عزلة المسرح في زمن كورونا (42) ثلاثية.. المسرح، الخوف وكورونا! – صفاء البيلي -(مصر)

عزلة المسرح في زمن كورونا (42)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران 

ثلاثية.. المسرح، الخوف وكورونا!

صفاء البيلي -(مصر)

هل أصبح الناس حقا يشعرون بالخوف من كل ما حولهم حد التشبع؟ 

وهل تجسد هذا الخوف في صحوهم ومنامهم بفعل تشابه الأيام والتباعد الذي صاروا مكرهين عليه؟ هل وحدت كورونا الحالة المزاجية لهم و صار معظمهم بلا قابليه لفعل أي شيء له جدوى؟ في اعتقادي أن كورونا لم تفعل ذلك فحسب بل قلبت موازين الكثير من الأخلاق والقيم حتى إنها أفرزت ما يسمى اقتصاديا بظاهرة “تجار الازمات”  واجتماعيا بـ ” التفسخ الإنساني” أما مسرحيا.. فهو ما سنتحدث عنه بشيء من التفصيل.

فمنذ أن هبط الفيروس الغامض وحلّ ضيفا ثقيلا غير مرغوب فيه على كرتنا الأرضية، لم يجد الإنسان بدا من أن يتعامل معه وهو الحالة الطارئة كما نتمنى، فانتحت دول كثيرة  عبر منابر الثقافة والفن فيها المنحى الرقمي لبث مشروعاتها التي عجزت عن تنفيذها بشكل مباشر بسبب تعاظم هذا الوباء الذي صارت التجمعات هى العدو الأكبر له.

نعم؛ ولكن المسرح هو فن التقارب والتمازج والتلاحم والتفاعل.. عناصره لا تقبل التجزئة حين يراد خلق حالة فنية متكاملة مدهشة (نص /ممثل /فضاء/ جمهور) لكن بالتأكيد مر على فن المسرح فترات حكم عليه فيها بالمنع والإقصاء والإبعاد وحتى التحريم؟ ولكن ماذا كان سيحدث لو صدر أمر ما بإغلاق المسارح في العالم لمدة عام مثلا لأي سبب لا يقبل التفاوض غير ما أوردته؟ هل حينها سيتوقف محبو المسرح عن تعاطيه؟ أعتقد أن ذلك لن يحدث خصوصا مع تنامي الوسائط التكنولوجية الهائلة التي نعيشها الآن؟ 

وهنا تكثر المحاولات في خلق شكل للحالة المسرحية في زمن الكورونا.. هل تغيرت أساليب التلقي، فصارت الخشبة أون لاين،  وهل تغيرت تقنيات الكتابة وموضوعاتها.. فهرع المسرحيون لإنتاج نصوص تتعاطى هذه الأزمة الكونية وتناقش كيف أن فيروسا متناه في الصغر انطلق من مدينة صغيرة في الصين الكبيرة ليغير وجه الكرة الأرضية تماما؟

في الخوف يقول “أنطوان آرتو” خلال محاضرة طويلة له بعنوان” المسرح والطاعون” ألقاها على محبي المسرح وطلبته عام 1933 في  جامعة السوربون: “إن الإنسان يُظهر التطور الفني بعد أن يذوق سِيَاط الخوفِ، لتتفتق عنده آيات الإبداع، وليفسح المجال أمام ظهور الأعمال الفنية الرائعة” فهل يحدث أن نجد مسرحا يتحدى الآلام والأزمات متعديا حدود المعاش والواقعي إلى الافتراضي مؤكدا على ضرورة استخدام بدائل منفتحة على العالم في تحدي المعوقات حتى ولو كان الجمهور يختفي كثيرا عن حضور العروض الحية المباشرة.. فقد صار في المسرح أون لاين حياة.. لكثيرين اضطرتهم كورونا للتباعد الاجتماعي والانساني والعاطفي.

لقد تحولت جوانب مهمة من عالم المسرح الحقيقي إلى الرقمي والافتراضي من عروض وندوات ومحاضرات.. ربما لا يسمع المشاهد أنفاس الممثل المتهدجة في لحظات ثورته أو بوحه..  لكنه يستطيع أن يتأكد من إصرار المسرحيين على استثارة جماهيرهم وجذب انتباههم ولو كان ذلك عن طريق خشبة المسرح الافتراضية . فقليل متاح من المسرح خير من اللا مسرح.. لأن ساعتها ستكون تلك هى النهاية المفجعة!

لذا أقول لكم: مهما حدث؛ لا تخافوا ولا تحزنوا ستنتهي هذه الجائحة بشراستها وخوفها وسوداويتها وسيعود المسرح مثلما هو كائنا حيا  نبيلا يصدح بأصواته المنطلقة العالية ليملأ الفضاء بالغناء والحرية!

 

الكاتبة والباحثة المسرحي: صفاء البيلي – مصر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح