء العراقية الشعبية كالطابوق والشناشيل، ولكن كل شيء في المكان خَرِب مهدّم وممزق. رجال ونساء وأطفال يروحون ويجيئون في ملابس رثة وعلى عكازات خشبية ويبدو عليهم الغضب والخوف ، بينما يقف بينهم جنرال بنياشين وأوسمة وهو يضحك. ومن خلفه تبدو صورة زجاج مهشم وخلفها صورة للجنرال ذاته وهو يضحك وقد بدت أنيابه المفترسة. توحي الحركة والاصوات والانفجارات والحطام بأن حرباً ما تزال دائرة.

(الخمرة لا تسكر الموتى) مسرحية باللغة الشعبية العامية العراقية تنتقد إدعاءات النصر والبطولة والصمود التي لا تقنع أحدا لأن الكل ضحية لم تعد تعنى له النتيجة شيئاً سوى الموت. مسرحية سياسية ناقدة وساخرة وواقعية مباشرة حيث تبدو الاشارة واضحة الى الحرب على العراق في عهد صدام حسين. وقد كتبها عبد الستار عقب خروجه الى الاردن عام 1999. وقد جسد فيها أجواء الديكتاتورية والحرب والمعاناة والحصار والقصف الرهيب الذي عانى منه العراقيون بينما يبدو النظام في نشوة مجدٍ من التسلط.

تظل جميع الشخصيات تنظر بين حين وآخر الى السماء دلالة على الشكوى والمعاناة وغياب أي أمل في انقاذهم من الآخرين فلم يبق سوى انتظار السماء بما يذكرنا بالمسرح العبثي في مسرحية (في انتظار غودو) لبيكيت.

تبدو اللغة الساخرة في المسرحية واضحة ، فحين تسأل احدى النساء رجلاً إن كانوا قد خسروا الحرب أم لا، فيقول لها بسخرية أن النتيجة لم تحسم بعد رغم كل الخراب الذي حل!
هناك دور يقوم به شخص مجنون يرد على الاخرين يحاول نفي الهزيمة! تبدو السخرية والمفارقة واضحة بأن من يدعي النصر والصمود هو المجنون!

تبرز في المسرحية شخصية الحاج محمود الذي فقد أولاده الثلاثة بالحروب ولم يعد لديه أمل بالعيش ولم يعد يصدق كل ما يقوله الاخرون عن التفاؤل والنصر. بل ينتقد صمت الشعب الذي يساق أبناؤه الى الحروب بينما يبقى خانعاً في أجواء من الخوف والبوليسية. ولكن يتحرر الحاج محمود من خوفه وينادي بسقوط الجنرال فيتعبه الاخرون مرددين الشعارات ذاتها ، وهكذا تهتف المدينة بصوت واحد في إشارة الى التفكير بالثورة. ولكن مجموعة من العسكر الذين جاءوا من الخارج يفتحون النار على الجميع فيسقطون جميعهم مضرجين بدمائهم وتسقط صورة الجنرال بينما يُسمع طفل يولد ويأخذ بالصراخ بينما تسدل الستارة.

تفتتح مسرحية (جمهورية العوانس) بمشهد تعبيري جميل يطرح الأمل المنتظر الذي تبحث عنه المرأة العانس وسط ظلام الوحدة ووحشة الحياة. تظهر شمعة وسط ظلام دامس وبجانبها امرأة، يتبعها شمعتان وامرأتان، ثم ثلاث شمعات وثلاث نساء، وهكذا حتى تصبح تسع. ويدل منظر الوجوه على الحيرة والضياع والتيه. تعكس شخصيات النساء العوانس جميع أنماط النساء العوانس فهناك الطبيعية المنطقية، وهناك المرتبكة الخائفة، وهناك الحالمة، والمتسلطة، وصاحبة الصوت الحسن التي تغني وقت الازمات، والمتشائمة والحزينة واللامبالية، والمخطوبة من شهيد. بينما يوجد رجل وسيم أعرج واحد وهو هارب من السجن.

تطرح المسرحية مأساة الحرب وويلاتها التي تبدد النسيج الاجتماعي وتأكل الرجال فلا يبقى غير العوانس المستغرقات بالشكوى وفلسفة القضية. لاتحمل العوانس أسماءً بل أرقاماً تعرف بهن للدلالة على الاغتراب عن المكان وفقدان الاحساس بالذات والضياع وابراز أن المشكلة في جوهرها واحد وان اختلفت الارقام. يشكل قدوم الرجل الاعرج الهارب من السجن فرصة لكل واحدة من النسوة للبوح بمشكلتها. يمثل حضور الرجل إشكالية للنساء بينما يرى هو في ذلك سجناً من نوع آخر:
– من سجن الى سجن، لا فرق بين ما هربت منه وما جئت لأجله، لا فرق كلها سجون.

ولعل العانس رقم (7) تلخص القضية برمتها حين تقول: “دعونا نسأل الشهداء، إنهم يعرفون القضية كلها”. تنتاب النساء أحلام يقظة فيتخيلن أن الاعرج قد صار حبيب كل واحدة. ولكن حتى في الاحلام تخطر لهن الخيانة والغدر .

تخرج العوانس من المسرح في إشارة رمزية الى غيابهن عن مسرح الاحداث الى زوايا النسيان، في حين يضاء المسرح ويبقى الرجل وحده الذي يحس أنه لا يستطيع العيش في النور. وفي مشهد رمزي يظهر فراش أبيض يغطي نصف المسرح ويتلوث بالدم وتسقط النساء عليه. ويقول الرجل إنه سيدخل سجنه الاخير وحينها يسمع صوت أطفال يولدون.

——————————————————–

المصدر : مجلة الفنون المسرحية – اياد نصار 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.