عن مسرحية الملك هو الملك تأليف سعد الله ونوس – د . راجي عبدالله #العراق

عن مسرحية الملك هو الملك تأليف سعد الله ونوس – د . راجي عبدالله 

     المسرحية التي تحضر في ذهني هذه الأيام هي مسرحية الملك هو الملك للراحل سعدالله ونوس . تحكي المسرحية عن ملك ظلم شعبة ظلماً لا يطاق , حيث إزداد الفقر والتخلف والأمية وإزاداد الإنسحاق الشعبي إلى درجة كبيرة , وبذلك أصبحت هنالك فئة صغيرة تسيطر على بيت المال وتعيش البذخ والنعيم بينما عامة الشعب تتضور جوعاً وتحلم برغيف الخبز ولا تجده إلا ما ندر , وكان من بين الجياع رجل فقير جداً يتمنى أن يكون هو الملك ليوم واحد فقط لكي ينشر العدل بين الناس ولكي يعطي كل ذي حق حقه ويرفع الظلم عن الجميع , وكان أينما ذهب يعلن عن أمنيته للملأ , حتى ذاع صيته وأنتشر فوصل خبره الى الملك الذي أرسل العسس لكي يلقون القبض عليه ويحضرونه أمامه , هذا هو الفعل الدرامي الرئيسي في المسرحية , لكن الفعل الآخر الذي هو أكثر درامية منه هو أن الملك بدلاً من أن يعاقبه ويحز رأسه قد أمر بتحقيق أمنيته ليتنازل عن العرش لمدة يوم واحد فقط كما ذكرت . بيد أن هذا الرجل ما أن وضع ( التاج على رأسه ) حتى تغير كلية فإزداد الظلم ظلماً وإزداد البطش بطشاً , وبدأت النساء لا تخرج من بيوتهن خوفاً من الإغتصاب والأطفال يبقون في بيوتهم خوفاً من الإختطاف أو من بيع أعضائهم الداخلية في بلدان الغنىى المجاورة .

     ومرت الأيام والشهور والسنوات والشعب على هذه الحال , لكن الطامة الكبرى أن الناس مازالوا غير موقنين تماماً أن الملك هو الملك مهما تغيرت الوجوه أو تبدلت , بل أن بعضهم ظل يترحم على الملك السابق لشدة ما يقع عليهم من ظلم هذه الأيام . نعم إن الظلم الذي وقع عليهم على الرغم من تعدد الوجوه قد إزداد سوءاً , و لايكفي أبداً أن يضع مسببه تاجاً مرصعاً بالزمرد والياقوت واللآلئ على راسه , خاصة ذلك الذي كان من الذين يتقلب في آرائه كما يتقلب في فراشه يمنة ويسرة من كثرة الكوابيس التي تحيط به في اليقظة والمنام . حقاً إن سعدالله ونوس الكاتب المبدع قد إستمد حكايته من بعض الحقائق وألبسها لباساً تاريخياً , لكنن المشكلة في كلا الحالتين هي أن الظلم ينتج ظلماً أكبر وإن الجهالة التي غلف الظلم عقولها مازالت تحلم باالفرد المنقذ وهو الذي في الحقيقة لا يقوى على إنقاذ نفسه .

     تلك هي الحكاية وتلك هي مدلولاتها الواقعية التي يمكن أن تتكرر كل يوم , لكن خلف تلك المدلولات تقف بقوة المعالجة الفنية للفكرة أو البناء الدرامي لحالة قد تكون معروفة جداً لدى الجميع . بيد أن المؤلف الراحل سعد الله ونوس إستطاع التركيز على الصور الموجعة في تاريخنا العربي وفي مجتمعاتنا المتنوعة الحاضرة التي قد ترتبط مع بعضها إرتباطاً وثيقاً بصفات وعوامل عديدة , فالتشابه عند ونوس لا يعني أبداً إستنساخ الحالة كما هو موجود في المسرح الواقعي أو المسرح الطبيعي الذي كان من رواده الأوائل أميل زولا على سبيل المثال لا الحصر .

     إن معالجة سعد الله ونوس الفنية قد تتوائم مع المعالجات الأخرى التي ابتدأها من مسرحية حفلة سمر من أجل خمسة حزيران مروراً برأس المملوك جابر وحتى حكاياته الصغيرة مثل الفيل يا ملك الزمان , أو مسرحية إغتصاب وقبلها مسرحية رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة , وكذلك هذه المسرحية , لكن تلك المعالجات المشتركة لدية غالباً ما تأخذ وتسلك الطرق التعبيرية السهلة والمرنة في سرد الحكاية أو قطعها والتواصل معها أيضاً بين الحين والآخر وصولاً إلى الذروة , والذروة هنا لا تعني الإسقاط النهائي على حالة العقدة ضمن المنظور التقليدي , بل أنها تقترب كثيراً من الصياغة الفنية التي نجدها عند برتولد بريشت على الرغم من أن سعد الله ونوس يقبل بفكرة الإندماج مع الدور شكلاً ومضموناً , بينما نجد بريشت يحاكي الفكرة حتى في أصعب الظروف تعقيداً لدى الشخصيات , ولا يسمح أبداً بإنسحابها كلية إلى فكرة الإنسجام المطلق مع المتلقي .

     ومع أنه ليس من عادتي أن أتناول طريقة كتابة أي كاتب مسرحي لأن الكاتب لديه الحرية في إختيار الطريقة المثلى في كتابة النص وفق المدرسة الفنية التي يريدها هو , وليس هنالك في مثل هذه الحالة أي إشتراط فني أو فكري على كتابة أي واحد من المؤلفين ومنها مسرحياتي أيضاً حتى لا يدخل الأمر في إطار ضيق , لكن الأمر قد يتعدى ذلك بإعتبار أن سعد الله ونوس هو رمز للحداثة الفنية التي لم يسبق لأحد منا قبله أن ينتهج هذه الطريقة في التعبير والمعالجة لنص مستمد من الواقع كهذا النص الذي نحن الآن بصدده .

      ومن الملاحظ في كل نصوصه كذلك هو إستخدام المألوف والخروج عنه وإستخدام السهل لكن الإمتناع فيه , والمقصود بالإمتناع هو أن يحيد عن طريقته المعروفة في الكتابة وعدم اللجوء الى الإسهاب في كتابة الحوار والأفكار الزائدة التي قد تجعل السيطرة على النمو الدرامي عند أي كاتب حالة صعبة , بل فاقدة القدرة على الإقناع بإعتبار أن الزائد كالناقص في أية طريقة للكتابة , وهذا الأمر محسوب على شكلها ومضمونها في كل المدارس القديمة أو الحديثة للنص عند كتابته في الماضي أو الحاضر .

      غير أنه في هذه الحكاية ( الملك هو الملك ) لم يستخدم ونوس قطعاً الأسلوب السطحي المباشر في التعبير عن المظالم وكل أنواع الإضطهاد الإجتماعي المتعارف عليه في مثل هذا النوع من الحكايات لدى بعض الكتاب الآخرين , حيث نجد عنده تلك الرصانة الفنية والفكرية وإستخدام الحوار بل إنتقاءه طبقاً لحساب فنية أبعدته كثيراً عن المباشرة وعن سطحية التوصيل , و العكس هو الصحيح, إذ أن موضوعة النص تحولت لديه من حالة التعبير المباشر إلى موضوعة الفعل الدرامي الذي يزداد وضوحاً من خلال تواصل الأحداث الدرامية واحداً تلو الأخر .

    وقبل أن أختتم كتابة هذه المادة , لا بد لي من التأكيد على أن إستذكار الكاتب الراحل سعد الله ونوس هذا لدي , قد جاء نتيجة التشابه الفعلي بين ما كان يجري وما يجري الآن من شواهد متشابة في واقعنا المعاش , وتلك هي الحالة التي يمكن للكاتب أن يستمد موضوعه منها لأنها تعطيه القدرة على التواصل حتى إذا كانت قد أزفت ساعة نهايته , فإنها ستتكرر بإستمرار على الرغم من أن ظهورها وحدوثها الدائم يتكرر بإستمرار , ولا يمكن أن يحجب عن الأنظار والبصائر بأية حال من الأحوال .

     هنا نجد أن سعد الله ونوس ظاهرة لن تتكرر في المسرح السوري أو المسرح العربي لأنها ظاهرة فريدة جداً , لها تأثيرها ومكانتها الإبداعية في الوسط الذي نشأت فيه وفي خارجه , وإن رحيله عن عالمنا قد ترك فراغاً كبيرا ليس في سوريا بل في كل البلدان العربية قاطبة .

د.دراجي عبد الله – العراق

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح