عزلة المسرح في زمن كورونا (19) اللحظة التاريخية التي نعيشها فرصة لطرح الأسئلة المحرقة حول أهمية المسرح – يوسف العرقوبي

عزلة المسرح في زمن كورونا (19)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران

اللحظة التاريخية التي نعيشها فرصة لطرح الأسئلة المحرقة حول أهمية المسرح

يوسف العرقوبي

على أثر تفشي فيروس كورونا واعتباره جائحة دولية، وفي سياق محاولات الدول للحد من انتشاره، عمدت إلى فرض عدد من الإجراءات الاحترازية.. كان من أهمها إغلاق المسارح والمراكز الثقافية وتعليق الأنشطة الفنية فيها. وليس خاف على أحد ما يشكله هذا الإجراء من تعطيل لعجلة الاقتصاد بشكل عام والثقافي بشكل خاص.

ومعلوم أن كل مجالات الفنون الدرامية يمكن تلقيها عبر وسيط، إلا المسرح فاللقاء المباشر يعد شرطا لوجوده وتحققه. لذلك عُد من أهم المجالات الفنية التي تأثرت بحالة الطوارئ الصحية وبمجموع الإجراءات الاحترازية المصاحبة له خاصة الحجر الصحي.

لهذا فإذا كانت باقي الفنون الدرامية الأخرى لم تجد “مشكلا” في استمرار عرضها على شاشات التليفزيون أو من خلال مواقع إلكترونية خاصة أو عامة. فقد وجد المسرح نفسه مجبرا على التكيف مع هذه الظروف حتى لا يستثني نفسه من دائرة اهتمام المتلقي المغربي المولع بمشاهدة العروض المسرحية خاصة ونحن في أوج الموسم المسرحي.

لذلك ارتأت العديد من الفضاءات والمراكز الثقافية والفرق المسرحية إعادة بث العروض المسرحية سواء تلك التي أنتجتها بنفسها أو احتضنتها فضاءاتها الثقافية.

ورغم وعينا أن تلقي الفرجة المسرحية من خلال الشاشة يختلف كثيرا عن تلقيها مباشرة إذ تفتقد تلك الحميمية التي تجعلها متفردة عن غيرها من الفنون الدرامية، لكننا نعيش حالة الطوارئ وهي حالة استثنائية وجب فيها على المسرح أن يعيش استثناءه وأن يستجيب للمصلحة العليا للوطن وأن يتنازل مؤقتا عن تلك الحميمية حتى لا يبقى مغيبا خلال هذه الجائحة.

ويبدو أن التجربة قد خلقت صدى جيدا وسط المتابعين سواء أولئك المولعين بمشاهدة العروض المسرحية أو البعض ممن فرض عليهم الحجر الصحي اكتشاف ما يعرض في هذا الموقع أو ذاك، حتى أننا خلال هذه الفترة اكتسبنا جمهورا جديدا لم يكن يسمح له وقته بمتابعة الأنشطة المسرحية والتعرف على المستوى الذي بلغه المسرح المغربي.

ويبدو أن الجائحة سيكون لها بعض الأثر الإيجابي على المسرح، فغالبا مع استئناف الأنشطة الفنية ستظهر فئة جديدة من الجمهور التي اكتشفت المسرح من جديد، كما أن نجاح التجربة قياسا بالإمكانيات التقنية البسيطة سيدفعنا لا محالة إلى التفكير في استثمارها فيما بعد كورونا، وعدم الاكتفاء بتقديم الأنشطة المسرحية فقط في قاعات العرض فربما سننحو نحو تبني فكرة النقل المباشر حتى يتمكن الجمهور العريض من نسج علاقات جديدة مع المسرح في غياب تربية فنية مسرحية في المدارس قادرة على خلق جمهور فاعل في الحقل المسرحي.

عموما، اللحظة التاريخية التي تعيشها الإنسانية جمعاء هي فرصة لإعادة تقييم تجربتنا وطرح الأسئلة المحرقة حول أهمية المسرح في حياتنا ومدى قدرته على الصمود والمقاومة خلال فترة الجائحة، وحتى في غيرها من الكوارث التي قد تصادفنا مستقبلا وتفرض علينا لزوم منازلنا، وتعليق ممارسة حياتنا الاعتيادية.

يوسف العرقوبي / سينوغراف مخرج مسرحي

مدير المركب الثقافي الحاجب – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح