أخبار عاجلة

عزلة المسرح في زمن كورونا (6) ما يبثُ عبر الانترنيت لا يمكن أن يكون بديلاً للمسرح نفسه ! – سباعي السيد

عزلة المسرح في زمن كورونا (6)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران

ما يبثُ عبر الانترنيت لا يمكن أن يكون بديلاً للمسرح نفسه !

سباعي السيد (مصر)

     المسرحيون ودرس كورونا…

تساءل إيهاب حسن ذات يوم إن كانت التكنولوجيا شرعت في تغيير تعريف الفن نفسه؟ وقال “إن هنالك بالفعل إمكانية أن تغير التكنولوجيا الوعي الإنساني نفسه، بحيث تجعل الفن كما نعرفه يغدو بالتدريج عتيقاً.” والواقع يقول أن هذه المقولة يمكن أن تنسحب على الفنون البصرية والسمعية، إلا فناً واحداً يستعصي على التكنولوجيا إنه: المسرح.

فمنذ آلاف السنين، بدأ المسرح فناً اجتماعياً محفزاً للناس على التجمهر. فهو فن “هنا والآن” ولا يمكن أن نفهم المسرح الا بوصفه اجتماعا بين صناع العرض المسرحي ومستقبليه أو متلقيه. وتخبرنا المسارح الاغريقية الباقية لحد الآن عن هذه الجماهير التي كانت تمتلئ بها مدرجات المسارح، منذ أن بدأت المسابقات الدرامية رسمياً في عام 535 ق.م في أتيكا اليونانية. ويجمع مؤرخو المسرح أن الدراما بدأت أساساً كاحتفالات بديونيسوس إله الكروم والخصب والنماء إذ بدأ بحشود المزارعين المحتفلين بالحصاد، فالمسرح هو فن اللقاء المباشر بين المؤدين والجمهور “هنا والآن”.

وعلى الرغم من الطفرة التكنولوجية التي عاشها العالم، والتي أدت الى ظهور الدراما السينمائية والتليفزيونية. ثم بزوغ التقنية الرقمية، ودخل الكمبيوتر وشبكة الانترنت في كل نواحي حياتنا، والتي أنتجت بدورها العديد من أشكال “العرض الرقمي” – التي لا مجال لذكرها هنا – ظل فن المسرح محتفظاً بخصائصه الأساسية، أي الحضور والتواصل المباشر بين مؤدين وجمهور في فضاء واحد، على الرغم من استيعابه وتمثله للسينما والتليفزيون، والفنون الرقمية.

واليوم ونحن نتأمل أزمة كورونا التي ألزمت ملايين البشر بالتباعد الاجتماعي واتباع إجراءات وقائية صارمة لحماية أنفسهم وذويهم أيضاً. هذا الفيروس الخفي الذي لا يراه أحد لكنه حصد للأسف أرواح مئات الآلاف من البشر حول العالم. وأغلقت بسببه المسارح ودور السينما والملاعب الرياضية والمتنزهات وكل فضاء من شأنه أن يسفر عن تجمهر وازدحام.

واليوم نحن نتأمل هذه المبادرات التي ظهرت كردة فعل في محاولة لتعويض غياب المسرح، من مهرجانات “أونلاين” وبث المسرحيات عبر الانترنت… أجد أن ما نشاهده في كل ذلك، مع تقديري لجهود كل المبدعين في هذا المجال، هو صورة مبتسرة عن المسرح، ولا يمكن أن يكون بديلاً للمسرح نفسه. فهذا الفن العتيد اعتاد أن يستوعب كل الفنون بداخله، بما فيها الفنون الرقمية، وتجربة المسرح الحي تختلف كلياً عن أشكال العرض أو الأداء الرقمي.

ومع ذلك، فقد قرأنا مؤخراً عن تجارب أدائية تمت في الواقع الافتراضي، وهي تجارب لها أصولها في المسرح الغربي، ولا شك أنها قد تفيد، إذ تكسب صناع مثل هذه العروض الخبرة بهذا الوسيط وجمالياته الخاصة، وتجريب أدواته وتقنياته، وتفاعل الجمهور الافتراضي معه، ويمكن أن تسفر عنها أعمال إبداعية متميزة ومؤثرة، في العرض الرقمي Digital Performance، خصوصاً وأن “جمهور” الانترنت يعد بالملايين.

إن المبادرات “التلقائية” العديدة التي شاهدناها على الانترنت، من محاضرات وورش للتدريب على الكتابة المسرحية والأداء التمثيلي والنقد المسرحي، مبادرات هامة ومبشرة، وتحتاج فقط الى الإعداد الجيد ودعمها بالخبرات التقنية المناسبة، لتساهم مساهمة فاعلة في التنوير وفي نشر الثقافة الفنية والمسرحية، وتثمر عن مبدعين جدد.

باختصار، أستطيع القول بأنه في الظروف الحالية “المؤقتة” ينبغي توجيه كل الموارد المتاحة الى البحث العلمي والنشر، والتوثيق، والتدريب والتطوير المهني في مجال فنون المسرح، وكل ما من شأنه الارتقاء بالإبداع المسرحي في المستقبل، حتى تعود الحياة الى “طبيعتها”. كما أن هناك درساً في غاية الأهمية، عن ضرورة إيجاد آلية لحماية ودعم المسرحيين في أوقات الأزمات.

لقد علمنا التاريخ أن الانسان اجتاز العديد من الكوارث والأوبئة التي مرت به، وستنتهي هذه الأزمة حتماً ذات يوم. وهذه الأزمة الكونية – في رأيي- بمثابة فرصة للمسرحيين وللمثقفين بشكل عام، في أن يعيدوا النظر والتأمل في مشاريعهم الفنية، وتطوير أدواتهم، وإعادة تعريف أولوياتهم. ان من بين إيجابيات هذه الأزمة، هذا الشعور العميق بأهمية العلم في مواجهة الخرافة، وأولوية الدواء والغذاء على الصواريخ والدبابات. سينقذ العلماء البشرية من أزمتها في نهاية المطاف، لكن علينا جميعاً أن نعي هذا الدرس، وأن نعي مسؤولياتنا كمبدعين ومثقفين. فدور المثقف هنا لا يقل بحال عن دور العالم، في تأكيده على القيم الإنسانية: قيم الحق والعدل والحرية.

سباعي السيد – مصر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح