“التوليد الدلالي للمخرج المؤلف في المسرح المعاصر.. جواد الأسدي أنموذجا”

 

عن “التوليد الدلالي للمخرج المعاصر، جواد الأسدي نموذجاً” د: محمد سيف/باريس

ليست قراءة.. ربما بداية لقراءة

منذ مطلع القرن العشرين، والنوع الدرامي يبدو في أزمة. وقد برزت هذه الأزمة وفقا لهانس ليمان، منذ سنوات الثمانينات (عن طريق مسرح متحول بكل تأكيد، لكنه غير ثائر. ووجدت المكونات المسرحية المشكلة للدراما نفسها ضعيفة ومزعزعة، بعدما لم تكن مجال إشكال إلى حد الآن. أي أن الشكل النصي للحوار صار مليئا بالصراعات، ومثقلا بالتداعيات، وغدت الذات الإنسانية تعبر عن نفسها أساسا عن طريق حوار خارجي بين الشخصيات، والحركة التي تدور من داخل حضور درامي مطلق)[1].

 بعد أزمة الدراما، جاءت أزمة الشخصية في المسرح المعاصر، التي سلط الضوء عليها كل من “برينو تاكَيل” في كتاباته حول “شعراء الخشبة”[2]، من خلال تركيزه على الشخصية المسرحية ووضعها باللعب ومواجهتها مع لعب الممثل، وهانس ليمان في كتابه “مسرح بعد الدرما”، الذي تميز بالتشكيك بأولوية سلطة النص والدراما، وبالمعنى المقصود للحدث. وعلى الرغم من الانفلات الجمالي لمسرح ما بعد الدراما وتمرده على ما هو قديم من تقاليد مسرحية، ظل يحتفظ بعلاقة مع شكل النص، والدراما، ويسمح بوضع لغة مسرحية جديدة في استمرارية تاريخ المسرح الذي يعود تاريخه إلى أرسطو.

ومنذ أن صار المسرح يبتعد عن مفهومه الدرامي، ازداد المجتمع قلقا وإثارة. علما أن مسرح ما بعد الدراما، الذي أعلن عن “موت الدراما”، وفقا لـ “جان بيار سارازاك”، (ليس نمطًا، ولا نوعًا، ولا جماليًة، ويجمع هذا المفهوم بين ممارسات مسرحية متعددة ومتباينة، وتتمثل وجهة نظره الشائعة في عدم اعتبار الفعل أو الشخصيات بمعنى الطباع أو الاصطدام الدرامي أو القيم الجدلية، أو حتى الشخصيات القابلة للتحديد، ضرورية لإنتاج المسرح) [3].

 بعد أزمه الدراما التي تناولها أيضا الناقد الهنغاري بيتر سوندي في نظريته للدراما الحديثة [4]، وأزمة الشخصية في المسرح المعاصر، انبثقت من جديد فكرة أزمة سلطة المؤلف التي تم إحيائها مؤخرًا. فبعد أن خضع النص للعديد من التجارب المسرحية، وغالبا ما تحول إلى مواد، مثلما غيبّ في المسرح، ولكنه ” عاد” في النهاية، من جديد إلى الواجهة. ومن اجل تفسير مصطلح” العودة” هذه، وتسليط الضوء على فكرة “الأزمة” وعلى الأخص ” أزمة الدراما”، يناقش جان بيار سارازاك، في كتابه ” مستقبل الدراما”، فترة “عودة النص” وفكرة ” أزمة الدراما”، بقوله:( كل شيء يحدث كما لو كان علينا أن ندفع اليوم ثمن فائض الحريات أو كثرتها و” التفكيك” في الستينيات والسبعينيات وحتى بداية الثمانينيات- فترة انتصار الإخراج بامتياز-. نحن نشهد في الكتابة بشكل عام وفي الكتابة الدرامية على وجه الخصوص، باسم قابلية القراءة، نوعا من الاستعادة الزاحفة للأشكال التقليدية. فإن الرابسودي ” la rhapsodie [5]“، الآن، ومن خلال اسمه وحده، يشكل احتجاجًا قويًا – أود أن أقول: calibanesque – ضد اليوجينا علم تحسين النسل الدرامي الموروث من عقيدة أرسطو لـ ” لحيوان الجميل، bel animal) [6].

إن التقليد، الذي جعل الخشبة تابعة أو أقل شأنا من النص يعود إلى عصر أرسطو. وهو لا ينطبق بالضرورة أو يتماشى مع جميع التطبيقات المسرحية، التي نطلق عليها تسمية الفنون الشعبية (الفارس، والعروض المتنوعة) التي تتجاهل النظام الأرسطي بطبيعتها، هذا بالإضافة إلى أن النص في جميع التقاليد المسرحية غير الأوربية كان خاضعا للخشبة ومتطلباتها. وقد عرف ّ (كوردن كريك) في مطلع القرن العشرين، خصوصية فن المسرح بقوله: (إن المسرح ليس هو بلعب الممثل، ولا هو بالنص المسرحي، ولا الإخراج، ولا هو بالرقص، ولا هو أيضا نتيجة بسيطة لاجتماع هذه الإضافات التقنية. إن المسرح هو شكل وصورة العناصر التي تكونه: الحركة التي هي روح التمثيل؛ والكلمات التي هي جسد النص؛ الخطوط والألوان التي هي وجود الديكور نفسه؛ والإيقاع الذي هو جوهر الرقص)[7]. إن هذا الفن مستقل بحق وحقيقة، وأنه مُؤسس على الخشبة وليس على النص مثلما كان شائعا. وهكذا، فإنه بدلا من أن يعيد بناء وتقديم الشعر الدرامي أصبح مسرحا بشكل كلي، أي أنه خلق شكلا جديدا خاصا به.

نفهم مما تقدم، أن العرض يُعد ويجهز من قبل المخرج، ويأخذ صورته الأخيرة وليس النهائية الثابتة، بعيدا ومستقلا عن النص. وهناك بعض المخرجين يقومون قبل مباشرتهم بالتمارين الأولى بتجهيز مشروع تفصيلي مليء بالملاحظات والإشارات الخاصة بتصوراتهم الإخراجية التي تساوي في قيمتها النص الأصلي. ومثالا على ذلك، المخرج البولوني تاديوز كانتور، عندما أخرج مسرحية (دجاجة الماء) لويتكفيس لـ Witkiewicz، صاحب نظرية ” الفن الأصلي” إذ يقول في هذا الصدد: (أنا لا أمثل أو أقدم نص ويتكفيس Witkiewicz)[8] ، لأنه لم يحتفظ من نص هذا الأخير إلا ببعض المقتطفات الصغيرة، ويواصل كانتور: (إن النص الدرامي، بحصر المعنى، يجد نفسه في هذا العرض، قد حلّ محله آخر أو بالأحرى زُرع محله نص مسرحي جديد). وهذه كانت قناعة بيراندلو، أيضا ” بعدم ملاءمة المسرح للدراما”[9].

وقد قدم معظم المؤلفين في مطلع القرن العشرين، نصوصًا تفلت من الخطوط العامة التقليدية، بحثًا عن نموذج جديد للنص المسرحي، قدمت نفسها، في المقام الأول، كواحدة من تلك الأشكال الهجينة التي تحققت بفضل فترة التغيرات النموذجية بين أعوام 1880-1910، التي تفجرت خلالها تأملات حول شمولية ظاهرة التطبيق المسرح وقادت بدورها إلى تغيرات على مستوي لعب الممثلين، وفكرة تحويل الفضاء، ومساءلة النص الدرامي بطريقة جديدة لا تلتزم بالضرورة بالذهنية التي يتأسس على أساسها النص من قبل المؤلف. وهكذا ظهر المخرج، وصار يلعب دور الشخصية الرئيسية والمركزية في المسرح الحديث.

وإذا كانت العلاقة بين النص والخشبة متوترة خلال الثمانينيات، التي بدأت، فيها معارضة سلطة المخرج وعودة مسألة النص إلى الواجهة، الذي شكل علامة على الانعطاف بدلاً من العودة، فإن التسعينيات تعلن عن عودة المؤلف ونصه. ولعل استقلالية العرض، التي طالب بها عدد معين من الفنانين، لا تتعارض مع استقلالية النص. وفي الواقع، إذا كان المؤلف قد اكتسب وعيًا مختلفًا في المسرح، وإذا كان قد طور علاقة معه غير مسبوقة، فمن الصحيح أيضًا أن المخرج، بعد قرن من الأبحاث والخبرات المتعددة، وعدد كبير من الأدوات قد مكنته من التعامل مع النصوص المعاصرة وتحدياتها: (فنحن ندخل، مثلما يقول جان بيار سارازاك، عصر العرض المتحرر وهذا التحالف الجديد بين النص والمسرح). [10] إن هذا التحالف الجديد، لم يستمر، وحتى إذا استمر في مكان ما، ففي مكان أخرى قد تغير. فالعالم في حركة دائمة، لا يعرف الثبات أو السكون. لقد ظهر اتجاهٌ جديدٌ يمكن أن ينظرَ إليها على أساسِ إرثٍ لمسرح ما بعد الدراما، ويتمثلُ هذا الاتجاهُ خاصة في “الكتابةِ الركحيةِ”، على النحو الذي حددهُ الناقد المسرحي والفيلسوف برينو تاكَيل، في كتابه (شظايا من محبي المسرح) [11]، والذي استخلصه من فقرة كبيرة وردت في كتاب “مسرح ما بعد الدراما” لهانس ليمان، التي تلقي الضوء على “شعرية الخشبة”، ولهذا لا يمكن نسب هذه التسمية أو اصطلاح “شعراء الركح” إلى برينو تاكَيل، وإنما لهانس ليمان، لأنها انبثقت منه في حقيقة الامر. ولقد خص برينو تاكَيل هذه التسمية بالعديد من المخرجين الجُدُدِ، مثله في ذلك، مثل العديد من الكتاب والنقاد والباحثين الفرنسين، أمثالِ: روميو كاستلوشي، وفرانسوا تانكي، ورودريكو كارسيا، وأنتول فاسيلي، وماتيوز لانكوف، وهلم جرا، مثلما يمكن ان تنطبق أيضاً هذه التسمية على تجارب بعض المخرجين العرب، والعراقيين بما اننا نتحدث في هذا الكتاب  (التوليد الدلالي للمخرج المعاصر -جواد الأسدي نموذجاً- للدكتور صميم حسب الله يحيى، عن بعض تجاربهم، والذي خص بالذات تجربة الفنان قاسم محمد المتنوعة واشتغاله المستمر على سيناريو النص، كمنطلق لكتابة العرض وتأويله، والفنان عقيل مهدي وتجربته مع مسرح السيرة، والفنان جواد الأسدي وبعض أعماله نصا وإخراجا وتمثيلا، كنموذج أساسي لبحثه في هذا الكتاب، ولا ندري لماذا لم يتطرق المؤلف الى تجربة صلاح القصب، التي هي من صميم هذا المسار للكتابة المسرحية الجديدة. ربما لأن الباحث لم يشأ أن يشتت مجال بحثه في نظرة شمولية عن الظاهرة الاخراجية الحديثة في المسرح العراقي، وفَضلّ أن يحصره أكثر فأكثر في نموذج من النماذج الأكثر وضوحاً ربما، عراقيا، وعربيا، وعالميا أيضا. وبما اننا لسنا بصدد قراءة شاملة للكتاب، الذي رصد تحولات فن المؤلف المخرج وتطوره من العصور القديمة حتى وقتنا الحاضر، يمكننا أن نقول، أن د.صميم حسب الله،  قد نجح في توصيل الفكرة التي كان ينوي الوصول إليها، من خلال تحليله الدقيق ورصده بشكل مكثف لأهم المحطات المتعلقة في المؤلف المخرج، وتسليطه الضوء على تجربة جواد الاسدي، هذا المخرج المهوس بقلق اللحظة الإبداعية وتفجرها وتطورها من خلال وحشية الأداء، والحس الجمالي، والمسائلة الدائمة لمتلقيه، واكتشاف طرق وأساليب جديدة غيرَ معهودةٍ تتقاطعُ مع تقاليدِ التمسرح المألوف. فهو مخرج مؤلف، يتعامل مع الخشبة مباشرة من أجل خلقِ لغةٍ حسيةٍ فوريةٍ في العرضِ، وشعرية مشهدية بصرية ديناميكية، تؤلف في نهاية المطاف، منظومة أدائية متفجرة لا تعرف السكون ولا ترتكن إلى الهدوء. إن جواد الأسدي واحد من المخرجين الذين يعرفون قراءة الديناميكية الموجودة في النص، وإن وجدت فيه بشكل ضئيل، يخلقها من خلال تشكيل جمالية الخشبة والأداء الوحشي للممثل، إن صح التعبير، في أو من خلال التمرين (جماليات البروفة، عنوان إحدى مؤلفات جواد الاسدي). فهو ينتحت في اعماله دراماتورجية بصرية حيوية بدلا من التسلسل الحدثي للقصة أو البناء الذي يتم تشيده عليها، وهذا ما لمسناه في عمله الإخراجي الما قبل الاخير “الخادمات” لجان جينيه، الذي أنتجته فرقة (دوز تمسرح) المغربية الذي يرأسها الفنان عبد الجبار خمران، الذي قدم في باريس والمغرب والقاهرة. وهذا بحد ذاته هو عملُ المخرجينَ الجُدُدِ، الذين يقفون ضد هيمنة النص (الموت نصاً، المسرح جنتي، كتابان لجواد الاسدي)، ويعارضون كشكل المشهد المسرحي السائد، إذا “لم يعد النص يشكل بالنسبة لجواد الأسدي جوهر المسرح – كما في المسرح الدرامي- الذي تعامل مع النص كشعر (أي كنص)”، كما يقول هانس ليمان، مع بعض التصرف في صياغة الجملة.

وهكذا، نلحظ من خلال قراءتنا لكتاب (التوليد الدلالي للمخرج المعاصر، جواد الأسدي نموذجاً)، أنه يركز من خلال مقارباته المتعددة، بشكل ضمني وليس مباشر على عملية ابتعاد المسرح والنص عن بعضهما البعض في فترة ما، وكيف أدارا ضهرهُما لبعضِهَما البعضُ، في بعضِ الأحيانِ، لكنهُمَا لم يتوقفا عن تجديدِ أنفُسِهِم، وإعادةِ اختِراعِهَا. ومن خلال طرحهِمَا للأسئلةِ، والمواجهةِ، وعدم الاتزانِ، استطاعا أن يجدا حُلُولاً، أي، إنشاءِ جُسُورٍ بينَ الكتابةِ النصيةِ والمسرحية. وهذا ما انعكسَ بشكلٍ ملحوظٍ على تجاربِ الكتابةِ المعاصرةِ والحساسيةِ الإخراجيةِ الجديدةِ، التي تطورات وكبرت، بالتوازي طوال القرنِ العشرينَ، أحيانًا معًا، وغالبا كٌلٌ على حدهِ، وهكذا، حررا أنفُسهُمَا، الواحدُ من الأخر، فيما يتعلقُ بِعلاقتهما مع الفنونِ الأخرى. وإن التعاون بين المؤلفين والمخرجين، والقراءات المسرحية العديدة، والنشر، وترجمة العديد من النصوص، في حد ذاتها، بمثابة علامات اعتراف بدور المؤلف وأهمية النص في المسرح. ومع ذلك، ومنذ تسعينيات القرن الفائت تقريبا، صار يوجد عدد كبير من المخرجين/المؤلفين، وهذه واحدة من الحقائق الأساسية للمسرح المعاصر. بالنسبة للبعض، هذه الحقيقة هي النتيجة الأكثر وضوحا لكل السنوات التي تجاهل فيها المخرج للنص، وخاصة نصوص المؤلفين المعاصرين. وهذا ربما ما يشرح السبب الحقيقي، في اعتقادنا، الذي دفع العديد من المؤلفين لإخراج نصوصهم الخاصة بهم، وربما أيضا، واحد من الأسباب لـ “عودة النص” إلى الواجهة من جديد. زائداً، إلى ان عملية تكريس المؤلفين أنفسهم لفن الإخراج، علي عبد النبي الزيدي، في الفترة الأخيرة مثلا، يمكن قراءته أيضا على أساس رغبة وتوق شديد ” لدخول عالم الممارسة العملية للمسرح، والتخلص من عزلتها، وشكوكها الوحيدة، ولم يعودوا على مسافة منها بعد الآن، أو خلفها، أو بجانبها (…) ولذلك أصبحوا مخرجين لها”[12].

[1]Hans-Thies Lehmann : Le théâtre postdramatique. Traduit de l’allemand au français par Phillipe-Henri Ledru. Ed L’arche. Paris 2002. P.12.

[2] – Bruno Tackels, écrivains, les Castellucci, François Tanguy et le théâtre du Radeau, Anatoli Vassiliev, Pippo Delbono Ecrivains de plateau Tome 5 ,Rodrigo Garcia, Ariane Mnouchkine et le Theatre du soleil, Les Ecritures de plateau, Etat des lieux, Editions les Solitaires intempestifs.

[3] – SARRAZAC, Jean-Pierre (2008). (Sous la direction de), Lexique du drame moderne et contemporain, Belval : Circé/poche.  SZONDI, Peter (2006). Théorie du drame moderne, (traduit de l’allemand par Sybille Muller), Belfort : Circé, p.169.

[4] Peter Szondi, Théorie du drame moderne (1956) , texte français Patrice Pavies, L’Âge

D’homme, 1983, p. 63.

[5] – مجموعة من القصائد الملحمية التي تغني من قبل الـ ” rhapsodes “. كان هناك السرد البدائي الملحمي، والسرد المنسوب لهوميروس، والذي كان يسمى في العصور الوسطى، أغنية الحركة، وهو فرع من السرد الذي كان يحكى في الأماكن العامة، وغالبا ما ترافقه الموسيقى (Sainte-Beuve, Virgile, 1857, p. 83).

[6] – SARRAZAC, Jean Pierre (1997). L’avenir du drame, Belfort : Circé/poche, p. 17.

[7] -Edward Gordon Craig L’Art du théâtre, Etude – broché – Circé – mars 2004. P. 45.

[8]Tadeusz Kantor, Le théâtre de la mort, textes réunis et présentés par Denis Bablet, L’Age d’homme, p. 166.

[9] – Idem.

[10] – SARRAZAC, Jean-Pierre (2004). Jeux de rêve et autres détours, Belfort : Circé, p. 10.

 

[12] – DANAN, Joseph (2006). Qu’est-ce que le théâtre ? Paris : Gallimard, p. 28.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح