أخبار عاجلة

عزلة المسرح في زمن كورونا (2) لا شيئ يمكنه أن يعوض الذهاب إلى المسرح.. – د.خالد أمين

عزلة المسرح في زمن كورونا (2) 

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران

 لا شيئ يمكنه أن يعوض الذهاب إلى المسرح..

د.خالد أمين (المغرب) 

بسبب جائحة كورونا وما فرضته من إجراءات ‘الحجر والتباعد الاجتماعي’، اضطرت جميع المسارح تقريبًا إلى إبقاء ستائرها مغلقة مؤقتًا إلى حين زوال الوباء: عدو المسرح (ملاذ التلاقي والتجمهر). ففي بلدان كإنجلترا مثلا، التي يعد فيها المسرح وباقي الفنون المشهدية من الصناعات الثقافية المدرة للدخل، يعاني القطاع من أزمة غير مسبوقة. ففي بداية الجائحة تقلصت الاحتياطات النقدية المحدودة من ضربة الإغلاق المفاجئ.. لكن اليوم الحالة تزداد تفاقما بعد قرابة الثلاثة أشهر… حتى بعد الرفع التدريجي للحجر الصحي -مع برمجة عرض واحد في اليوم ومقاعد متباعدة ومخفضة بنسبة ثمانين في المائة – لا يمكن للمسارح أن تتنفس… هذا ما أثاره السينمائي الإنجليزي سام ميندز (صاحب فيلم “سكايفول” و”جمال أمريكا” في مقالة رفيعة تحت عنوان “كيف يمكننا إنقاد مسارحنا” بالفاينونشيال تايمس 6/5/2020).

وخلص ميندز إلى أنه “في الوقت الذي تعاني فيه نسبة كبيرة من العاملين خلال هذه الأشهر الثلاثة الماضية، هناك أيضًا هؤلاء الذين ازدادت ثرواتهم جراء جائحة كورونا. سيكون من السخرية الشديدة أن تستفيد شركات خدمات البث – نيتفليكس وأمازون برايم وآخرون – بالملايين بفضل أعمالنا وإنتاجاتنا وكتاباتنا، في حين أن الثقافة الفنية التي تغذي تلك المواهب في انهيار مميت. هل هناك أي شخص من بين هؤلاء مستعد لاستخدام جزء بسيط من مكاسبهم من جائحة كوفيد 19 لمساعدة أولئك الذين أصيبوا بجروح قاتلة؟ إذا كان الأمر كذلك، آمل أنه يقرأ هذا، وأنه قادر على التفكير في المشهد الفني على أنه أكثر من مجرد “مقدم محتوى”، ذلك أن هذا المشهد هو نظام بيئي يدعمنا جميعًا.” وهذا النظام البيئي المهدد بالانقراض في حاجة ماسة للإرادات الحية اليوم قبل أي وقت مضى.

دفع هذا الإغلاق المؤقت للمسارح العديد من البنيات المسرحية والفنانين لابتكار بدائل على الشبكة العنكبوتية؛ لأجل ممارسة شغفهم الأبدي في هروب فني ماتع –أحيانا- واستثنائي في ظل ظروف الحجر. فتعددت منصات ‘المسرح الرقمي’ وأصبحت ‘فرجات البيت’ في تدفق مستمر على الشبكة في بث مباشر أحيانا.. إنها حالة استثناء مستحبة ومرغوب فيها، لكن لا ينبغي لها أن تصبح قاعدة في مرحلة ‘ما بعد كورونا’. فالحاجة إلى الذهاب للمسرح في وطننا العربي باتت ضرورة ملحة الآن أكثر من أي وقت مضى – كما أكد ذلك صديقي المسرحي والباحث محمد الجراح في تدوينة مدوية بحصافتها ورصانتها وحكمتها حول الموضوع ذاته… ولعل أهم درس يمكن أن نستخلصه من زمن كورونا هو آفاق المصالحة مع إنسانية الإنسان، والمسرح أحد أهم الفضاءات الإبداعية المضادة التي تسعى لتحقيق هذا المبتغى بوصفه يوطوبيا محدودة في الزمن و”محصورة في الموضع” (فوكو”الجسد الطوباوي، أماكن أخرى”)…

إن تفشي ظاهرة مشاهدة المسرحيات عبر الحوامل المتاحة اليوم، وذلك قبل أزمة كورونا بكثير، لا تساهم فقط في إفراغ المسارح العربية من جمهورها لاقتسام لحظة اللقاء المسرحي، بل أيضا في تشييء الفرجة المسرحية. للأسف، هناك من يكرس هذا السلوك بنشر العروض المسرحية على الشبكة في اعتقاد خاطئ أنها تخدم الحركة المسرحية من خلال دمقرطة فعل المشاهدة…. ولكن، هل بالفعل نشاهد عرضا مسرحيا حينها؟ هل نشارك في صناعة الحدث المسرحي بينما نحن إزاء مشاهدة نسخة من العرض على الحاسوب؟

تكمن قوة المسرح في الأثر، رغم كونه أكثر الفنون وجودية: “بدون شك”، كما قالت سارة كاين ذات مرة، “ذلك ما يدفعني لارتياد هذا المكان الساحر آملة أن أحدهم في مكان ما من غرفة مظلمة سيريني صورة تحترق في ذهني مخلفة أثرا أكثر دواما من اللحظة ذاتها.” أكيد أن العرض المسرحي آني، وزائل، وزئبقي، وهو بذلك غير قابل للحفظ أو التوثيق كما هو؛ وحينما يحفظ، نكون إزاء شذرات فقط من توهجه – وهي شذرات موجهة بواسطة من يتحكم في الكاميرا والمونطاج….

تكمن حياة الفرجة المسرحية فقط في الحاضر. لا يمكن حفظها أو توثيقها أو تسجيلها، أو بالأحرى المساهمة في انتشارها من حيث هي تمثيل للتمثيل: وحينما تحفظ (من خلال وسيط ما أو أحد الحوامل المتاحة الآن أو مستقبلا) فإنها تتحول إلى شيء آخر ليس بفرجة مسرحية (وهذا تحديدا ما يميزها عن الفيلم على أكثر من مستوى)…

إن الشرط الوجودي للفرجة المسرحية يكمن في كونها لا تتحقق الا جراء انبعاثها داخل فضاء زمكاني مخصوص واختفائها في ذاكرة مؤديها ومتلقيها بعد ذلك. وكونها آنية، فذلك لأنها تنبعث؛ خلال لقاء المؤدين والجمهور وتفاعلهما في المكان والزمان. كما تعد الفرجة المسرحية زائلة؛ لأنها تختفي وتزول فور حدوثها من حيث هي حدث استثنائي بيني. لكن أيضا هناك من يرى أن ‘الحيوية’ في المسرح تشير إلى الأجسام الحية المتجمعة في الفضاء، بدلاً من الوقت الفعلي، وتبقى جانبًا مركزيًا من المسرح (وهذا نقاش يطول)…

ومع ذلك، فالفرجة المسرحية تتوق نحو التوثيق والأرشفة متحدية فعل الاختفاء والنسيان. لذلك تعددت منصات المسرح الرقمي التي تتعامل مع المسارح الكبرى بهدف توثيق العروض الحية على الشاشة وإتاحتها للباحثين والجمهور البعيد… فحينما نزور مسرح الشمس بباريس أو مسارح كبرى أخرى في برلين أو لندن نجد دائما ركنا للمقتنيات يضم أيضا اقراصا مدمجة لمسرحيات مسجلة من ربرتوار الفرقة.

فمنذ تسعينات القرن الماضي، والمسرح يجرب الواقع الافتراضي، ويدعو الجمهور إلى لعب دور نشط في العروض التفاعلية والفرجات الخاصة بالموقع.. لكن، لا شيئ يمكنه أن يعوض الذهاب إلى المسرح.. فلنعمل على ترسيخ الحاجة إلى المسرح في مجتمعاتنا العربية.

د.خالد أمين – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة