أخبار عاجلة

عزلة المسرح في زمن كورونا (31) لم يعد ممكنا الاطمئنان لبعض توصيفاتنا السابقة محمد بهجاجي

عزلة المسرح في زمن كورونا (31)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران

لم يعد ممكنا الاطمئنان لبعض توصيفاتنا السابقة
محمد بهجاجي (المغرب)

كنا نؤكد دائما بأن “ما يهدد المسرح هو المسرح ذاته”، نقصد طبيعته العابرة حيث لا يتاح لنا السباحة في ماء العرض سوى مرة واحدة.

اليوم علينا أن نتمرن على القول بأن المسرح هو أيضا فن هش بشكل مضاعف، إذ يكفي أن يعلن حكام مرضى بالذات الحربَ على العالم، أو على شعوبهم على الأقل حتى تغلق المسارح، ويعطل الفنانون. وكذلك الأمر المر حين يضطر المتضررون من السياسات الحكومية إلى خوض الإضرابات احتجاجا على جشع الرأسمال،  أو حين يكتب علينا القدر بلاء الجوائح كما هو حالنا اليوم.

ما العمل إذن؟

في دجنبر الماضي (2019) لم أتمكن من مشاهدة مسرحية بريشت “حياة غاليلي” على خشبة “لاكوميدي فرانسيز” بباريس بسبب تواصل الإضراب احتجاجا على قانون التقاعد الذي أعلنت عنه الحكومة الفرنسية، مع أنني كنت قد حجزت التذكرة في وقت مبكر. واليوم تضطرنا جائحة “كوفيد 19″، أحد الاختبارات الجوهرية التي يجتازها المسرح اليوم، إلى إغلاق باب الفرجات منذ الشهر الثالث من العام. أمام ذلك بادرت بعض الهيئات والدور والمديريات الوطنية والعربية والدولية إلى إطلاق مبادرات إلكترونية من أجل فك العزلة على المسرح، وهي مبادرات تستحق التثمين لأنها اختارت مقاومة حالات العزل الثقافي والمسرحي بشكل خاص، والإسهام في إثراء النقاش حول قضايانا الراهنة. الوضع ذاته دفع أشخاصا إلى اللجوء إلى الأنترنيت للتفرج على المسرح عبر الشاشات التي يسميها أحد خبراء التواصل التكنولوجي “الوسائط الباردة” لأنها تفقد المسرح جوهره الحي.

يهمني التنبيه هنا إلى أن حالات الطوارىء (الحروب أو الإضرابات أو الجوائح…) ستفتح أعيننا عل  مزيد الحاجة إلى وساطة التكنولوجيات الجديدة لإطالة عمر المسرح. ومن ثم إلى إعادة النظر في فكرة “الوساطة الباردة”.

لقد حظيت خلال فترة الحجر الصحي بسيرة تفرج مثيرة استمتعت خلالها بمسرحيات من الذخيرة المغربية والعربية والعالمية كان فيها المسرح يمر إليَّ عبر شاشة البيت كوسيط دافىء لطيف بالنظر إلى السياق  الراهن الموحش.

بالمصادفة فقط، أو ربما بتأثير من مناخ الكورونا، وجدتني خلال الشهر الأول من تاريخ الحجر أمام مسرحيات تعرض في الغالب داخل غرف قاتمة مغلقة، وضمن الفضاء العبثي والوجودي الذي طبع أفكار ما بعد الحرب الثانية، أقصد بعض أعمال صامويل بيكيت وأوجين يونيسكو وألبير كامو وجون بول ساتر وأرتور آداموف…

في ما بعد أدركت أن حجري صار مضاعفا، ولذلك سرعان ما انتفضت لأعود إلى مسرحيات بأبواب مفتوحة، إلى ماريفو وموليير وبريشت وسعد الله ونوس والطيب الصديقي… وكذلك إلى المسرحيات التي تنقلها القنوات التلفزيونية الفرنسية التي أهدتني “الآنسة جولي”، أو إلى المعابر التي تنصبها هيئات حكومية أو مدنية أو شركات تلفزية مثل المؤسسة اللبنانية للإرسال التي لا تزال تمتعني بمسرح الرحابنة القدماء والامتداد (ملوك الطوائف وجبران والنبي مثلا)، أو الهيئة العربية للمسرح التي تنقل سنويا عروض مهرجان المسرح العربي، وضمنها الأعمال المغربية الجميلة مثل “كل شيء عن أبي” و”سماء أخرى” و”النمس” و”خريف”…

ربما، علينا على سبيل الإجمال، أن نتمرن على قبول واقع جديد: الحاجة بالفعل إلى تدخل الوساطات التكنولوجية الجديدة لإنقاذ الفرجات الحية على المسارح حتى لا تظل  مشاهداتنا المسرحية معلقة وموقوفة التنفيذ مع سبق الإصرار دائما، والحاجة كذلك إلى أن نتكيف مع التقنيات الجديدة، ونعي بأن المشكل ليس في اعتماد هذه الوساطات التي ستصير حتما أحد الاختيارات المفروضة علينا لاحقا، ولكن المشكل الذي ينبغي التغلب عليه هو ألا نقرب نقل المسرح على الشاشات إلا إذا كنا على خبرة بتقنيات متطورة تضمن النقل الجيد للعروض.

في حالات الطوارىء التي نعيش مثلها اليوم يكون المسرح “المنقول” أحد الحلول الممكنة كلما تعذرت إمكانيات التواصل الطبيعي، ويصبح من شأن هذا الحل السماح لنا بأن نواصل الاستمتاع بالمسرح، وفي نفس الوقت نحفظه موثقا كذاكرة للمستقبل. ومن ثم سيكون على صناع الفرجات اليوم استحضار هذا البعد، والاشتغال عليه لنهزم لاحقا فكرة الطابع العابر للمسرح. آنذاك لن نخسر شيئا، وإلا سنكون في حالة النكران كمن لا يزال يفكر في التواصل مع أهله بطابع بريدي، وبرسالة لا تطمع أكثر من النظر في الوجه العزيز.

محمد بهجاجي – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح