عشية العرض المتجدّد القراب والصالحين المخرج نبيل بن سكة نريد تثمين التراث / أسامة إفراح

لا شيء أصعب من أن يلامس المخرج المسرحي نصا لقامة من قامات المسرح، ويحاول بكتابته الدرامية أن يحيّنه ويخلق منه قيمة إبداعية جديدة، ما قد يقابل بالترحاب والقبول أو العزوف والرفض.. هي الفكرة العامة التي يمكن الخروج بها من الندوة الصحفية التي نشّطها “نبيل بن سكة” مخرج “القراب والصالحين”، التي ستعرض خارج المنافسة هذا المساء بقاعة السعادة بوهران.

بداية، حرص “سفيان عطية” مدير مسرح العلمة الجهوي، أن يقدم في عجالة المؤسسة التي يشرف عليها.. حيث أحال على إنشاء مسرح العلمة الفتي سنة 2011 وبدأ العمل سنة 2012، وبرغم حداثة هذا المسرح إلا أنّ له الكثير من الإنتاجات، ويمثل الجزائر بعرضين، الأول داخل المنافسة وهو “الثلث الخالي”، والثاني خارج المنافسة عبر “القراب والصالحين”، هذا الأخير يحاول عبر الإخراج والتصور، إعطاء صورة مغايرة تماما عن التصورات الإخراجية التي قدّمت من قبل لهذا النص.

“رويتُ قصّة كاكي بأمانة”

قال المخرج نبيل بن سكة إنه تعامل مع هذا العمل الفني كمشروع قبل أن يكون التعامل معه كعرض مسرحي، لأن مدير مسرح العلمة آنذاك، “لعريبي زيتوني”، كان لديه خطة عمل وطلب منه تسيير المشروع فنيا وثقافيا، فمسرح العلمة جديد وفتي، وكان الهدف خلق مشتلة من فناني المنطقة، وأكد “بن سكة” على تمتعه بالحرية الكاملة للاستعانة بممثلين محترفين من أجل تأطير العمل.

وبقبول المسرحية في إطار تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافية العربية 2015، وجد المخرج بين يديه ما يشبه القنبلة حسب قوله، التي تكاد تنفجر إذا لم يتم التعامل معها بالشكل اللازم، لأنه ليس من السهل مداعبة أفكار “ولد عبد الرحمن كاكي” أحد قامات الركح الجزائري، وما تضمنه “القراب والصالحين” كنص أدبي من التراث الجزائري المسرحي.

وقال “بن سكة” إنه حاول الإتيان بإضافة للعمل، بالانطلاق من النص الأصلي الذي يضم ثمانين صفحة وهو ما يعادل قرابة العرضين واختزاله لتقديم عرض واحد، ما نتج عنه عمل في نحو ساعة ونصف من الزمن. كما أنّ 80 بالمائة من فنانين هذا العرض اعتلوا الركح كمحترفين.

نوّه “بن سكة” بالفريق التقني الشاب، الذي تعطى له الفرصة لأول مرة من أجل إظهار قدراتهم. ومن هؤلاء ذكر مساعد المخرج “فاتح سليماني”، “حسين سماتي” في التأليف الموسيقي، “شوقي خواثرة” في السينوغرافيا، “فرح الدين بن زواش” كمصمم غرافيكي، و”ياسين سعادنة” وراء الكوريغرافيا.

وتحدث المخرج عن النص الذي استلهمه كاكي من عمل قديم لـ “برتولد بريشت”، الذي استلهمه هو الآخر من القصة الصينية “الإنسان الطيب لستشوان”، مشيرا إلى اقتدار “كاكي” الذي استطاع الوصول إلى عمل لـ “بريشت” مستلهم من الصين، في وقت غابت فيه وسائل الاتصال الحديث المتوفرة اليوم.

وبخصوص المعالجة الدرامية، يقول المخرج: “حتى أترك لمستي، حاولت المزاوجة بين العرضين، أي أنني حافظت على البنية الدرامية والنص الأصلي، ولكنه أضاف بعض الشخوص وذلك لتكريم الاثنين، بريشت وكاكي”.

وينطلق “بن سكة” من حيث انتهى “كاكي”، أي عند البطلة “حليمة العمياء” التي رافقت أحد الأطفال في المسرحية نحو الأفق، هذا الطفل سيكبر في مسرحية بن سكة ويبلغ من العمر 25 سنة، وبحكم أنه عايش تلك القصة فقد بات يحكيها في المحافل الفنية، أي أنه صار حكواتيا.. وهو في طقوسه استنجد بأولياء الله الصالحين ولبوا نداءه.

يؤكد المخرج: “لقد رويت قصة كاكي بكل أمانة، ولكنني حرصت على تحيينها لكي يتعرف الشباب على نفسه في هذا العرض”.

مسرحنا لم يأت من فراغ

فيما يتعلق بالسينوغرافيا، قال المخرج إنه اختار شكل هلال له علاقة بالزوايا والأمور العقائدية والطقسية، وذلك في سياق ديكور تجريدي يمكن الإبحار فيه بكل حرية. وإلى جانب ذلك، نجد استعمال تقنية ثلاثية الأبعاد والتحريك، لإعطاء عمق للعرض.

وأشاد “بن سكة” بالسينوغراف “خواثرة” الذي رأى فيه شابا ذا مستقبل زاهر. وعن اختياره القيمتين البيضاء والسوداء، قال إن ذلك راجع لكونهما محايدتين، ما يحيل إلى تأكيد الحياد في الموضوع المعالج وما له من بعد عقائدي. كما أشار المخرج إلى أن “الصالحين” هم الذين خلقوا هذا العالم المتخيل.

ويضيف “بن سكة” بأنّ سبب هذا الاختيار هو السعي إلى إحياء تراثنا، وتعليم زادنا الثقافي لجيل 2017 وتثمين شخصياتنا الثقافية، وإظهار وجود مسار مسرحي وبأننا لم نأت من فراغ.

وعن اشتغاله مع الممثلين، قال “بن سكة”: “عندي قرابة الأربعين مسرحية في مساري الفني، انطلاقا من المونولوغ ووصولا إلى عرض مسرحي بما يربو عن المائة وخمسين ممثلا، أعرف أبناء المنطقة كما أنني أستاذ في المهنة، وأملك البيداغوجيا وأعرف طريقة التحاور لإيصال أفكاري، ولم أجد صعوبة في العمل مع الممثلين.. الانسجام كان جيدا بين الممثلين المحترفين والهواة، والمهلة الزمنية بدورها كانت مناسبة جدا”.

بين قداسة المسرح وتقديس المسرحي

بخصوص احتفاظه بالعنوان الأصلي لنص “كاكي”، قال “بن سكة” إنّ العنوان الأصلي للعمل كان “صليحة” و”الصلاح” من تأليفه هو، لكن لكي يعرف الجمهور بأنّ نص “كاكي” فضّل المخرج أن يعود إلى عنوان “القراب والصالحين” وأن ينسب النص لصاحبه الأصلي.

من جهته، دافع “عطية” مدير مسرح العلمة عن خيار صاحب العرض، قائلا إنّ العنوان لا يطرح أي إشكال، وسبق لي تقديم أعمال لشكسبير وتركت بعناوينها الأصلية، رغم إعطائها تصورا آخر، “هذا أمر طبيعي وعادي، وهو من خيارات المخرج ويمكن له أن يغيّر العنوان، أو أن يبقي عليه مع إعطاء تصور آخر مخالف جدا للتصورات المتداولة”.

وأقرّ “بن سكة” بأنه كان واعيا بصعوبة المهمة، خاصة وأنّ مسرحيي مستغانم محافظون جدا وهو ما جعل المخرج يستنطق خياله احتراما لشخص كاكي: “لقد عملت على النص ما يقارب الشهر، وشهرا آخر على المونتاج، والثلاثون عرضا، لم أخشاها بقدر تخوفي من عرض نهاية هذا الأسبوع بمستغانم.. لقد حضره قدامى الممثلين، فضلا عن المحافظين المتشددين، لكن لما انتهت المسرحية جاءني القدامى واحتضنوني ورحبوا بي.. أقول مرة أخرى، لولا كاكي لما كنت جالسا بينكم الآن”.

وأضاف المخرج بأنّ الفن لا حدود له، وأنّ الفنان يقوم بكتابة وإنتاج ما يحس به، سواء كان العمل لـ “بريشت” أو “ونوس” أو غيرهما.

في السياق ذاته، اعتبر الأكاديمي “لخضر منصوري” بأنّ نص “القراب والصالحين” شكّل نقلة نوعية في مسار “كاكي” الذي استلهم من التراث العالمي نصا بريشتيا هاما، وأراده أن يكون عملا يلتقي فيه مع التراث المحلي. وذكّر بأنّ منطقة مستغانم بها الكثير بالأولياء الصالحين، ومن هنا انطلق “كاكي” في حبك حكايته واستطاع من خلال هذا النص التحاور بالتراث المحلي مع الآداب العالمية.

هاجس القدسية

أشار “منصوري” إلى ميزة أخرى في نص كاكي وهي اشتغاله كثيرا على الشعرية والسردية والمفردات المندثرة في اللغة العامية، نصوصه نصوص شاعرية بالدرجة الأولى وتحاكي هموم الإنسان عامة، وما يتميز به هو أنه لم يندمج في الإيديولوجيا ولم يكن له موقف سياسي من الأوضاع بحيث كان يعبّر من خلال المسرح بالتراث، وكان قارئا متميزا للآداب العالمية وله الفضل في فتح الباب للبحث المسرحي في مسرح الحلقة والمداح.

وأثار “منصوري” الانتباه إلى القدسية التي تحيط بكاكي، وبضرورة أن يتم إخراج أعماله مثلما أخرجها هو في البداية، وهكذا فإنّ المخرج “بن سكة” – بحسبه -“يحاول أن يبرِّر ما لا يبرَّر”، برغبته إعطاء لمسة جديدة لهذا العمل، و”بن سكة” اشتغل على الكثير من المناهج المسرحية وهو اسم فاعل في الحركة المسرحية الجزائرية.

في المقابل، ركّز “منصوري” على وجود مشكل عبادة الشخصية، وهذه الأهرام الموجودة في المسرح الجزائري تجعل من الصعب ملامسة النص والتجديد فيه إخراجا، والمعالجة الدرامية للنص ستلقى الكثير من الانتقادات.

وتحدّث “منصوري” عن مغامرة إنتاج نص قديم وإعادة بعثه بروح شبابية تطمح إلى جعل هذا الموروث آنيا وله قراءات حول الواقع الجزائري، “أتمنى أن أجد في هذا العرض أشياء تحاول كسر طابو عبادة الشخصية”.

المصدر/ محمد سامي مجلة الخشبة

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.