أخبار عاجلة

عزلة المسرح في زمن كورونا (39) كان المسرح حاضرا في هذه الجائحة بكل همومه وقضاياه وإشكالاته – د.محمد النوالي

عزلة المسرح في زمن كورونا (39)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران 

 كان المسرح حاضرا في هذه الجائحة بكل همومه وقضاياه وإشكالاته

د.محمد نوالي (المغرب)

فعلا ” لا شيء يعوض الذهاب إلى المسرح”…

تبدو الحاجة ملحة الآن للتفكير الجدي من أجل رسم معالم مستقبل ثقافي وفني وفكري مع ما فرضته وتفرضه هذه الفترة العصيبة التي تشهدها الإنسانية جمعاء وقد تضررت فيها أغلب القطاعات الحيوية، ومنها ما يمت للمجالات الرياضية والفنية والثقافية التي تقتضي بالضرورة التجمع بسبب فرض العزل والحجر الصحي. وقد بات الغموض سيد الموقف مع عدم اليقين في معالم هذا المستقبل الذي أصبح مقلقا أكثر بسبب التناقضات في التوقعات التي تفصح عنها مختلف التقارير العلمية الطبية والاقتصادية والسياسية. وقد تحول فضاءنا إلى الحقيقي إلى عالم افتراضي أصبح التواصل فيه فاقدا للحضور الفعلي للقاء الملموس.

شكل ذلك استمرارا لنسق التطور التقني والرقمي وتحكمه في سلوكاتنا التواصلية إذ أصبح يدعم أكثر فأكثر الحياة الفردية حتى وهو يجمعها في أفضيته الرقمية.

أصبح الهاتف واللوحات الإلكترونية والحواسيب وسيطا لا غنى فيه. وأصبح في هذه الضرور وسيلة التواصل مع الحجر. وهو ما عزّز افتقاد ذلك النوع من التواصل الذي يتحقق في المجتمعات المبنية على صلات ملموسة بين الأفراد. وتمنح القرابة النموذج عنها بشكل عام. هذه التجربة الشمولية تعني الإدراك الملموس لذات بواسطة ذات أخرى. وهو ما أصبح يضفي على حياتنا “خاصية اللا أصالة” التي تعني ضياع تراث وتقليد أصيلين من الشفوي، ومن التواصل الحي الذي كان يُعاش في اللقاءات الحية وكما تذهب مونيك بوري فإن “كل الكتب المقدسة في مكتباتنا، كشواهد وأعلام على تاريخنا، سلبتنا شيئاً أساسياً هو: العلاقة المعاشة مع تقليد حي.”  

 وقد زاد الأمر مع التواصل الرقمي الذي أصبح وسيطا يحتل أعيننا وحواسنا ويشكل مضان ذائقتنا. إذ على الرغم من الحاجة إليه الملحة وكل ما يرتبط بها من فوائد ومثالب. فإنه بات يفقدنا ذلك الإحساس الحي مع الآخر. ودفء العلاقات وحيوية المعايشة. أصبح الوسيط التكنولوجي يترجم التباعد عن طريق الاتصال والتواصل المنفصل. وتسيد التمثيل والاحتفاء بالنسخة ـ بتعبير خالد أمين بديلاً عن الأصل.

.لقد أوجد الإنسان أفضية للقاء الحي في الملاعب الرياضية  وفي المهرجانات وفي المسارح ودور السينما  وفي المتاحف والسيرك وفي المنصات التي تعرض بها مختلف الأنشطة الفنية المعروضة بشكل جماهري من أجل إشاعة الروح المفتقدة في واقع التقنية المتطورة التي غدت محددا رئيسا للعلاقات الإنسانية وأشكال التواصل بينها.

هذه الأفضية باتت معرضة بخطر الإفلاس لا سيما في ظل هذه الجائحة العالمية.

فقد أغلقت الملاعب وألغيت المباريات وأصبح الحديث عن إقامتها بدون جمهور. والاكتفاء بنقلها على الهوائيات. وهو ما يفقده ملحها ولذتها التي تصبح لذة منقوصة حتما. ذلك أن قواعد الفرجة تقتضي التجمع الدي يخلق الصدى الذي يستشري كالطاعون بتعبير أرتو لكن من نوع الطاعون المطهر الذي هو الترياق لسموم العصر وسلبياته.

كما أن دور السينما نفسها وقد سبق أن تضررت لأنها أصبحت قطاعات غير مدرة اقتصاديا بسبب neflix; وغيرها من الشركات التجارية في نقل الأفلام والمسلسلات على صفحات الإنترينت.

أصبحت المشاهدة بديلا عن الفرجة. والمشاهدة هي ترسيخ لنوع من التواصل الفردي الذي لا يقوم على المعايشة الجماعية. لقد حاولت أنا إعادة مشاهدة فيلم  les 4 charlots : les fous du stade    لكنه كان باردا لم يثر في ذلك الإحساس بالمتعة كالتي حدثت معي وأنا أتفرج عليه في قاعة سينمائية هي قاعة باريز أشهر قاعة في مدينة وجدة بالمغرب وقد طالها الهدم وكأن جزءا من تاريخ مدينتي قد شطب عليه وتبخر إلى غير رجعة. وأقول تفرجت عليه والتفرج ليس كالمشاهدة. لأن التفرج فسحت تأتي هكذا بتوقعاتها الخاصة وروحها وظلالها في لحظة مستقطعة تزول بزوال الفرجة فلا يبقى إلا عبيرها وأريجها يومض في الروح والوجدان والعقل.

كنت أضحك من مشاهد الفيلم ومواقفه وأضحك من قهقهات أحدهم وإثارته لضحكات الآخرين وكأن عدوى ومس جماعي استشرى في أرجاء صالة العرض. ضحكت من ضحكي بين الجمهور ومن الضحك ذاته المصاحب لمتعة المشاهدة. أحسست حينها بالحقيقة الصادمة المتمثلة في أن لا متعة بدون اللقاء الحي لأن الفرجة تتحول إلى مشاهدة منقوصة وفاقدة لوجوده هي عبارة عن كليشيه لصورة أشعة إكس لفتاة بارعة الجمال.

 الضحك كما الفرجة يحتاجان إلى صدى الآخر وإلى وجود اللقاء.

حين أتصفح النشرات الفنية الخاصة بالمسرح على الإنترنيت أجد أن أغلب المسارح العالمية أغلقت وأرجأت مواسمها الفنية.

وكان لذلك تبعات حتما. في المغرب طالعت حوار مسعود بوحسيني رئيس النقابة المغربية لمحترفي الفنون الدرامية. وكان توصيفا لواقع المسرح والمشتغلين بالفنون الدرامية عموما في ظل تداعيات جائحة كورونا.

ـ إلغاء اليوم العالمي للمسرح. الذي يتجدد في 27 مارس من كل سنة.

إلغاء اليوم الوطني للمسرح الذي يصادف يوم 15 ماي من كل سنة. بسبب جائحة كورونا.

ـ إلغاء الأنشطة المسرحية 

وهو ما كان له تأثيره على المستوى الاجتماعي حيث أزم وضعية الكثير من العاملين في القطاع المسرحي. لأن النشاط المسرحي كان موردهم الرئيس. هذا مع عدم مبالات الوزارة الوصية لأوضاعهم المادية.

وهذا يطرح على الدولة هيكلة هذا القطاع الحيوي. ويطرح ضرورة التفكير الجدي للخروج من هذا المأزق.

هل يغني بث العروض المسرحية؟ على صفحات الأنترنيت؟

مع إيماني الشديد بأن لذة التفرج لا تعادلها لذة المشاهدة بأي حال من الأحوال. لأن وجود المسرح ارتبط بالفرجة تماما مثله في ذلك فنون العرض غير أن في مثل هذا الظروف يمكن على الأقل الرجوع إلى الكلاسيكيات الممثلة لربط الصلة بها حتى وإن كانت منقوصة المتعة. بالنظر إلى هيمنة النص فيها وأدبيته على الأداء. وهي متعة قاصرة مجرّدة من التواصل الحقيقي بعمقه ونفاذه. إذ وكما يذهب آرتو “فإن الركح هو مكان مادي وملموس يتطلب منا ملؤه، واستنطاق لغاته الملموسة التي تكمن في كل ما يتبدى ويعبر بشكل عيني على الركح” يكون ذلك بوجود ممثل ومتفرج.

الأول بقوة جسده الذي يفصح عن طاقة التواصل والثاني بقوة طاقاته الذهنية. وهذا اللقاء الحي في الفضاء هو منطلق الإبداع الأصيل الذي يتجاوز ما تعرقله العادة والإفراط بالتفكير. والمتفرج الذي يصبح ضحية هوس التأويل Le délire interprétatif والبحث عن المعنى يصرف عنه بلوغ المعايشة الحرة والأصيلة. والاستمتاع.

أثارتني صورة التقطت لجمهور أحد العروض في بداية الجائحة قبل الإغلاق التام. وهي تعبر عن حجم التمزق الذي أحدثه الجائحة في فضاء الفرجة المشبع.

هي صورة أبلغ من أي تعبير.

وأتفق تماما مع المفكر المسرحي الكبير خالد أمين في قوله: ” لا شيء يعوض الذهاب إلى المسرح.”

في زمن كورونا قد يكون العزاء في هذا التواصل الثقافي والفكري عن هموم المسرح.

لقد أُحدثت منصات لتقديم عروض ومحاضرات ونقاشات حول المسرح وقد ساهمت أنا بمداخلتين في منصتين مستحدثتين في زمن كرونا. الأولى عن البحث الجامعي المسرحي في المغرب ودوره، والثاني حول الممثل الأكاديمي والممثل المثقف إسهاما مني في مناقشات فكرية حول موضوعات مسرحية. كما أن العروض المسرحية التي تم إعادة وضعها في منصات مستحدثة كانت فرصة للربط الصلة بها حتى مع افتقادها لوهج اللقاء الحي. حدث هذا في أمكنة ومواقع متعددة كان التواصل الإلكتروني في زمن كرونا حلا قد يكون نوعا من الرقص على حد السيف بتعبير خالد أمين. هو احتفال جنائزي ربما كان ثمرة خطيئة كرونا التي رقصت رقصة سالومي في نشوة شبقية في احتفال شيطاني وهي تحمل رأس يحيا المعمدان. يذبح المسرح كما المعمدان حين يجرد من اللقاء الحي ليصبح مسحة باهتة في العوالم الافتراضية.

كان المسرح حاضرا في هذه الجائحة بكل همومه وقضاياه وإشكالاته. حاضرا بنسخه الإلكترونية. لكن الذي غاب هو أقوى وفي ذروة موسمه السنوي. هو اللقاء الحي بالمسرح وفعلا وكما قال الدكتور خالد أمين ” لا شيء يعوض الذهاب إلى المسرح.”

د.محمد نوالي – المغرب


عزلة المسرح في زمن كورونا ، فن التقارب و الحميمية لن يعوضه فن التباعد و الإفتراضية .
المسرح فرجة وليست كل الفرجات مسرحا
المسرح فن العرض و ليست كل فنون العرض مسرحا
المسرح فن الحاضر و الحضور و ليست كل فنون الحاضر و الحضور مسرحا
المسرح فن حي و ليست كل الفنون الحية مسرحا
المسرح فن الأداء و ليست كل فنون الأداء مسرحا
المسرح فن مباشر و ليست كل الفنون المباشرة مسرحا
المسرح فن وسيط وليست كل فنون الوسائط مسرحا
التمسرح جوهر و غاية و أصل و جذور الفن المسرحي و ليست كل مظاهر التمسرح الأخرى مسرحا
المسرح فن تجربة العرض الواحد و الوحيد ، نفس العرض اليوم ، لايشبه ذاته غدا .

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح