عزلة المسرح في زمن كورونا (51) لا تحقدوا على الكوفيد التاسع عشر.. حل بيننا بغثة ليوقظنا من سباتنا! – الحسين الرحاوي

عزلة المسرح في زمن كورونا (51)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران 

لا تحقدوا على الكوفيد التاسع عشر.. حل بيننا بغثة ليوقظنا من سباتنا! 

الحسين الرحاوي (المغرب)

المسرح تفاعل إنساني، اجتماعي وسياسي بامتياز، ففي فضاء العرض المسرحي تتكامل كل من: الكلمة-الممثل- الإطار التشكيلي(الديكور الملابس الأقنعة الإكسيسوار والإضاءة) والجمهور، لتشكل محورا مركزيا لمجمع عناصر الفرجة في تفاعلها وحركتها، كلها أمور لابد منها في فضاء العرض المسرحي، مع اختلافات طبعا في درجة الاهتمام، إلا أن الثابت هو اعتماده بشكل أساسي على عنصرين اثنين لا وجود للمسرح بدونهما (الممثل/الجمهور). أما عن علاقته بالتكنولوجيا، فتركيبته تحول دونما تجاوزه، مهما بلغت مراحل التقدم التكنولوجي إذ يبقى المسرح بطقوسه وبحرارته وبتفاعله مخلصا للرسالة النبيلة التي يؤديها.

عبر تاريخ المسرح الممتد غير المنقطع لم يفتأ في كل مرحلة من مراحله يتأثر بمختلف الإبدالات التي يشهدها المجتمع، على اعتبار أنه يتطور كما يتطور المجتمع بحسب جغرافيته وثقافته وأفكاره.. لذلك، ومن خلال محاضرة (المسرح والطاعون) التي ألقاها أنطوان آرتو بجامعة السوربون في 6 أبريل1933..  نقلت الكاتبة والناقدة أنانييس نين حكمة عظيمة، نجدها في هذا المقام تتطابق مع الحاصل الآني حد التماهي، قال:[إن الإنسان يُظهر التطور الفني بعد أن يذوق سِيَاط الخوفِ، لتتفتق عنده آيات الإبداع، وليفسح المجال أمام ظهور الأعمال الفنية الرائعة].[1]

فالطارِئ إذن؛ وإن كان قاسيا، سيكون بمثابة الحافز، والباعث على المزيد من الخلق والإبداع، فما بعد اللامرئي ليس كما قبله، والنماذج في هذا المجال زاخرة لا تكاد تحصى، بعيدا عن مآسي الطاعون، قريبا من ويلات الحرب العالمية الثانية وما ترتب عنها من دمار وخراب وعنف وقمع… يعترف صموئيل بيكيت وهو الذي ينأى بنفسه دوما عن الحديث على تجربته الحياتية والفنية مدعيا أنها قاتمة وخالية من أية فائدة، الاختصاصيون يعرفونها أكثر مما أعرفها؛ يصرح قائلا: إن قسوة الظروف هي التي دفعتنا لنكتب عن همومنا بعدما كنا حفنة من المتسكعين. فلن نبالغ إذن إن قلنا إن من رحم القسوة يولد العظام.

ولا ننسى كذلك، أن المسرح نشأ في رحم المواجهة، مواجهة الإنسان لطبائع الطبيعة المتقلبة باستمرار، والتي كانت تشكل له خطرا دائما، صَعُب على الإنسان وقتذاك فهمها وتفسيرها، متحديا إياها في استعلاء مخضعا إياها لرغباته ومصالحه الخاصة.

فصفة التحدي ملازمة لهذا الذي يعيش هنا والآن، فكيف له أن يخضع للامرئي؟ أليس المسرح الذي نحيا به ويحيا فينا ينشد في أبعاده اللامتناهية السمو بالإنسان إلى عالم القيم والمبادئ والأخلاق السامية الرفيعة؟ ألم نلحظ بصيص الحلم يشع لامعا في عمق أعمال يونسكو الذي لطالما جسد مسرحيا أجواء الفوضى العارمة؟ ألم يكفنا تساقط الأقنعة تباعا؟ ألم نتساءل عن إنسانيتنا المزيفة التي نتبجح بها في فترات الرخاء؟

من المخلص إذن من كل هذه الفوضى؟ تُرانا ننتظر قدوم جودو؟ ففي النهاية ليس جودو إلا ذلك الهم العالمي الكوني الذي لا يزال يُخضع رِقابنا قسرًا؟ من الأولى بالقيادة؛ الفن والعلم أم السياسة؟ لو أردنا أن نستشف رأي يونسكو في تحديد الأولى سنجده في نص متميز يرجح كفة الفن والعلم؛ معتبرا السياسة دوما متخلفة عن الأدب، ولا أمل في أن يصلح العالم على أيدي الساسة، على اعتبار أن الثورة الحقيقية إنما تحدث في معامل العلماء وفي محترفات الفنانين، انشتاين، أو بنهايمر، بروتون، بيكاسو، كاندنسكي، بافلوف وغيرهم هم المسؤولون حقا.. لأن السياسات الثورية مثل كل سياسة، ما إن تبلغ أهدافها تكن قتلت الجدوى من شعارها، عبر تنقلها من منصة إلى منصة ومن لجنة إلى لجنة أخرى، ومن تعديل إلى تعديل، فتفقد الفكرة ثوريتها، في حين هي في الفن والعلم تظل راسخة.[2]

الوضع الحالي بئيس، مثير للشفقة، لنكن كملاكم يحظى بفترة استراحة قصيرة يستجمع قواه ليعود إلى الحلبة ليفتك بالخصم؛ (الخصم هنا هو تلك الكِمَامة بتأويلاتها المختلفة، كاتمة الأصوات، دعونا نطلق صرخات مدوية، لتسمع في كل أرجاء الكون المترامي الأطراف، صرخات بنوتات مايسترو عالمي، صرخات تطرب لها الأسماع.

دعكم من كل الأفضية التي اعتدناها فهناك ما زال اللامرئي يفتك بالجموع، لا صوت هناك يعلو فوق صوت سيارات الإسعاف ودوريات الشرطة، الشوارع فارغة من الحشود، والمسارح من الجماهير، المساجد موصدة…

لا تحقدوا على الكوفيد التاسع عشر، لا تلعنوه، إنه ليس ديكتاتورا بحق، وإنما هو الفيروس الذي حل بنا بغثة ليوقظنا من سباتنا العميق، لكي نُرَتِّب الأولويات لنعيد الاعتبار للعلم والفن لنستعيد معنى الإنساني ولنحافظ على ما تبقى لنا بعد التدمير الذي حل ويحل بجميع مناحي الحياة.

الحسين الرحاوي – بني ملال، المغرب

———————————-

[1] جيمس روز إيفانز: المسرح التجريبي من ستانسلافسكي إلى بيتر بروك، ت. د.فاروق عبد القادر، ط1-2000، ص306

[1] – عصام محفوظ: مسرح القرن العشرين (المؤلفون)، الجزء الأول، ط2002، ص48

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح