عزلة المسرح في زمن كورونا (26) انتقم المسرح من المسرحيين بكورونا..! وما على المسرحيين إلا أن يتوهجوا من جديد – عبيدو باشا

عزلة المسرح في زمن كورونا (26)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران

انتقم المسرح من المسرحيين بكورونا..! وما على المسرحيين إلا أن يتوهجوا من جديد
عبيدو باشا (لبنان)

المسرح يبدع عقله الآخر على الدوام. يبدع عقلاً، لأن يدرك أن قلبه الأرض. أرض توصل أصواتها عبر الريح. لا تنحو الأصوات إلى البساطة الفجة، لأن الأرض تمتلك من البساطة ما تأمل من خلاله أن تحوز الجوهر. الجوهر في تعدد الأصوات. تكره الأرض الصوت الواحد. ولأن المسرح ابن الأرض، يكره الابن ما تكرهه الأم: الصوت الواحد، التكرار، العادة.

تؤدي دورات الحياة إلى الوقوع في العادة. أخطر دورات الحياة العادة. عقبة في وجه التطور، عقبة في وجه التطور، التطور الداخلي والتطور الخارجي. انبسطت العادة على العلاقة بالمسرح، بحيث أضحت ما ينظم العلاقة بين المسرحي والمسرح بحيث أضحت تسيطر على ظواهر المسرح، كل الظواهر في المسرح. لم تعد العلاقة بالمسرح حقل كروم، بعد أن أضحى غناء المسرحيين بكاء وهم يحفرون في التربة الواحدة للمسرح، بطريقة واحدة. لأنهم وضعوا، من خلال العادة، علاقتهم بالمسرح في مأمن من المفاجآت والشرارات المؤقتة وغير المؤقتة.

العادة دورة عنف صامتة، دورة عنف مكبوتة. لم يستطع المسرح أن يتقدم إلى الأمام، أن يخطو الخطوة الثالثة في علاقته بالمسرحيين، لأنهم أوقفوه عند الخطوة الأولى: علاقة بالمسرح، بدون احتفال بالمسرح، حيث لم يعودوا يستمتعون بالعمل في المسرح، بعد أن تحول العمل بالمسرح إلى عادة. ما أفقده أجنحته، أمله. ما دفعه إلى الخوف والوقوع في هاوية الخوف. لأن العادة تفقد علاقة الشيء بالشيء حرارته، قواه، جدواه.

حين أدرك المسرح أن علاقة المسرحي بالمسرح علاقة بحكم العادة، لا علاقة التحام. حين أدرك أن العلاقة علاقة بلا عاطفة، بلا مأثرة، بلا مآثر، حين أدرك الأمر وأكده لنفسه، تحين الفرصة لكسر ما أضحى سلاسل بدلاً حياة في حلقات وقوى لا تحصى في هذه الحياة. تحين فرصة كسر العلاقة القديمة، حين جاء الفيروس من سره العنيف، سره العميق. جاء من جسد ضئيل يسبح في بحر من الكلمات المتقاطعة الواحد. اذاك، وجد المسرح في أقصى حالات الفرح، بعد أن وجد المسرحيين في أقصى حالات اليأس وهم لا يستطيعون أن يدخلوا المسرح من جديد بحكم العادة.

أطلق المسرح صيحته المتوحشة في وجه المسرحيين وهو يذكرهم بأن علاقة المسرحي بالمسرح فضيلة، لا علاقة بحكم العادة. صوت حقيقي لا أكل النصر الجاهز. نصر المسرحي على المسرح بالدخول إلى المسرح لا من خلال مبهجات العلاقة بالمسرح من خلال عادة العلاقة بالمسرح. نغص المسرح على المسرحيين مبهجاتهم، بعد أن رمى نفسه بالإيقاع الكوني الجديد بعيداً من المسرحي. لم يعد بمقدور المسرحي أن يجد في المسرح ملجأه بعد أن أضحى البيت ملجأه. فجأة وجد المسرحي المسرح بعيداً من إطلاق نداءات التجنيد. بعد أن وجد أن من المسرح يمتلك حياته الدخلية بعيداً من المسرحي، يمتلك صيحته الداخلية. صاح بالمسرحيين أن يتذكروا بأن الدخول إلى المسرح يستوجب الكفاح لا عادة لا تراجع سيئاً وهي تعيد تشكيل ذاتها على الكسل والضرورة ومطابقة الأقدار على الأقدار.

بات القرار مرتبطاً بالمسرح لا بالمسرحيين. لا نجدة للمسرحي إلا بالإنتصار على العادة بالطريق إلى السعادة. يستطيع المسرح أن يحول النور إلى ظلام. هذا ما تردده الجدران. جدران وحيدة بعد أن يغادر المسرحي المسرح بدون سؤال.

للمسرح حياة كما للمسرحي حياة. وكما أن المسرح ينتصر على الإرهاق والموت من أجل المسرحي، على المسرحي أن ينتصر على الإرهاق والموت من أجل المسرح. لأن المسرح جسد، روح ، لا حيز فقط. المسرح على الطريق المقدس على الدوام، على المسرح أن يجد طريقه المقدسة إلى المسرح من جديد. أن لا يعتبر الصالة والأدوات والمقاعد وكل العمليات المسرحية الأخرى من باب تحصيل الحاصل.

شقاء بدل السعادة حين أغلق المسرح أبوابه، بدون أن يتبع المسرحي بكل ثقة. وجد المسرح يرمح كحصان أسود أمام المسرحيين، بدون أن يقدروا على إمتطائه. أطاح الفيروس ما اشتغل المسرحي عليه: العلاقة بين المسرحي والجمهور. لامسرحي بلا مسرح، لا جمهور بلا مسرح. لا علاقة بين الإثنين ، بدون مسرح.

المسرح نفس كبير متمرد على عادة المسرحيين وعلى تعاملهم مع المسرح بحكم العادة. بشجاعة وبدون توتر، ينتظر المسرح (بالمصوغ المجسد والمجرد) أن يراه المسرحيون كشعلة عليهم أن يحموها من الإنطفاء لا ملجأ بدون أهل وبدون حياة. انتقم المسرح من المسرحيين بكورونا. ما على المسرحي إلا أن يتوهج من جديد في علاقته بالمسرح، حتى يعود المسرحي إلى المسرح والمسرح إلى المسرحي.

عبيدو باشا – لبنان

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح