أخبار عاجلة

عزلة المسرح في زمن كورونا (12) هناك طرائق أخرى يمكن أن تضخ الدم في الجسم المسرحي مع الحفاظ على جوهره! – ابراهيم الهنائي

عزلة المسرح في زمن كورونا (12)

المسرح فن جماعي، وطبيعة جسد الفرجة المسرحية لا يتحقق جوهرها الا بالجماعة وفي الجماعة.. سواء على مستوى التشكل الابداعي من خلال التداريب والتحضير أو على مستوى التلقي والتفاعل الجماهيري الحي.

فماذا عن “عزلة المسرح في زمن كورونا”؟ وهل ما عرفته المنصات الوسائطية الالكترونية من مبادرات واسهامات “مسرحية الكترونية” قدم لهذا الفن الجماعي الحي والعابر، ما كسر شيئا من عزلته وانكماش فعله وفاعليته وتفاعله؟ هل تلبى رغبة الفرجة الحية بكبسولات فيديو ؟ وما تأثير الافكار المبتكرة الكترونيا على الفرجة المسرحية؟ المسرح وعاء ابداعي يحتضن الفنون جميعها.. فما تاثيرها على قواعده الثابتة والمتغيرة ؟ وما الفواصل بين التأثير الحقيقي والتاثير المزيف الزائل؟

ملف تشارك فيه مجموعة من الأسماء المسرحية العربية لإبداء الراي ومناقشة حاضر المسرح في الزمن المرتبط باكراهات الظروف المعطاة التي فرضتها الجائحة على الجميع… وما طبيعة النشاط المسرحي الإلكتروني الذي عرفه الظرف “الكروني”…

إعداد: عبد الجبار خمران

 

هناك طرائق أخرى يمكن أن تضخ الدم في الجسم المسرحي مع الحفاظ على جوهره!

ابراهيم الهنائي (المغرب)

عن المسرح عن بعد…

كل المسارح تدق ثلاثا ولا أحد أمام بواباته الصامتة. إلى متى ستبقى أنوار الركح مطفأة على ديكورات آخر العروض ؟

المسرح صبُور وسينتظر.

لكن هل سينتظر عشاقه؟

في انتظار النغمة الجديدة للدقات الثلاث، ظهرت محاولات في مجموعة من الأقطار لضخ دماء متواضعة “مناضلة” في الجسم الديونيزي الكبير. محاولات تتلخص في بث عروض مسرحية عبر شبكات التواصل. أطلق على هذه الموجة/التوجه: المسرح عن بعد.

لكن ألا تحمل التسمية تناقضا في حد ذاتها ؟ أليس المسرح لقاءا حميميا بالأساس؟ .

أكيد أن خلف هذه الدعوات” الفنية” هدف مساعدة الفنانين الذين هم في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الدعم. وذلك بتشجيعهم على عروض مسرحية ” عن بعد”… عروض تؤدي عنها بعض الجهات كما المؤسسات المسؤولة مبالغ مالية لا تسمن ولا تغني من جوع…

أتساءل – ودون قصد الدخول في جدال.. المبدعون الآن في غنى عنه – أليس بالإمكان مساعدة هؤلاء الفنانين دون الزج بالمسرح في “متاهات” غريبة عنه بالأساس؟

هل هذه الجائحة ضرورية لكي نشعر أن هناك فنانين في أمس الحاجة لدعم حقيقي، لا لفتات موائد لكي يعولوا عائلاتهم ولكي يظلوا حاملي مشعل المسرح الوهاج؟

هل المبالغ الهزيلة تعويض عن العروض المسرحية أم هي “صدقات” مقنعة؟

لا أومن بمقولة: “اللهم العمش ولا العمى”. فالأعمى يوقن بوضعيته ويتصرف وفقها ويحاول التعايش مع هذا المصير. أما “المعمش” فهو في منزلة بين المنزلتين. لا هو بفاقد البصر ولا هو بالمبصر. ولا منزلة دائمة بين المنزلتين.

من هنا فلا مجال للخلط بين “الخبزي” والفني…على المسؤولين عن القطاع أن يتناولوا وضعية الفنان بجدية بعيدا عن الحلول الظرفية الترقيعية. أن تكون هذه الوضعية الهشة للفنان من الأولويات دون ارتباط بالظرفية العصيبة. وما هذه الجائحة إلا نقطة أفاضت الكأس المثخن بجراح التهميش سنوات وعقودا.

رجوعا للجانب الفني وللمحاولات “الجديدة” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الجسم المسرحي تطرح مجموعة من التساؤلات تتعلق بماهية المسرح ومكوناته الأساس:

-أليس المسرح فن الآن/هنا؟

-أليس “المسرح كتابة على الرمل” كما يقول بيتر بروك في كتابه “المساحة الفارغة ص. 134

– ماذا يتبقى من هذا “الآن” وهذا “الهنا” عبر شبكات التواصل؟ عبر موضة التواصل عن بعد ؟ كيف يمكن أن أتلقى عرضا مسرحيا عبر الهاتف النقال وبعيدا عن الفرجة الجماعية التي هي أساس اللقاء المسرحي؟

الهاتف النقال يقول شيئا واحدا: أنني أمام “عرض” مات. أنني أمام الذي كان في غيابي.

لم أحضر الطقس المسرحي وسط مجموعة. أين نحن الآن من حميمية القاعة وسحرها عندما تغلفها الظلمة حيث لا تبقى إلا أضواء الخشبة. حيث كل الأصوات تصمت إلا صوت أمراء الركح الذين لا صوت يعلو فوق أصواتهم.

ماذا يتبقى من مفهوم “التياترون” اللفظة الإغريقية التي تعني “مكان المشاهدة”؟ كيف تحول الركح الفسيح إلى خلوة نرجسية أمام صفحة الهاتف النقال؟

يقول بيتر بروك أن المسرح يتشكل عبر أقطاب ثلاث:

“يمكن أن نأخذ مساحة فارغة ونسميها ركحا. ثم يقطع شخص هذه المساحة أمام شخص آخر يشاهده. هذا كاف ليبدأ المسرح” – (المساحة الفارغة. ص. 25)

هذا التفاعل هو الذي يخلق ماهية العملية المسرحية. لكن مع” المسرح عن بعد” أين نحن من هذا التفاعل؟ أين نحن من الممثل الذي يرصد خلجات الجمهور ويقرأ صمته كما يتحسس ملله؟ أين نحن من المتلقي الذي يشكل قطبا أساسيا في تشكيل العملية المسرحية؟

ذات يوم وبعد خروجه من الخشبة قال أحد الممثلين الكبار (لويس جوفي): “كانت القاعة موهوبة هذه الليلة”. مما يفيد أن للمتلقي الذي ينفعل دورا ليس بالهين في إنجاح العرض المسرحي.

فالمسرح إذن، هذا الطقس الذي يتداخل فيه الاجتماعي بالفكري والعاطفي. هذا الطقس الذي يتبخر في ظل هذه المحاولات/الممارسات الجديدة. طقس يتشكل عبر مجموعة محطات متفاوتة الأهمية: مشاهدتنا للعرض تبدأ باقتنائنا تذاكر الدخول أو الدعوات (للإشارة فقط الدعوات تفوق بكثير التذاكر ولهذا الحديث بقية)… يستمر الطقس عندما نلتقي أمام القاعة بمجانين أمثالنا ينتظرون أن تفتح بوابة المسرح. قد يحصل التعارف وقد لا يحصل.. ندخل وننتظر. قد يحدث أن نتبادل التحيات مع بعض المعارف. تحيات عبرها نقول إننا أيضا هنا.. نتفحص في العتمة التي تلف الركح القطع السينوغرافية ونسافر عبرها قبل أن يسافر بنا العرض.

مجموعة لحظات تمهد للعمل المسرحي قبل حدوثه الفعلي..

يطلب المسؤول عن العرض إطفاء الهواتف وعدم التصوير لأننا في مسرح. في ضيافة زمن منفلت عن الزمن اليومي. لحظة لا تلتقط لأنها وليدة الآن/هنا. لحظة لا يمكن أن تتكرر. وبالتالي عبثا نحاول التقاطها لإقبارها في جوف هاتف نقال.

يعم الظلام فيبدأ العرض.

عندها يبرز المسرح شامخا في أبهى تجلياته. ليفجر شاشات كل الهواتف.

كيف نقايض “المسرح عن بعد” بكل هذه الطقوس الصغيرة الجميلة التي تشكل طقس المسرح الكبير؟

كيف يمكن أن نتصور ورشات عن بعد تتناول التشخيص والتعبير الجسدي؟

هل من المعقول أن يتدرب مخرج «عن بعد” مع ممثلين عبر الهاتف؟

هل التسجيل الكامل التلفزي لرائعة الصديقي “الحراز” يكفي للقول إننا استمتعنا بعروض الحراز؟ والأمثلة في هذا السياق كثيرة.

ورغم كل هذا يبقى التساؤل مطروحا:

هل نقف مكتوفي الأيدي تنافيا مع كل قواعد العشق؟ هل نخدم المسرح برفضنا لكل المحاولات؟ بالطبع لا. هناك محاولات لا تدعي إعطاء البديل بقدر ما تحاول أن تنعش ما استطاعت الجسم الديونيزي الجريح.

كان للمسرح ماض جميل مع المسرح الإذاعي. وبعيدا عن كل محاولة نوسطالجية, كنا نتذوق – بالمغرب كما هو الشأن بمجموعة من الأقطار- الروائع الإذاعية التي تتناول سيرة الملك سيف وعنترة وغيرها. نصغي وكأن على رؤوسنا الطير. نصغي فنرى تلال عبس والسماء المشتعلة غضبا مع مرور عيروض وعاقصة. نرى صليل سيوف عبس وذبيان وقصور الملك النعمان. كانت الأذن ترى والمخيال ينتعش بدون حاجة إلى تخمة الصور. مسرح سردي يذكرنا أن الذي يتقن السمع يرى.

جميل في هذا الضرف العصيب والمرحلي أن نستمع إلى ممثلين “يشخصون” عبر القراءة أقوى النصوص المسرحية وغير المسرحية. إنها نقلة أخرى عبر المخيال. تحضرني في هذا المجال ذكرى صديق مكفوف بمراكش يحضر جميع العروض المسرحية ويتتبعها بشغف.. فما فقدان البصر بفقدان البصيرة وموت المخيال.

أريد أن أسوق مثالا لبعض الممارسات التي بدأها مسرح “لا كولين بباريس” ومنها تجربة: “في داخل الأذن”. هناك قارء – ليس بالضرورة ممثلا – يقرأ عبر الهاتف نصوصا من اختياره لمستمع. نقلة على مستوى المخيال عبرها نمر من علاقة الممثل بالمشاهد إلى علاقة الانسان بالإنسان. علاقة قارء بمستمع كما هي العلاقة الحاكي بجمهوره. مع هذا الفارق البسيط أن الحاكي يرى جمهوره.

ليس غرضي أن أسوق هذه التجربة كنموذج.. لأن لنا في تاريخنا الحكائي نموذجا كبيرا أيضا. فقط أريد أن أشير أن هناك طرائق أخرى يمكن أن تضخ الدم أو بعضا منه في الجسم المسرحي مع الحفاظ على جوهره. هذه المحاولات هي بمثابة الأسماك الصغيرة التي ترافق سمك القرش الجريح الذي يصارع الموت. أسماك قد يتغذى بها سمك القرش كي لا يموت.

ودام القرش الديونيزي حيا ما دامت هناك آلاف الأسماك تواكب رحلته نحو الخلاص.

هذا هو المسرح الذي نطمح أن يخلد خارج كل تخندق تكنولوجي قد يقتله أكثر مما يخدمه. كما يقول لويس جوفي:

“في نهاية العالم سيبقى هناك أناس جالسون فوق المقاعد في انتظار أن يرحلوا نحو العالم الآخر. الذي يهم هو أن المسرح حيث هم جالسون ليس ببعيد عن ممالك الفكر.” 

لويس جوفي – 

.31Le comédien désincarné P.

والمسرح هو بوابة هذا العالم الآخر. مسرح يمكننا من مشاهدة الكلمة وسماع الصورة. المسرح/الواحة الصامد أمام هجمات كثبان الرمل وغارات كل البدائل.

ابراهيم الهنائي – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة