عزلة المسرح في زمن كورونا (16) لا يمكننا أن نستسلم للكارثة.. واستبدال علاقة المسرح بالإنسان بالوسائط! – د.محمد سيف

عزلة المسرح في زمن كورونا (16)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران

لا يمكننا أن نستسلم للكارثة.. وان نستبدل علاقة المسرح بالإنسان بالوسائط!

د.محمد سيف – باريس

يجب علينا ألا نقبل امرأة من خلف زجاج..

لقد ارتبط المسرح بالحياة، بعلاقة حميمية، وجدانية، فكرية، جمالية، وإلى آخره من العلاقات التي أثبتت وبرهنت في مجملها، وعلى مر العصور القديمة والحديثة، على أن المسرح فن الحياة الوحيد بامتياز. لأن (العرض المسرحي متناهٍ، ولا يترك وراءه، ووراء راهنيته أي أثر ولا أي شيء قابل لأن يُحمَل. إنه ليس كتابا ولا عملا، وإنما طاقة، وبهذا المعنى فهو الفن الوحيد للحياة”

– الكتابة والاختلاف: جاك دريدا –

     المسرح طاقة لا يمكن أن تولد وتتوالد إلا من خلال فعل المشاركة بين هذا الذي يُعرض، وهذا الذي يشاهد ما يعرض. ولكن ليس بطريقة “البصاص”، وإنما بالتفاعل والانخراط مع يحدث بين الاثنين، لدرجة أن يصبح في إمكانه أو إمكان هذه الطاقة أن تدفع بقوانين اللعب نحو الأبعد.. الأبعد، وتخلق حيوية لم تكن موجودة في التمثيل قبل وجوده (أثناء التمرينات)، ويفجر قضايا ربما لم تكن في الحسبان وغير متوقعة على صعيد التمثيل بشكل خاص والعرض بشكل عام، ولهذا السبب أطلق مايرهولد على المتفرج تسمية “المبدع الرابع”، الذي بدونه لا يكتمل الحفل، فالمسرح كما نعلم، حفل واحتفال وطقس لا يمكن أن يتحقق من دون المتفرج، ومن دون هذه الطاقة التي تولد من وفي تحوله، وتغيره، وعدم ثباته في صورة أو صور خالية من أبعاده العميقة؛ صور خالية من تأثيراته “السحرية” التي يبعث الروح فيها مثل إله يخلق عوالمه من سماكة إشاراته وإحالاته، وواقعه المتخيل والمعاش، في آن واحد، لحظة التقائه واحتدامه بمتفرجه، مهما حاولنا استبداله، أو تعويضه أو استحضاره بطريقة أو بأخرى مختلفة عن حضوره الحيوي.

     المسرح لا يمكن أن يوجد من دون الأخر أو الآخرين، سواء كانوا بشرا أو علوما، وهكذا كانت خصوصيته، منذ طفولته الأولى في رحم العبادات والأساطير، في اليونان القديمة، ولكنه كما نعلم أيضا، انفصل عنها، اكتسبت استقلاليته، مثل معظم الأنشطة البشرية العظيمة التي حصلت على استقلاليتها هي أيضا: السياسة والعلوم والفلسفة والدين. وفي هذا السياق، ولد المسرح وأخذ مكانه في حيز الوجود، شانه شأن، معظم العناصر المكونة لمجتمعنا البشري التي انفصلت عن بعضها البعض أو بدأوا في الانفصال عن بعضهم البعض وعن الحضن الديني.

لكن المسرح، الذي انفصل هو أيضًا، له خصوصية معينة، وتكمن هذه الخاصية، في سعيه الدائم إلى الحفاظ على الروابط والعلاقات مع هذه العناصر الأخرى التي أصبحت منفصلة عنه. وهذا يعني ان المسرح لا يمكن أن يولد إلا في عالم منفصل، ولكنه يشعر في الوقت نفسه بالحاجة إلى الاتصال بمختلف العناصر التي انفصلت عنه. فهو ليس مجرد فن حوار وتلاوة وخطب وكلام وصور جامدة فجة، بل مكان للقاء، وفضاء يتقاسم الناس فيه الحوار، ويشاهدون صور حياتهم المنعكسة فيه، من خلال مراياه المتشظية العابرة، وصوت الممثل القادر على توحيد الجسم بالعقل، والمجرد بالملموس، والإنسان بالعالم. ولكن ما يحدث اليوم لعالمنا يكاد ان يكون رهيبا، لم نعتد عليه من قبل، أجبرنا رغم أنوفنا على الجلوس في بيوتنا، وجعلنا نغلق أبوابها بالمزاليج، مثلما أصبح فيه غلق المسارح واجب، وعدم تجمهر الجمهور ضرورة، والكلام مع الآخر مباشرة ممنوع، أو فقط من خلال قناع طبي واقي وليس مسرحي؟ كيف يمكن ان نطيع كل هذا ونحن نعرف أن المسرح تواصل وعلاقات حميمية، وتبادل في الأمكنة، والمعرفة والثقافة ولحظات تؤرخ للانعتاق من الرعب الذي يحاصرنا من كل الجهات؟ لا أخفيكم السر، إن الأمر محير وشائك، ويدعو الى التفكير! ولكن كيف؟!

لقد لجأت بعض المسارح الكبيرة في أوربا والعالم الغربي والشرقي الأسيوي إلى عرض برامجها المسرحية السابقة (المؤرشفة)، عبر الأنترنيت كنوع من الاستمرارية مع جمهورها، ولكن ليس كبديل للمسرح، وهذا ما حدث أيضا في مجتمعاتنا العربية، وهذا خطب رائع، بلا شك. ولكن أتمنى ألا يصبح ذلك موضة، واستسهال، لا سيما أن المهرجانات، والورشات الإليكترونية أو البينية (الوسائطية)، بشتى أنواعها، صارت تزخ علينا مثل وابل من المطر…

المسرح، سيداتي سادتي..

لم يمت لكي نستمر في أحياء ذكراه بهذا الكم الهائل من الصور والمحاضرات والورشات والمهرجانات الافتراضية، وإذا كان المسرح اليوم مهدداً بالموت، شأنه شأن الحياة، فهذا الأمر مؤقت وزائل بلا شك، ويفترض بنا أن نستغل فترة توقفه المؤقت، بالتأمل والمراجعة التي نحن بحاجة إليها حقا، وخاصة في وضع المسرح في الوطن العربي، إذ لا يمكننا استبدال علاقة المسرح بالإنسان بالوسائط، نعم، يجب ألا نستسلم للكارثة، ولكن في نفس الوقت، يجب علينا ألا نقبل امرأة من خلف زجاج.

محمد سيف – باريس

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح