عزلة المسرح في زمن كورونا (15) كورونا جعل المسرحيين في عزلة،نصفها حنين للضوء ونصفها الآخر خوف من الحاجة – د.مسعود بوحسين

عزلة المسرح في زمن كورونا (15)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران

كورونا جعل المسرحيين في عزلة نصفها حنين للضوء ونصفها الآخر خوف من الحاجة

د.مسعود بوحسين (المغرب)

كرونا: استراحة المسرح وعزلة أهله…

لا يمكن للمسرح أن يعيش في كامل قواه وتأثيره إلا في الحضور الفعلي الحي والمباشر، بل وحتى أقرب شكل معقول لوجوده الواقعي يكمن في نقله المباشر من مكان وزمان آنيين حيث يشعر المتفرج أنه أقرب إلى عوالم العرض المسرحي فنانين وجمهورا، إن لم يكن على مستوى المكان، فليكن على الأقل على مستوى الزمان.

كل الحلول التي قدمت لحد الآن في زمن “الكورونا” من أجل أن يستمر المسرح، على مستوى وسائل التواصل الحديثة ليست سوى حلولا مؤقتة، وشكلا من أشكال الارتجال الذي لا يمتلك وضعا إيجابيا إلا في سياقه، سياق يتسم بالمفاجأة واللامتوقع.. ويدفع إلى ضرورة التصرف لدرء مشكلة لم تكن في الحسبان ولا تمنح مجالا من الوقت لخلق بدائل أقوى، ولذلك فأي حل ولو بدا في سياق عاد “ترقيعيا”، ففي سياق الأزمة يصبح حلا مهما، لأن أحسن منه غير موجود.

إن الأشكال البديلة التي حاول المسرح من خلالها أن يقاوم في زمن الكورونا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ايجابية في سياقها، لأنها على الأقل تضمن وجودا في حدود دنيا في انتظار العودة إلى المسرح الحي وهو موعد لا يٌعرف وقته بالضبط. وهو إيجابي أيضا لأنه حوّل أنظار عدد كبير من المسرحيين، إلى تكنولوجيا الاتصال، وهو أمر وإن لم يكن مجديا بشكل كبير في جوهر المسرح الحي، فسيكون بالضرورة مفيدا في أرشفة المسرح وضمان مساحات أخرى للترويج له والتواصل بشأنه، بل وبتوظيفه في العرض الحي نفسه.

إن أشد مظاهر القسوة في نظري ليست ذات طبيعة فنية، بل اقتصادية واجتماعية أساسا، عزلة رجل المسرح أقوى من عزلة المسرح نفسه، فالمسرح أولا وقبل كل شي يحتاج مؤسسة كي يكون، ويحتاج تكلفة وشروط عمل مادية. أغلب المسارح في العالم، فقدت مداخيلها واختلت موازناتها، وعاش العديد من الفنانين وضعية عطالة، لعدم قدرتهم على ممارسة فن قد يصبح قاتلا عوض أن يكون منتصرا للحياة…هذا هو المشكل الكبير والأكثر قسوة في كل بقاع العالم.

ورغم تنامي الحديث في الآونة الأخيرة عن إمكانية عودة الحياة للمسارح باحترام الشروط الوقائية، فإن ذلك لن يجلب بالضرورة الجمهور إلى قاعات المسرح في الأمد القريب في ظل عدم وجود لقاح فعال، حيث يبقى الخوف من العدوى حاجزا نفسيا لدى العديد من رواد المسرح. أكيد أن ذلك سيخفف من عزلة المسرح، لكنه قد يجعل حاجته لوسائل التواصل قائمة، عبر النقل المباشر للعروض وسيرفع حاجة كبيرة لدعم المسرح في كل بقاع العالم ولاسيما المسارح الخاصة.

المسرح وفنون العرض جميعها، من أهم الأنشطة البشرية التي ستكون مدينة لهذا البطل أو هؤلاء الأشاوس الذين سيكتشفون اللقاح المنتظر. لأنه به فقط، لن تعود الحياة العادية للبشرية وأنشطتها الاقتصادية فقط، بل للشخصيات المسرحية أيضا، التي ستجد من يتأملها ويعايشها دون خوف ولا توجس.

إلى ذلكم الحين، سيبقى المسرح حاضرا مقاوما رغم معاناة ممتهنيه، وبعدها سيعود بقوة أكثر مما كان سيكون عليه الأمر دون حدوث الجائحة، وبصرف النظر عن الثمن الذي يمكن أن يؤديه رجاله.

المتشائمون، لربما اعتقدوا أن الزمن زمن وسائل التواصل الحديثة، هذا صحيح، ولكن أثبتت التجربة أيضا أن الحجر الذي فرضه الفيروس بين لمن يحتاج إلى دليل، أن كل وسائل التواصل الحديثة المتوفرة في المنازل لا يمكن أن تعوض حاجة الإنسان للقاء والاحتفال الحي، وإلا لما وجدت السلطات في كل بقاع العالم صعوبة في إقناع الناس بالبقاء في بيوتهم.

الكائن البشري اجتماعي بطبعه وفرجوي بالسليقة ويحتاج إلى اللقاء والاحتفال كي يتواصل ويعبر عن كيانه، والمسرح جزء لا يتجزأ من هذه الحاجة. يبقى فقط على رجل المسرح أن يقارب إبداعه بشكل آخر كأن لا يعتقد أن الإبداع وحده كفيل بجذب الناس إلى صالات العروض. يحتاج المسرح ما بعد كورونا، تفكيرا عميقا في شروط إشعاع الممارسة المسرحية اقتصاديا وتواصليا وليس إبداعيا فقط… ليس بالمسرح وحده يتحقق التمسرح وتمتلئ القاعات. المسرح بقدر ما هو إبداع، هو اقتصاد ذو طبيعة خاصة وذو قوانين ملائمة وخاضع لشروط اجتماعية وتواصلية تمكنه من أن يجد مكانه ضمن الأنشطة الاجتماعية الجاذبة للانتباه، وذلك بغض النظر عن مضمونه ومحتواه وخياراته الفنية والجمالية.

فيما يخص الإبداع بالطبع، سيكون له نصيب من التجديد والابتكار، لأنه ليس هناك مسرح لا يستمد قوته من المعاناة البشرية، وربما في ربط أرطو بين المسرح والطاعون في مقاله الشهير خير مثال على ذلك.

المسرح يستثمر المعاناة ويعيد خلقها في قالب جمالي يدعو للتأمل، لأن الإنسان مجبول على رؤية ما يعجز عن تقبل قسوته في الواقع في فضاء المسرح اللآمن، حيث يتحرر العقل من خوف وشفقة الواقع وكل الأحاسيس المعيقة ليسمو بتحرر الفكر والوجدان في عالم المتخيل، وهذا أمر لا يمنحه سوى المسرح بفعل سحر اللعب الذي يجعل الإنسان في مأمن من صدمة الحقيقة.

كم من المواضيع والشخصيات والأحداث والمواقف والأحاسيس والاستهامات، يمكن لخيال المبدع المسرحي الخلاق اقتناصها بفعل ما أوصلنا إليه الفيروس اللعين، وكم من استعدادات بشرية كامنة لإعادة اكتشاف واقع حرمنا منه الوباء رغما عنا. كم يبدو مهما وجميلا شرب كوب قهوة في مقصف، أو السير وسط زحام المارة، أو تأمل أمواج البحر، أو السهر مع الأصدقاء حتى ساعة متأخرة من الليل..الفيروس سيجعلنا نعيد منح القيمة للأشياء والموجودات وسيخفف شيئا من غطرستنا المعرفية السطحية بالوجود، سيجعل حواسنا أكثر أهبة لاقتناص مصادر الالهام، كما سيجعل المتفرج المفترض أكثر استعدادا للتتبع والبحث عن كل ما كان مفتقدا خلف إصراره اليومي على تجاوز تأمل الموضوعات بفعل معرفة سطحية مفترضة بها. بلغة بريشت سيجعل “التباعد” أكثر حضورا في سلوكنا أمام كل ما نعتقد أنه معروف ومتواضع حوله.

كورونا سيمنح لرجال المسرح، أيضا، فرصة أن يتعلموا بأن مثالية الفن لا تبرر إهمالهم لواقعهم الاجتماعي ولطبيعة فنهم الاقتصادية. عليهم أن يجعلوا من وضعهم القانوني والاجتماعي هما لا يقل عن أهمية المسرح نفسه، سيكون عليهم أن يعيدوا قراءة حكاية لافونتين الشهيرة “الصرار والنملة”، عليهم وهم يبدعون أن يناضلوا من أجل “تقنين” شروط ممارسة فنهم كعمل وليس كلهو كما هو المعتقد وكما هو مسكوت عنه عند شرائح واسعة من المجتمع.

مثالية المبدع وطموحاته الفنية، تحجب عنه أحيانا حقيقة وضعه الاجتماعي، وما يتوفر عنه من حب وتقدير لا ينبغي أن يخفي عنه أن علاقته بالمجتمع ملتبسة، ما لم يزاوج بين مثالية الإبداع وواقعية وضعه الاجتماعي والاقتصادي.

المبدع المسرحي العربي خصوصا عليه أن يعيد قراءة التاريخ الاجتماعي للفنان الغربي لعل في ذلك ما ينير جانبا مظلما في مساره، ذلك أن الوضع الذي ظل لقرون عديدة يحرم الفنان من الشهادة في المحاكم، والذي جعل فنانا كبيرا كموليير يدفن ليلا وسرا في مقابر المسيحيين، لا يزال حاضرا وقد بينت كورونا جزءا منه.

لقد بينت فترة كورونا، تضرر الفنان بشكل بالغ، ولاسيما في البلدان التي لا يتوفر فنانوها على أنظمة للحماية الاجتماعية، إذ أصبحت الحاجة إلى فنه رغم وضوحها وأهميتها، مجرد ترف لا يشكل أولوية في وقت الشدة رغم الحاجة إليه في وقت الرخاء، بل حتى وقت الشدة خفية، تماما كما تصرف النمل مع الصرار في حكاية لافونتين، حين تنكرت له قبيلة النمل في قساوة قر الشتاء، رغم أنها استمتعت بألحانه في فصل الصيف.  

كورونا جعلت المسرح يستريح ويجدد أدواته، وجعل المسرحي عبر العالم في عزلة نصفها حنين للضوء، ونصفها الآخر خوف من الحاجة.

د.مسعود بوحسين – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح