أخبار عاجلة

عزلة المسرح في زمن كورونا (40) المسرح المستقيم.. لا وجود لمسرح من دون المبدع الرابع – د.فاضل الجاف (العراق)

عزلة المسرح في زمن كورونا (40)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران 

المسرح المستقيم.. لا وجود لمسرح من دون المبدع الرابع

د.فاضل الجاف (العراق)

تيسرّت لي خلال هذه الفترة الطويلة من الحجر المنزلي مشاهدة عدد كبير من العروض المسرحيات العالمية، بما في ذلك عروض الأوبرا والباليه، عن طريق الإنترنيت، عروض سويدية وإنجليزية وروسية، وكانت متعتي كبيرة وتسليتي رائعة جدا وأنا محكوم بالكسل الإنفرادي، ومن الواضح أن متعتي لم ترق إلى مصاف المتعة التي كنت أحظى بها لدى مشاهدتي العروض المسرحية في الماضي، وأنا جالس في صالات العرض كمتلق فعَال لا ينسي لحظة واحدة كونه جالسا أمام ممثلين يؤدون أدوارهم على خشبة المسرح.

طوال مشاهدتي للعروض المسرحية المصوّرة، كانت تروادني أفكار حول المفهوم الذي ابتكره مييرهولد والمتمثل في “المسرح المستقيم”، كان يقول “مسرحنا هو مسرح مستقيم”، وهو مفهموم مخالف تماما لمفهوم “المسرح الطبيعي”، أي “مسرح المثلث” الذي ينفي وجود المتلقي نفيا تاما.

 يشبّه مييرهولد المسرح الطبيعي بالمثلث، يقف المخرج في الزاوية العليا للمثلث، وهو يصمم ويقرر وينظّم كل شيئ، بينما يقف الممثل والمؤلف في زاويتي القاعدة، إذن، لا وجود للمتلقي إلا خارج المثلث. إن عزلتي في ظل جائحة كورونا هذه ومشاهدتي العروض المسرحية من خلال وسائط غير مسرحية تذكرّني بذلك المثلث، الذي أكد عليه كل من (مينينغين) في ألمانيا، و(أنطوان) في فرنسا و(مسرح موسكو الفني) ونسبيا (ستانسلافسكي) في مطلع مسيرته الفنية.

منذ مطلع القرن المنصرم طرح مييرهولد مفهوم المسرح المستقيم الذي يبدأ من المبدع الأول، المؤلف/ الدراماتورغ، ثم يمرعبر المحطة الثانية/ المبدع الثاني، وهو المخرج، وسيكون المبدع الثالث/ الممثل، هو الفنان الخلّاق المرئي الذي يجسّد ويعكس أفكار المؤلف ورؤية المخرج بفنه وموهبته وإدراكه المعرفي وأدواته وتقنياته للمتلقي الذي يشكّل المبدع الرابع في الفرجة المسرحية، والذي يساهم في عملية الخلق والإبتكار بخياله وأحاسيسه وشعوره، ببعديه الإحساسي والعقلاني.

إنه حقا مسرح مستقيم، والذي نجد صداه لاحقا عند (بروك) الذي استلهم من (مييرهولد) مفهموم المسرح الآني، وهو المسرح الفرجوي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود المبدع الرابع.

وقد كان (مييرهولد) يناضل ضد السعي إلى الكمال الأقصى في المشهد المسرحي، أو خلق واقع متكامل على المسرح يضاهي الواقع كما هو في الحياة، واقع لا يقبل التلميح والمجاز. وقد كان يؤكد دائما على أهمية دور المتلقي في العرض كعنصر خلّاق، عنصر يجب أن نوفّرله فرصة تكوين نظرته الإبداعية الخاصة. فرصة الإحساس بأنه يشاهد عرضا مسرحيا، وأنه متفاعل معه. وقد كان في معظم الأحيان يحقق هدفه المنشود على أفضل وجه خلال دعوة الجمهور لحضور التدريبات المسرحية، وكان غالبا ما يقترب منهم ليتشاور معهم ويسألهم: هل يعجبكم هذا؟ هل تفهمون المشهد جيدأ؟

المسرح المستقيم، هو جوهر العملية الفرجوية في المسرح، فمن خلال وجود المتلقي/ المبدع الرابع تتحقق مفاهيم التمسرح والأسلبة والشرطية والرمزية.

يبدو أنني سأواصل مشاهدة العروض المسرحية بواسطة شتى السبل والوسائط التكنولوجية، ولن أتردد في قبول دعوات زملائي المسرحيين للمشاركة في الندوات والورشات والمناقشات المسرحية عبر الإنترنيت، لكن كل ذلك لن يحقق لي تلك المتعة الخلاقة الرفيعة، متعة المبدع الرابع، ما لم أشاهد عروضا حقيقية في صالات العرض…

أتمنى أن يتحقق ذلك قريبا.

د.فاضل الجاف – العراق

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح