أخبار عاجلة

عزلة المسرح في زمن كورونا (29) المسرح صنو المجتمع ولا مسرح بدون مجتمع – فائق حميصي

عزلة المسرح في زمن كورونا (29)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران

المسرح صنو المجتمع ولا مسرح بدون مجتمع

فائق حميصي (لبنان)

ليست هذه المرة الأولى التي يطرح فيها هذا السؤال حول مصير المسرح إزاء خطر يهدده من خلال شل حركة المجتمع بشكل عام. وقد تلخصت مجمل هذه المخاطر في نوعين:

1/ المضاربة الفنية في التواصل مع المجتمع والجمهور، وتتمثل في ظهور السينما ثم التلفزيون، اللذين شكلا تحديا حقيقيا للمسرح، إذ أنهما فنّان يستخدمان نفس عناصر الفرجة والعرض مضافاً إليها فن التكنولوجيا المبهر.

 2/ الحروب العالمية والمحلية والتي، بطبيعة الحال، أجبرت الناس على الاختباء.

لكن لا فنون العروض المستحدثة ولا الحروب أدت الى انكفاء المسرح أو تغيير طبيعته، لسبب بسيط وهو أن ناموس المسرح يرتكز على هذه العلاقة الحسية والمحسوسة بين عنصري عملية العرض، وعلى حاجة الناس للتلاقي والتشارك في عيش انفعالات ومناقشات مشتركة أمام مسألة واحدة يطرحها عليهم العمل المعروض بواسطة ناس مثلهم، يتحركون ويتنفسون ويعرقون أمامهم.

فهل واقعنا اليوم ونحن أمام جائحة فايروس كورونا هو الذي سيبدل في طبيعة المسرح وناموسه؟ لو كانت المسألة تتم ببساطة لكان حصل هذا الأمر سابقا، لكن العكس هو الذي شاهدناه، وذلك لأن المسرح هو ملتقى الفنون والعلوم والمعارف. فكان سهلا عليه استيعاب الفنون الحديثة وإبراز تمايزه عنها، كما كان متنفسا للشعوب التي عانت من الحروب، ومكانا تجتمع فيه الجماهير في بحث عن الخلاص. أعتقد أن على المسرح أن يبقى مسرحا طالما بقي المجتمع مجتمعاً.

المسرح صنو المجتمع ولا مسرح بدون مجتمع كما أنه لا مجتمع بدون مسرح.. لا مسرح بدون هذا الصمت المهيب الذي يسود في قاعته قبل دخول الجمهور.. لا مسرح بدون سماع صوت خطوات الجمهور تدب بخجل ووقار عند دخول قاعته.. لا مسرح بدون سماع همهمات الجمهور وضحكاته وهو ينتظر بداية العرض.. لا مسرح بدون صوت خفقان قلوب الممثلين عند سماع شارة بداية العرض.. لا مسرح بدون سماع كتمان همهمات ضحكات الجمهور عند بدء فتح الستارة.. لا مسرح بدون هذه النظرات التي تحيط بالممثل عند مروره للخشبة فتبث فيه طاقة مختلفة.. لا مسرح بدون سماع خطوات الممثلين وسماع أنفاسهم تخرج مع حواراتهم.. لا مسرح بدون عيش الجمهور هذه اللحظة السحرية التي يتحرر فيها الممثل من انفعالات كانت تحتشد داخله.. لا مسرح بدون سماع شهقات الجمهور وتصفيقه.. لا مسرح بدون إيحاء ورد إيحاء حسيّان ومحسوسا…

على المسرح أن يبقى مسرحا كما كان منذ أن عاد قابيل عند آدم وروى له كيف قتل أخاه هابيل.

فائق حميصي – لبنان

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح