(عين) «بينما كنت أنتظر» لعُمر أبو سعدة.. السينوغرافيا تتعاطف والإخراج يقاوم

حينما كان عرض «بينما كنت أنتظر» لا يزال جارياً، كانت العاصفة تمرّ خارج صالة المسرح في بروكسل. لو لم يقل لنا بعض الحضور ذلك، كأنهم يتفقدون سلامة عدة انتباهنا، لما لحظت شيئاً إطلاقاً. تحدثوا عن قرع مطر عنيف وأصوات رعد حقيقي. فكرت أن المسرحية استطاعت إغراقي تماماً. ذهبت في الأصل حاملاً توجساً مسبقاً، فأحد الأصحاب المشتغلين ببرمجة العروض، سمسار مسرحيات، كان رأى العرض «طويلاً بعض الشيء». مرت ساعتان إلا ثلثا بدون أن أحسّ. فكرت أن هذا ليس قليلاً. شيء مطمئن، يمكن أن تؤمن عليه كإجابة عفوية لسؤال لا يمكن تفاديه: «كيف رأيت العرض».

ليس العمل الأول بين المخرج عمر أبو سعدة والكاتب محمدّ العطار. شراكتهما الفنية وصلت نضوجاً لافتاً في مدار الحدث السوري، باعتباره الأثير لاثنين من عرّابي «مسرح الاستوديو» الجوال في الريف السوري.

هنا لا نرى ذلك الالتحام بإيقاع الحراك الثوري، حينما قدّماه، نهاية 2011، في شكل «مقطوعتين» مسرحيتين. إنهما الآن في مرحلة الارتياح لتقديم جدل وسجال. هكذا تنغزل العلاقة بين نيكاتيف النص الخصب، المتماسك كعينين لحيواته، والتظهير المسرحي في غرفة تحميض قليلة الرحمة. ذلك التحديق يقول ما عنده قاطعاً الأمل، ليحوّل الصالة إلى مرآة اللارجاء.

حينما نفرد تعرّجات نص العطار نصير أمام مشروع رواية معدّة للاقتباس المسرحي. كل شخصية هي احتمال ناضج لأن تكون محوراً درامياً: تحولات ندا (ناندا محمد) التي أعادتها غيبوبة شقيقها إلى نفسها، سالكة مجاز تلك المسافة الضوئية من بيروت إلى الشام. شقوق أيقونة الأم أمل (أمل عمران)، مواصلة ارتداء درع التديّن لتحرس الفجيعة العائلية بفضيحة الزوج المقتول فوق عشيقته. تطاير الصديق أسامة (محمد آل رشي)، الموسيقي العاقر، المتحرر للتشفي من نفسه في الآخرين. فصام سلمى (فاتنة ليلى)، الممسوسة بغيبوبة حبيبها.

المخرج يختار ترك تلك الفضاءات أدغالاً نفسية. لم ينجرّ للتعاطف مع الشخصيات. لم يترك الحبل للممثل كي يلمّع أزمة شخصيته، أحقيتها بالانتباه وأولوية مصيرها. كان ذلك ليحمل مخاطر ضياع الجمهور في حكاية تريد قول كلّ شيء. المفارقة أن الدليل في تلك الأدغال كانا طيفين، الشابين الكافرين بمآل حراك ثوري، المفترقين فيه قبل لقائهما في «الكوما»: الإبن تيم (محمد الرفاعي) المعتكف للتصوير وللأرشفة، بعد شذوذ الحراك الثوري إلى السلاح، لينتهي باحثاً عن الارشيف العائلي ليكمل صناعة فيلمه. صاحبه عمر (مؤيد رومية)، الهارب من التحلل في المستنقع الآسن لحرب النظام ومعارضيه، متشبثاً بطوق نجاة الغيبوبة التي حقق فيها حلم حياته بالتحول إلى «دي جي».

الغيبوبة كانت المجاز الحامل لدراما العرض. كل شيء يحدث من اللحظة الأولى: يغادر الابن سرير المشفى، تاركاً مكانه الفارغ شمّاعة لتداعيات الام والشقيقة والصديق. نقد سليط للحراك الثوري السوري، لتواطؤ البرجوازية الشامية، لينفتح العرض على مستويات متعددة: قدر غيبوبة الفرد، محاطاً بالموت السريري لوطن، ثم هذا اليتم الجماعي مقيماً في رمقه الأخير. تردّد بعض الشخصيات أن الله، السوري على حدّ يقينهم، قابع في غيبوبة. دارت كأس تلك «الغيبوبة» على الجميع، ليمررها الطيفان أحياناً ببرود النادل. هكذا اختار أبو سعدة التعاطي بقلة رحمة مع انفعالات نصّ العطار. كتم أنفاس شخصياته، لم يسمح لها بالهروب من مأزق مصيرها الفردي، ليترك حولها مخارج نجاة سرّبتها الشعرية المشهدية أحياناً. هذا ما سيطبع كل ملامح المعالجة المسرحية.

حينما دخلنا إلى العرض رأينا سينوغرافيا باذخة. قلت لنفسي إنها بسهولة يمكن أن تتحوّل إلى سيرك. لم يحصل ذلك. بقيت في حدود مشهدية جميلة، ممنوعة من التخلّق بألعاب فرجة مفاجئة، مكتفية بأن تكون شرايين لإعاشة العرض. أرض مرسّمة بحدود الواقع المكشوف، صالة بلا كواليس، وسماء مفروشة ببراغماتية. يمكن التأمّل في الصورة المرفقة بالمقال. جرى التقاطها وقت البروفة. تأخّر مرة تأمين الوشاح الأسود، المغلق لمساحة المرتفع بين طابقَي الأرض والسماء، فاستسلم المخرج لهذا الإغواء. أعجبته المكاشفة، عدم رصف تلك المساحة بموقف، تاركاً لهياكل المعدن توليد دفء غير متوقع.

هنا سيضاف مستوى آخر من الصراع الدرامي. صراع بين نزوع النص طلباً للرحمة، تعاطف السينوغرافيا معه، وبين المقاومة الإخراجية. شرارة هذا الاحتكاك ستكون انطباعات سينمائية. خرجت من العرض مفكّراً بأن ما علق داخلي هي بقايا فيلم. أحسست بمرور زمن سينمائي، تتالي كوادر ملحومة بقطبٍ مخفيّة للعبة المسرح داخل المسرح. حينما واجهتُ نفسي بهذا الاستنتاج، وَضعتْ أمامي إحالات سينمائية تلقائية ولّدتها عندي المسرحية.

فيلم الخلّاق الفرنسي ليو كراكس «هولي موتورز» (2012)؛ ترك الجمهور أمام عراء التمثيل، الشخصية تلبس وتتهيأ أمامه لتدخل دورها، ثم الرثاء حينما يخرج من مقاومة التعاطف معها. شغل الأخوين البلجيكيين داردين: إغلاق الأبواب أمام الموسيقى التصويرية ومرادفاتها المتعاطفة مع المصائر الفردية؛ بخلاف جينات «السينما المسيحانية» الأميركية والأوروبية، حيث تبقى أنغام الرحمة تحوم فوق الشخصيات، تحملها، مُبطِنة الإيمان بالقادر اللامرئي.

«بينما كنت أنتظر» عرض أخاذ، مفتوح على التطوّر، يقيم حدّاً فنياً بارعاً بين النفسي والعاطفي. إنه مسرح يعكس إخلاصاً ناضجاً في شراكة فنية بين كاتب ومخرج، معه يصير دأب عمر أبو سعدة، طوال الوقت، تبريد المحرك العاطفي لشخصيات محمد العطار. حينما سألت المخرج وافق فوراً، غادر ضحكته إلى وجه جديّ معلقاً «لا يزال هناك شغل». أحسست بانكماش بعض الممثلين من ملاحظته، لم يوجّهها لأحد بعينه، لكن الواضح أن حسابه مع عواطفهم… لم يتنهِ بعد.

* العمل المسرحي مبرمج في مهرجانات دولية منها «أفينيون» الفرنسي بين 8-14 تموز.
(السفير)

عن عبد الجبار خمران

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.