أخبار عاجلة

عزلة المسرح في زمن كورونا (43) مُشاهدة عرض مسرحي عن بعد، هو أشبه بقبلة من وراء الزجاج – محمد كويندي (المغرب)

عزلة المسرح في زمن كورونا (43)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران 

المسرح بين الرقمنة والعين المجردة

[ مُشاهدة عرض مسرحي عن بعد ، هو أشبه بقبلة من وراء الزجاج ]

محمد كويندي (المغرب)

الزمن أثقل شيء في الوجود، لايحس ثقله إلا المريض، أو العاطل، أو السجين! اليوم، ونحن في ظل هذه الجائحة المفاجئة،سجناء قسرا، نعم سجناء بين الحجر الصحي، وثقل الزمن،والانسان لايمكنه أن يعيش بمعزل عن الآخرين، وإلا فسيضطر إلى أن يخلق لنفسه متنفسا آخر يتكيف معه ويساعده على حمل عبء ثقل هذا الزمان .

نعم، الانسان في حاجة ماسة،لتلبية ما يستأنس به، استجابة للكائن الحيوي بداخله ،بحكم كونه اجتماعيا،لأن العقل الانساني في كل مكان وفي كل زمان واقع تحت مؤثرات ودوافع اجتماعية.

والمسرح عبر تاريخه، هوالذي يشبع حاجة الانسان الروحية والثقافية،فإنه كذلك عبارة عن استبدالنا لغرائزنا الوضيعة المتوحشة باحساسات كريمة وسامية.

وكما حثنا كذلك ” أرسطو” حينما تحدث عن التراجيديا، فالمسرح ساعدنا على فهم أنفسنا فهما أحسن وهو معهد دراسة حياتنا.

وعليه في ظل زمان الحجر الصحي، اتخذ الكتاب والفانون، والمسرحيون، والسينمائيون، أشكالا وصيغا عدة لفك هذا الطوق المضروب على الجميع، وتحرير عزلة الانسان من وحدته وحبسه ونجاة روحه،التواقة ، إلى التحرر و الانعتاق طلبا للحرية، والتخفف من عبء الزمان الثقيل كالرصاص.. بخلق فضاءات للتواصل عبر الفيس بوك وغيره.. وبكل الامكانات المتاحة ومنها شبكة الانترنت والتواصل الاجتماعي ، وهكذا تجندت بعض الهيئات والجمعيات والنوادي وغيرها للأنشطة الثقافية والفنية والمسرحية والسينمائية في إطلاق برامجها و إعمالها عبر وسائل التواصل الافتراضي عن بعد مع جماهيرها، قصد الترفيه والتنشيط والثتقيف وخلق متنفس حتى يتغلب الإنسان الحبيس على عزلته في حجره الصحي وعلى عبئ وثقل الزمن ، لقد سبق للانسان أن عاش مثل هذه الحالات عبر التاريخ، وبحكم فطرته وغريزته في البقاء ومقاومته للموت،أستطاع أن يتغلب على هذه الجائحات والأوبئة، وحادثة فلورنسا مع ديكامرون لجيو فاني كمثال لا الحصر، فإذا كان الموت واحد .. فإننا نجد علاقة الكتابة بالموت كما يفسر ذلك ميشيل فوكو..الذي يرى تيمة الموت أكثر شيوعا ، وتدمر هذه العلاقة تراثا تمثله الملحمة الاغريقية، حيث كانت تقصد إلى دوام خلود البطل، وإذا كان راغبا في الموت بطلا،فليكن ذلك بالصورة التي تجعل حياته – التي تحيط بالموت، يضفي عليها القداسة – ماضية إلى الخلود: ” فالقصة إذن تستعيد ذلك الموت المقبول. ومن ناحية أخرى كانت دافعية القصص العربية كألف ليلة وليلة بالاضافة إلى تيمتها وذريعتها، كانت هي أيضا ترواغ الموت: شهرزاد تتكلم وتحكي قصصا يدركها الصباح الباكر وهي تسابق الموت، وهكذا تؤجل يوم الحساب الذي سيخرس لسانها.إن قصص شهرزاد جهد يتجدد كل ليلة لاقصاء الموت عن دائرة الحياة.

فإن شهرزاد استطاعت أن تؤجل موتها عن طريق الحكي، ودور المسرح اليوم هو أشبه بشهرازد أو، أكثر في هذه الظرفية الصعبة، كسند وعون لمحنة الانسان في تجاوز هذه الجائحة! إذا كانت بعض ضروب الفنون الأخرى، أستطاعت أن تتجاوب مع جماهيرها عن بعد، بجميع الوسائل المتاح لها، ومنها المسرح كذلك..إلا أن المسرح في حاجة إلى الالتحام مع الجمهور ،لأنه لا مسرح دون جمهور عن قرب. [إن مشاهدة عرض مسرحي عن بعد، هو أشبه بقبلة من وراء الزجاج]

إن الممثل إذا لم يجد لنفسه صدى يتمثل عنده في تصفيق الجماهير واعجابها وفي مشاركتها مشاركة تامة في كل ما يجد من عواطف وانفعالات. فإنه يعجز عن التعبير عن شخوصه الفنية تعبيرا مسرحيا * صحيحا ومن هنا نتبين أهمية الجمهور كعنصر من عناصر المسرح فمجرد وجوده يكمل الابداع الفني عند الممثل ويزوده دائما بالحرارة والاخلاص والحماس والتطور والجدة.” يقول ستانسلافسكي إن المتفرج والممثل على السواء شريكان فعالان في تمثيل المسرحية.” والجمهور لايكمل الممثل فحسب بل هو يكمل المؤلف أيضا، فالمؤلف لايصنع روايته وحده، ولكن يشاركه فيها الجمهور، فهو الذي يفهمها ويفرض صياغتها حسب مزاجه ومعتقداته وتبعا لقوة مخيلته ودرجة حساسيته. ونحن نقول إن الجمهور هو الذي يخلق الدراما.

نعم، يبقى الكاتب المسرحي حينما يشاهد تمثيل مسرحيته سوف يلاحظ كلامه يخترق أضواء المنصة من أفواه الممثلين إلى مسامع الجمهور، وهذا كفيل بأن يكشف له عما إذا كانت مسرحيته ذات جاذبية أو أنها تفتقر إلى تلك الجاذبية، ومن هنا يمكنه أن يزن

مدى ما في المسرحية من تأثير.

ولقد سبق وأخذت هذه التجارب بعض مواقع الانترنت في الغرب، فانطلقت تجاه الجمهور عبر الانترنت على مستوى النص وعلى مستوى العرض أيضا، وعلى مستوى المواقع المعرفية، والأكاديمية، ولكنها لم تنجح إلا على مستوى الأرشفة والتخزين

وتقديم المعلومة المسرحية كافة، للمهتم والباحث، والطالب، بتقنية عالية جدا ومتطورة، وقد تسمح لأي متلقي أن يحمل مايشاء بأسعار رمزية، وكما هو الأمر في الغرب، نجد كذلك هذه التجارب في دول عربية تساير هذا التطور سواء على مستوى مؤسسات أو هيئات، أو معاهد، وأندية، وجمعيات، وأفراد.. وذلك لمواكبة تطور عالم الرقمنة والإنترنت، في تسهيل البحث الأكاديمي، لطلاب المعرفة المسرحية، وتجميع وتخزين المعلومات، والنصوص المسرحية، وجمع البيانات عن العروض المسرحية، وتوثيق الانتاج المسرحي العربي بكل تياراته ومدارسه، كل هذا محمود في مواكبة عصر الانترنت، والاستفاد منه. لكن لا أظن هذا يضاهي مشاهدة العروض المسرحية، عن قرب ومباشرة، وبالعين المجردة، والالتحام مع الجماعة، لأن داخل الصالة، أو قاعة العرض، يتخلى كل فرد عن فرديته ليندمج مع مجموعة النظارة في أحاسيس وعواطف يقتضيها الموقف السرحي. فالدراما كما تهب الممثل شخصية جديدة غير شخصيته التي يعيش بها مع الناس، تهب الجمهور كذلك شخصية أخرى: ” فكل متفرج عندما يشاهد المسرحية الجديدة ينسلخ في الحقيقة من ذاته ليكون مع غيره من المتفرجين، “ذات” واحدة.

يبقى السؤال المؤرق اليوم حينما نجد ماكناه من قبل، أهو ما نحن يبقى السؤال المؤرق اليوم حينما نجد ماكناه من قبل، أهو ما نحن أياه الآن، أوما قد سنصيره في المستقبل؟)

محمد كويندي – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح