أخبار عاجلة

عزلة المسرح في زمن كورونا (36) كورونا لم يمنع مسرحيين من استمرار تفاعلهم المباشر مع المسرح – علي عليان

عزلة المسرح في زمن كورونا (36)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران

كورونا لم يمنع مسرحيين من استمرار تفاعلهم المباشر مع المسرح

علي عليان (الأردن)

عمان الجذابة…       

عمان مدينة حميمة وجاذبة للنفس البشرية ويألفها المرء عند زيارتها للمرة الاولى لعدة اسباب واهمها النخوة التي يتمتع بها مواطنها حين يرى ضيفا مهما كانت جنسيته وهو على استعداد لتقديم الخدمة لهذا الضيف على سبيل الشهامة والنخوة والمروءة وبدون أي بدل مادي، فقط من أجل ان يرسم صورة ايجابية عن بلده لذا أطلق على هذا الشخص ” النشمي”..

 وهذا بطبيعة الحال يرسم الملامح العامة للمهرجانات المسرحية التي تقام في الاردن من سنين طويلة ويعكس الرغبة لدى الفرق المسرحية والمسرحيين العرب من المشاركة في الاردن فان كان زار الاردن سابقا عبر مشاركة مسرحية ما فتتشكل لدى ذاكرته هذه الزيارة ويبقى الهاجس ليعود مرة أخرى اما وان كان لم يزرها سابقا فتتشكل لديه صورة خيالية ممن زاروها سابقا وعرفوا مدى الحميمية التي تتمتع بها عمان وعندما يأتي هذا الزائر المسرحي يبدأ يحدثك عن رغبته في زيارة أهل الكهف او البحر الميت وان استطاع فالبتراء…أما المقياس الاساس أن الجمهور المسرحي الاردني لا يجامل ولا يهادن في المسائل النسبية لجودة العروض المسرحية ويبدي رأيه بكل وضوح الى حد الصراحة الجريئة.

اذن نحن هنا نقطة جذب “مهرجاني مسرحي” لكننا في حقيقة الآمر نقطة طرد مركزي للعنصر المحلي نتيجة للتراكمات الجمعية الكثيرة واهمها قلة الانتاج وخفض الميزانيات وتسيد المشهد المسرحي لبعض المرتزقة المنتفعين ويقدمون الامر ويجملونه على انهم “المخلصون” وانهم اصحاب نظريات لتحديث الصورة البالية عن المسرح الاردني لكن النتيجة يستعرضون عضلاتهم بممثلين هواة او طلاب او متسلحون باكتشاف طاقات جديدة يكون هدفها الصعود الى سلم النجومية لا هم لهم ولا هاجس الفعل المسرحي .

           هذه الصورة في الاحوال العادية التي سبقت جائحة الكون الكورونية. الجائحة التي فرضت التباعد المسرحي المباشر فيما بيننا جميعا. ولكنها وضعت اسسا جديدة وجعلت هناك الوقت الكافي لاطلاعنا على تجارب بعضنا البعض عبر منصات الكترونية، وعرفت الكثير منا على الآخر وعن تجاربه ومدى نجاحها او اختلافنا معها… واوضحت الصورة الى حد كبير عن سمعة مخرج هنا او مخرج هناك كنا نسمع عن تجاربه المميزة والعكس ايضا صحيح، فهذا هو الشق الايجابي لجائحة كورونا والتي جعلتنا قادرين على تطوير ادواتنا، ولكن دون فعل مسرحي  حقيقي بل بقينا في الوهم الافتراضي !!!

         كنت قد تواصلت مع المخرج السويسري “اندريه بيجنت” والذي شاهدنا له تجارب مسرحية رفيعة المستوى وهو الآن تحت الحجر في بلده مثلنا جميعا. لكنه حجر نفسه وفريقه المسرحي داخل مسرح وانجز عملا مسرحيا جديدا!! قد يكون هذا متفردا ولديه مسرحه الخاص وفريقه المسرحي ولكني تواصلت ايضا مع المخرج الايطالي “فابيو Hومادو” والذي كان سيشارك في الدورة 15 لمهرجان المسرح الحر الدولي بتجربته المسرحية المفعمة بالحيوية وبفريق مسرحي ايطالي محترف “روميو وجولييت في القدس”، لكن فعل المهرجان تأجل الى اشعار آخر نتيجة لهذه الجائحة، فوجدت أن هذا المخرج ايضا قد حجر نفسه مع فريق مسرحي محترف وانجز عملا مسرحيا جديدا !! قد يقول قائل ان هناك اختلافا في الفارق الاجتماعي بين المجتمعات العربية والاوروبية وهذا صحيح نوعا ما ولكن المهم في الامر هو استمرار التفاعل المباشر مع المسرح .

      المسرح فعل حياة حقيقي، وما تم من اجراءات الكترونية عبر منصات انما هو في حقيقته لقتل الوقت وملئ الفراغ ليس الا، والى حد ما من أجل ابراز عنصر التعاطف الانساني مع كل العالم المحجور تم بث انتاجات مسرحية رغم وجودها المسبق على اليوتيوب. لكن الروح الانسانية المتقدة لدى الفنان المسرحي تجعله متضامنا مع الكون لكي يكون فاعلا في مجاله ومساهما في رسم صورته المسرحية ونشرها لكل الناس وهذا يعطي شعور حقيقي انه قد ساهم بما يمتلكه من ادوات وان كانت في حدها الالكتروني.

       لذا فان الحقيقة المثلى اننا في عزلة مسرحية في التعاطي المباشر مع المسرح اذ لا قراءات مسرحية ولا مناقشات ولا تمارين مسرحية ولا بروفات طاولة ولا حتى اجتماعات لمناقشات عبر ا”لاون لاين” الا فيما ندر، ولا عروض مسرحية مباشرة وهذا في حقيقته لا يجدي ولا ينفع ان لم يكن هناك لقاءات ونقاشات ساخنة وتمارين مسرحية نتصبب خلالها عرقا ونتشاجر حينا ويحرد بعضنا من الآخر ولكنه يعود في اليوم التالي أو نكنس ونمسح الخشبة لنشعر بقدسيتها وبمكانتها في قلوبنا كمسرحيين وهذا الامر لا يدركه الا المسرحي الحقيقي الذي يعي ما معنى أن تكنس الخشبة بيدك.

علي عليان

مسرحي من الاردن

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح