أخبار عاجلة

عزلة المسرح في زمن كورونا (32)كُورونا أعادنِي إلى ذاتي وعلّمنِي أَنّ ما لا تراه العين هو الأقوى – عدنان طرابشة

عزلة المسرح في زمن كورونا (32)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران

كُورونا أعادنِي إلى ذاتي وعلّمنِي أَنّ ما لا تراه العين هو الأقوى

عدنان طرابشة (فلسطين)

خَيْرٌ وَشَرٌّ…

سِتّة عُرُوض لِعَرْضِ “مُغنّاةِ سَفَر” أُلْغِيَتْ بِسَبَبِ كُورونا.. فيروسٌ لَا تَراهُ الْعَينُ الْمُجَرَّدَةُ خَسَّرَ مَسْرَحَنا (مَرايا) مَبْلَغًا يُعادلُ الْأَرْبَعَينَ أَلْفَ دُولار.

قالُوا لي في الْمَسْرَح: ” وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ”.  أَجَبْتُ وَإِشْعاراتُ الْفَصْلِ التِي وَقُعْتُها تَرْتَحِفُ بَيْنَ أَنامِلي: ” حَافِظُوا عَلَى أَرْواحِكُم، الْمَسْرَحُ بِحَاجَةٍ لَكًم”.

أَقْفَلَ الْمَسْرَحُ أَبْوابَهُ وَأَمَلُ الْعَوْدَةِ خِلالَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ تِلَاشى. وَباتَ السْكَايب والزُووم والفيس تايم وسائلَ تواصلنا.

ومتابعاتي بدأتْ لِما يبُثُّهُ الأصدقاءُ من ذكْرَياتٍ عَبْرَ الفيسبوك. لَكِنَّنِي لَمْ أسْتَسِغ بَثَّ الْمَسْرحيّات في الميديا الإلكترونيّة فهيَ على الغالب لَمْ تُصَوَّرْ لهذا الغرض بلْ من أجل التَوثيق. وَبدأتُ بالتَفكيرِ بإنتاج مَسْرَحيَّةٍ عَبرَ الزّوم أو حكاياتٍ تَعْتِمِدُ أُسْلُوبَ كَراكوز وَعِيواظ. بَدأتُ بِنَبْشِ الْماضي، وَلَكِنْ فَهْمِي وَإدْراكي لِلْمَسْرَحِ كانا يُعيداني إِلى التواصُلِ الْحسِّيِّ والتفاعُلِ الآنيِّ النّاتِجِ على الرُّكَح.

فكيفَ لِلْمَسْرَحِ أنْ يَكُونَ بِدٌونِ التَغذيَةِ الٌمَرْدودةِ مِنَ الجُمْهُور؟! عَدَلْتُ عَنْ فِكْرَتِي وَعُدْتُ لِنَبْشِ الْماضِي بالرَّغْمِ مِنْ تَحْذيرِ أحَدِ الْأَصْدِقاءِ بِقَوْلِه: “النّبْشُ في الْماضي كنَبْشِ الْقُبُور، لَنْ تَجِدَ غَيْرَ الْعِظام”. وَلَكِنّي تَذَكّرْتُ قَوْلَ والدِي لِأساتِذَتِي في الْمَدْرَسَةِ الابتِدائِيَّة: ” لَكُمُ اللحْمَ وَلِيَ الْعَظْم”. يَوْمَها فَهِمْتُ أنَّ اللحْمَ مَظْهر والْعَظْمَ جَوْهَر. وَما لا تَراهُ الٌعَينُ هُوَ الْأَهَمُّ، فَبَدأتُ بِكِتابَةِ كِتابٍ عنِ الْمَسْرَحِ الْفلسطيني مِن خِلالِ تَجْرِبَتِي الْمَسْرَحيَّةِ بِتَوجيهٍ من أسْتاذ المَسْرَح في جامعة ستانفورد كاليفورنيا الدكتور سامر الصَّابر. وَأَنْهَيْتُ مُسَوّدَةَ الْكِتاب. كَما أنْهَيتُ كِتابَةَ مَسْرَحيَّةٍ غِنائِيَّةٍ “بِساطُ الثِّوُرَة” وَبَدَأنا بالعَمَلِ على كِتابَةِ ألحانِها مع الْمُوسيقي “بشارَة خل”.

لكُورونا “فضل عَظِيم” لَقَدْ أعادَنِي إلَى ذاتي وَعَلَّمَنِي أَنَّ ما لا تَراهُ الْعَيْنُ هُوَ الْأقٌوَى. وإِنْ أرَدْنا مَسْرَحًا قَوِيًّا لِنَنْطَلِقَ مِنَ الْكَلِمَة. فَفي البِدْء كانَتِ الْكَلِمَة وبَعْدَها أتَتِ الرّؤْيَة التِي شَوٍَشَتِ الْإدراك.

في مسرحيّةِ “بِساطِ الثّورة” سَنَفْحَصُ مَعْنى أَنْ تَكُونَ فاقِدَ الرُّؤيَةِ في الْمَسْرَح لِنَتَبَيَّنَ إِنْ كانَتْ “نَظَرِيَّةَ لكورونا” صَحيحَة.

“وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ” صدق الله العظيم.

عدنان طرابشة – مسرح مرايا – فلسطين

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح