(عين): العرض التجريبي لمسرحية (يوميات مسحوق) لفرقة مسرح لبلاد بوجدة ـ المغرب

بمناسبة اليوم العالمي للمسرح 27 مارس 2016 و بدعم من وزارة الثقافة (الدورة الأولى 2016 ). قدمت جمعية مسرح لبلاد بوجدة عرضا تجريبيا لمسرحيتها (يوميات مسحوق) من تأليف: لحسن قناني و إخراج: لخضر مجدوبي وتشخيص: إدريس شليح و لخضر مجدوبي  وألحان: العيد بوزكو. سينوغرافيا: محمد الحافي، المحافظة العامة: عبد الصمد علواني.

وقد قدم هذا العرض التجريبي بالمركب الثقافي بجرادة على الساعة الخامسة عشية. على الرغم  من أن عملية  الترميم التي تخضع لها قاعة العروض لا زالت لم تكتمل بعد .خصوصا  بالنسبة لتأثيث القاعة بالارائك الثابتة. كما كان عليه الحال في سابق عصرها الذهبي . الشيء الذي وجد معه الجمهور  نفسه مضطرا وبشكل تلقائي عفوي إلى إقتعاد الأرض العارية  خلال مشاهدة المسرحية رافضا بذلك الحلول الترقيعية المتمثلة في كراسي الميكا (البلاستيك) التي يبدو أنه يراد لها أن  تتحول من حل مؤقت إلى (هذ الشي اللي عطا الله). وقد كان هذا السلوك الرمزي بمثابة صرخة احتجاج  موجهة إلى المسؤولين من أجل التعجيل بتجهيز القاعة بكل ما تحتاج إليه. همن معدات كفيلة بالوفاء بالشروط التي يتطلبها  تقديم عرض مسرحي بالمواصفات المطلوبة  بدءا بالأرائك اللائقة وصولا  إلى أجهزة الضوء والصوت والمكيفات وغير ذلك .

هذا عن الفعل النضالي الذي كان من تداعيات هذا العرض التجريبي.فماذا عن المسرحية التي كانت من وراء هذا الفعل؟

* ملخص لمضمون المسرحية:

يتشكل النسيج الفكري والدرامي لمسرحية( يوميات مسحوق) انطلاقا من الخيوط التي يغزلها السرد في حكايا» عَمّي المُختارْ مسَلَّكْ لَيَّامْ«، الفاعل الأساسي المنُوط بنشر غسيل التردي والتفاهة واللامعنى فوق حبال الفن. و “المختار” هذا رجل كهل بسيط حنكته تجارب أسفار العمر في حياة مليئة بالمفارقات، يشتغل عونا “شاوش” في إحدى قاعات الحفلات، قاعة اعتلى منصتها “علماء وساسة ومفكرون” وخطبوا على الناس، وحدثوا الناس عن الناس وعن دنيا الناس !.

وذات مرة بينما كان المختار منهمكا في إصلاح الميكرو (المايك)، خطرت على باله مفارقة عجيبة، لقد انتبه فجأة إلى أنه رغم كونه الشخص الوحيد الذي يعتني بهذا الميكرو كلما ألم به عطب، إلا أنه الوحيد الذي لم تواته الفرصة أبداً لإسماع صوته من وراء هذا الميكرو.. عند هذه اللحظة يضيء فانوس الفن السحري ليُنطق الجماد، يتأنسن الميكرو ويقترح على المختار أن يأخذ حقه في الكلام: أليست فرصة المحروم من الكلام، إن رام أخذ حقه في الكلام، هي أن يتكلم !؟

إنه إذن وحتى لا نقول إصلاح، عزم الفاعل الأساسي على النبش في حالة الافتقار في الوضع الأصلي، من هنا تبدأ الرحلة، رحلة »عمي المختار «في لا وعي اللاوعي، وإذا استعرناه يدجر سنقول أن المختار قرر أن يشيِّد عمارة الكلام لكي يسكن، قرر أن »يتكلم الكلام الذي سقط في النسيان«، فالمختار، الإنسان البسيط، سيصبح ومنذ هذه اللحظة الموجود المبرهن، الذي يعطي الدليل على الغياب، سيتحدث في الميكرو، سيعبّر، بل سيصبح من فرط اندماجه فيما يعبر عنه، مجرد وسيلة في يد هذا المعبِّر عنه كي يفصح عن كينونته

هي إذن فرصة لإبراز المقارنة بين لغة »البهوات« أي اللغة التي»تحجب الإنسان عن الكلام«، ولغة المختار، أي الكلام الذي سقط في النسيان، المفارقة التي ستتسع الهوة بين أقطابها شيئا فشيئا عبر محطات الرحلة؛ لأنها تضرب بجذورها عميقا في حياة المختار، الذي لن يجد وسيلة لإبراز ملامحها خيراً من قدح زناد الذاكرة والتشبث بحبل التداعيات.

إنه الكلام الذي سقط في النسيان إذن، وقد واتته الفرصة كي يطفو على السطح، كي يكشف عبر اندفاعاته وتموجاته عن كل السلطات الصغيرة اللامرئية التي تكبل المواطن البسيط.

وبما أن هذا الحديث سيصدر عن شخص لم تتح له أبداً فرصة الحديث، كـ»عمي «المختار، فلا بد أن يكون حديثا ذا شجون.

سيتحدث أولا عن الفن الرديء، أول جرح سيخدشه الحرف المنسي ليكشف عن مكامن الصدأ، ليبين كيف استطاع مثل هذا الفن أن يتدثر برداء عصرنة مزعومة شاقا طريقة إلى وجدان الناس، إنها سلطة التفاهة إذن والقدرة الخارقة التي أضحت بحوزة التافه في زمن التفاهة، كي يطمس كل ما هو عميق وصادق.

سيتحدث أيضا عن نوع من الشعر، سماه بشعر »الزوابي «والذي جعل أصوات شعراء مثل » أبي الدباز المتبنّى «–وللاسم دلالته- تطغى لفرط مداهنتها وتمسحها بالأعتاب على الكثير من الأصوات المهووسة بالرؤيا والصدق.

وسيكشف المختار أن الفرق بينه وبين هذا النوع من عطاري الكلام، هو أن هؤلاء يملكون حق الكلام، كحق يجعل من حاز عليه يملك صلاحية حرمان من منحوه إياه من ممارسة نفس الحق؛ تلك هي القاعدة الذهبية، والاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو أن تنتزع حقك في الكلام ولو على مستوى الوهم الذي يتيحه الفن، ما دام تحليك بالصدق في زمن التفاهة والابتدال يجعلك تفتقر إلى من يعترف لك بالقدرة والكفاءة على ممارسة هذا الحق.

هذا الأمر هو الذي جعل شجرة الكلام تزهر على شفتي المختار، ولكن لا ينبغي أن نلوم المختار إن كانت ثمار هذه الشجرة مرة كالحنظل، فذلك لأن جذورها تمتص رحيقها من حياة المختار ومَنْ شاكل المختار، وهي حياة متخمة بالمرارة.

وعلى هذا النحو سيتخذ المختار من قاعة الحفلات معادلا رَمزيا للعالم الخارجي، أو نافذة يطل من خلالها على هذا العالم ليكشف عن السُلَط المتناهية في الصغر والتي تستعصي عن إدراك العين المجردة.

وهكذا فبعد تعريته في المشاهد الأولى لسلطة النغم المشبوه، والنظم المتواطئ والكَلِم المقنع، يتابع رحلته ليكشف عن فضاءات أخرى للسلطة، كما تتجلى في سلطة لألقاب والمراتب ضمن مواقع رقعة الشطرنج الإجتماعية، وحيث يصبح اللقب هو الذي يمارس مهمة معينة وليست الكفاءة، ليكشف لنا بعد ذلك عن سلطة الإعلام المرئي من خلال استحضاره للكاميرا كأداة لا تُظهِر إلا لكي تُخفي، ولا تصرّح إلا لكي تطمس، ولا توضح إلا لكي تلقي بعيون الناظر في متاهة الإلتباس.

بعد ذلك سيتخذ المختار من الحديث الحماسي الذي ألقاه أحد » المفكرين «عن الديمقراطية، ذريعة ليخرج بنا من قاعة الحفلات إلى العالم الكبير محاولا نحت تعريف خاص به عن الديمقراطية؛ فتغيب قاعة الحفلات وتحضر أماكن أخرى: الحافلة، البيت، المدرسة، »الجوطية«، مركز الشرطة،  وغيرها، وفي هذه الأماكن يحضر العالم الخارجي، وفي العالم الخارجي يحضر الوطن، وفي الوطن تحضر المفارقة بين تعريف ذلك »المفكر الكبير« للديمقراطية، وواقع الممارسة الفعلية، وعلى الرغم من أن محطات حياة المختار » الغنية « بالمرارة والمفاجآت ظلت بعيدة عن أن يستنفذها السرد في المسرحية إلا أن حكايات هذا الرجل البسيط قد استطاعت بفعل ما اتصفت به من عفوية وصدق أن تشبع بالفعل المستوى التأشيري للعنوان في مسرحية »ميكر وكراسي”.

 

عن: لحسن قناني (مجلة الفرجة)

 

عن بشرى عمور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.