عروق الرّمل: معركة طارقيّ ومدينة أو هكذا تمّ استنطاق ابراهيم الكوني حاتم التليلي/ تونس

 

 

عروق الرّمل: معركة طارقيّ ومدينة أو هكذا تمّ استنطاق ابراهيم الكوني

حاتم التليلي/ تونس

يورّطك المخرج التونسي حافظ الزلّيط، مع عرضه الكوريغرافي الأخير”عروق الرمل” في مهرجان الحمامات الدولي من الدورة الثالثة والخمسين ضمن جملة من العروض الأخرى بساحة البرج وسط المدينة، كي تعيد تأصيل الأسئلة الملحّة في علاقتها بما هو فنّي وجمالي وربّما أنثروبولوجي أيضا، إذ كيف تنجز عملا فنّيا له مرجعيّة ما دون السقوط في الانتحال أو “الكيتش”؟ كيف يمكنك إعادة استنطاق موروث ما بإعادة تشغيل دلالاته العميقة في ضوء راهنك وعصرك ومتطلباته الفكريّة والجمالية دون أن تكون ماضويّا؟ ثمّ كيف يمكنك أن تجعل من “الأيقونة”/ الأصل تتخطّى سياقها التّاريخيّ في ضوء مولودها الجديد/الفرع دون أن تفقد بريقها؟ وهل من الممكن انجاز عمل فنّي ما قائم على “الاقتباس” دون وقوعه في التقليد والتكرار؟ وإذا ما اعتبرنا ذلك لا يمثّل مستحيلا: كيف يمكن أن تتلاقى التجربة الحيّة وتتقاطع مع غيرها حتى أنّنا نشهد منجزا فنّيا قائما على التناسج بصفته تشغيل للكلّ في ضوء الانعكاس الذاتي إزاء المنظور الفكري والجمالي؟

ضمن هذا السياق ولد العرض الكوريغرافي “عروق الرمل”، وهو وإن كان في نظر البعض نوع من الاقامة ضمن مسرحة الرواية بإعادة تشغيل المنجز الروائيّ للكاتب الليبي والعالميّ “ابراهيم الكوني”، فإنّه في حقيقة الأمر مثّل امتدادا له. لقد انتقلت روايات “الربّة الحجريّة” و”المجوس” و”رباعيّة الخسوف” و”التبر” و”خريف الدرويش” وغيرها من حريم الجسد الكتابي إلى جسد جديد راقص ومرئيّ لا تصحبه في ذلك غير الاضاءة والموسيقى ونوع من السلوك البشريّ الذي خيّمت عليه أدوار حيوانيّة لوحوش قطنت الصحراء في فضاء تحوّل بدوره إلى بيد لا يحيط بها غير الفراغ والهجير: وهناك، فقط هناك لا يمكن لأيّ انسان أن يعيش باستثناء أولئك الذين يمكننا وصفهم بسفينة الرمال، وهم الرّجال الزرق الذين حملوا لقب الطوارق.

يفصح عنوان العرض بصفته مسلك إلى متنه عبر لفظتي “عروق” و”رمل” أي الجذور السفلى التي لا تجد اشتغالا لحياتها في غير فضاء لا مرئيّ، فإذا بحثنا عنها ونحن نشاهد هذا العمل، نتأكّد أنّها جذور لا تنتمي إلى صنف النبات بحكم القيظ واليباب الذي منح الصحراء حرّية الفراغ والخواء، بقدر ما هي نوع من الكائنات الحيّة لا تقلّ وحشيّة عن خطر أمكنة الرّعب، ومثيلها العقارب والأفاعي والحشرات السامّة وكلّ أنواع الزواحف السامّة. أمّا أن نبحث عمّا فوق الرّمل فليس ثمّة غير حيوان “الودّان” والصقور ومعارك دامية من أجل الحياة.

لهذا كانت جلّ حركات المؤدّين في اللوحات الراقصة للعرض مستمدّة من تلك العوالم: التصاقهم بأرضية فضاء اللعب وزحفهم زحف الأفاعي، الأيادي المنفتحة في شكل انفتاح جناحي الصقر، الأقدام التي تضرب الأرض بخفّة الغزال، التواء القدم وراء الظهر في شكل عقرب يصيء وهو يسير في مجموعات على الرمل، المشي على اليدين مع ارتفاع نسبيّ للظهر في مشاهد مرعبة تمثّل صورة “الورل الصحراوي” اللاحم. وما زاد من تأكّد يقين الغريب والمرعب هو تلك الملابس المخصصة للمؤدين حيث غلب عليها اللون الأصفر القاتم الذي يميل إلى السواد قليلا، وجعل من المؤدين ينتمون إلى عوالم الرمل وزواحفها بشكل مطلق.

أمّا حركاتهم من حيث مجال ادراكهم للنّوع البشريّ، فقد فرضت شكلا جديدا من الملابس وحضورا جسديا مخالفا، فمن اللعب زحفا في فضاء العرض، كان اللعب وقوفا كما غذّته ملابسهم المستمدّة من ملابس البدو الصحراويين والموسيقى المصاحبة التي قامت بدورها على مرجعيات مختلفة كالأذكار وأغاني الصوفيّة المغمورة إضافة صوت الهجير ورياح “الشهيلي”.

في سياق ذلك، يمكن للمشاهد أن ينظر إلى عوالم الصحراء وكيانها ومعظم غوائلها، كما يمكنها متابعة مشاهد الصراع من أجل الحياة هناك، إذ هي كثيرا ما تقوم على العنف، حتى أنّ فرجة العرض كانت محفوفة بغير قليل من الفرجوي حيث الصادم والمدهش والغريب والساحر إلى درجة تجعل من مشروعية السؤال حول المؤدّين ما اذا كانوا فعلا مجرّد ممثلين أو رجالات رقص أم هم حيوانات كاسرة محض، ويمكننا إزاء ذلك كلّه رؤية أكثر من معركة حياة بين الصقر وصغير “الودّان”، وبين “الورل” الصحراوي والأفاعي التي نشاهدها في ما بعد تغيّر جلدها، وبين هذه الكائنات جميعها ووحشية الصحراء.

لكنّ علينا أن لا نغفل أبدا أنّ مخرج العرض حافظ الزلّيط بقدر ما قدّم لنا زمن اشتغال العرض العديد من الشفرات التي يتعيّن تشريحها وتفكيكها لفهم مقاصده، قدّم لنا شفرة رئيسيّة يمكننا من خلالها نحر غموض عرضه الفنّي وترجمة اشكالياته بدافع تشغيل المعنى الحقيقيّ لذلك، ألا وهي الحضور الانسانيّ في تلك العوالم، إذ يحدث أن يظهر النوع البشريّ في فضاء اللعب من خلال أحد المؤدين الذي يضع حجرات في أوّل الفضاء محاولا تشكيل بناية ما، لنشهد فيما بعد قدوم النوع الحيواني في رمزيته الصحراوية وبصفته الصحراء في حدّ ذاتها ليعدم ما بناه الانسان، وهنا تتغلّب الصحراء على المدينة.

تلك هي عوالم ابراهيم الكوني الروائية وكيف ترجمت إلى عرض كوريغرافي مع حافظ الزلّيط، ولكن أن نعود فعلا إلى استنطاق كلّ منهما كضرب من ضروب التأويل القائم على بعد رؤويّ، فسيمكننا القول: إنّهما علامة فريدة في التعبير عن محنة الرجل الطارقي/ الصحراوي في الصحراء، ومحنته الأخرى حين امتدّت له أسطورة التمدّن الحضاري بدل أسطورة التعازيم والتوريات وحديث تمعين العالم وأسفار القصص الغريبة التي كثيرا ما هزّت قلوب المسرحيين الذين قرّروا الانتماء في بحوثهم إلى شعوب بائدة وأخرى مجهولة مثل “أنطونان أرطو” وغيره.

أن نفصح الآن بقراءة ما بعد العرض، هو يعني أنّه نجح في جعلنا نبحث فعلا عن حياة هذا الطارقي الذي انتقل من الرواية إلى المسرح، لذلك سيكون شرعيّا أن ندلي بشهادة حول حياته بوصفها ممسرحة سلفا بطبعها ما يجعلنا فعلا نطرح التساؤل التالي: أيّها الطارقيّ ! من أنت؟

إن البحث في أصول الطوارق، تاريخا وعرقا وثقافة، أمر لا مناص له من أهداف تقودنا للكشف عن عمق الإنسانية في تاريخ ما، حيث تمّت محاولاته طمسه، باسم التمدّن والحضارة. وإنه لمن الواضح أيضا، أن العالم برمّته، أصبح يتأرجح تحت سيطرة العلم، وصنمية العقل، ممّا فتح المجال لخصي بعده الرّوحي والميثي والجمالي، حتّى أنّ الفلسلفة المعاصرة، باتت تتحدث عن نهاية الإنسان. لذلك كان لا بدّ من العودة إلى الشعوب التي ما زالت تخوض تجربتها البدائية، لا بوصفها متخلّفة، بل بوصفها مخزونا لا ينضب من الإنسانية، والشفافية، والبساطة، والجمالية. كأن نقول مثلا، لا بدّ لنا من خرافة تبعدنا عن أسطورة العلم المزيّفة، ولا بدّ لنا من الذهاب عميقا فيما هو روحي وعلمي حدّ السواء، وهو ما يبرر عودتنا إلى الماضي، والى تلك الشعوب، باعتبارها الموطن الأوّل لعذابات الإنسان وهو يمعّن الوجود عبر قتاله العنيف غوائل الأيام.

عرف عن الطوارق، أنهم شعب لا يهدأ في مكان واحد. فهم عبارة عن رحّالة يجوب أصقاع الصحراء الكبرى، لذلك يصعب كثيرا حصر عددهم. وينقسم هذا الشعب إلى خمسة أعراق رئيسية، تعيش بين ليبيا والجزائر والنيجر ومالي وموريطانيا. وهو برغم تعدده، لا يعترف بهذه الحدود الجغرافية، لأنه ما زال متمسكا ببداوته، وليس من اهتماماته أن تكون له دولة خاصّة. وبرغم اختيار البعض منه الاستقرار، كما في مدينة “تامانارست” بجنوب الجزائر، إلا أن أغلبيته، ما تزال تفضل العيش على نمط أسلافها الأوائل، حيث الترحال، والتجارة على ظهور الجمال إلى حدود السودان، على عكس الذين فضّلوا التأقلم حضاريا مع المجتمعات المجاورة المستقرّة، فعملوا في إنشاء الطرقات، وقيادة الشاحنات جنوب الجزائر، أو في مجال الفلاحة وغيرها.

اعتنق شعب الطوارق الديانة الإسلامية، وذهب البعض منه إلى تعلم اللغة العربية والتكلم بها. وفي المقابل حافظوا على لغتهم الأصلية، وهي لغة شبيهة جدا من حيث كتابتها بالحروف الليبية القديمة. وتعرّف هذه اللغة من خلال لهجة عربية اسمها “تاماشاق”، كان الإسلام قد قضى عليها بتوحيده العرب بلغة قريش. وفي هذه اللغة توجد العديد من مفردات اللغة العربية الفصحى، وهو ما يؤكد أن اللغة الطارقية واللغة العربية لهما نفس الجذور. تبقى هناك فروقات طفيفة، إذ أن لغتهم المكتوبة تدعى “التيفينار”، وتكتب من اليمين إلى اليسار أو العكس بالعكس، كما أنّ لها قابلية لتكتب من فوق إلى تحت، وهو ما يشير إلى بعدها السيميائي من خلال صعوبة تحليل شفراتها من قبل الأعداء.أمّا لباسهم، فقد حمل خصوصية تفرّدوا بها وحدهم، وخاصّة اللثام الأزرق الذي جعل من بعض الروائيين والباحثين يصفونهم بالرجال الزرق، نتيجة انعكاس هذا اللون على البشرة. وهذا اللثام خصّص عادة كي يكون غطاءا للرأس والوجه، باستثناء فتحة للعينين، وربما له دلالته الأنثروبولوجية، التي تعكس صراعهم ضدّ هجير الصحراء القاتل. وإضافة إلى ذلك، فقد عرفوا بقدراتهم الفائقة في التغلّب على الأمراض عبر استعمال حشائش الصحراء التي خبروها في أسفارهم وهم يقاتلون مصاعب “الهوغار” وسهول “باسيبي” وسلسلة جبال”بيرفي” في النيجر.

تنبني أسس الاقتصاد الطارقي على الحيوانات كالإبل والماعز، إذ من خلالها يقتاتون وعبرها يقاتلون ومن أجلها يسافرون بحثا عن الكلأ والمرعى. أمّا الجانب الزراعي فقد تمّ إهماله واحتقاره، ولا عمل لهم باستثناء صيد الوعول والنعام. وبرغم من أن بعضهم ذهب إلى زراعة الذرة والتبغ، إلا أن الأغلبية فضلت البقاء على نمط عيش الأسلاف القدامى، فاعتمدت على الوديان في رعي المواشي والإبل التي بشربون من حليبها ويأكلون من لحومها. هذا وقد عرف عنهم كرم الضيافة، ونسجت من حولهم آلاف الأساطير والحكايا في مجال الثأر والحروب والعشق.

بالرغم من أنّهم شعب مسافر على الدوام، وبالرغم من أنهم سفينة الصحراء بامتياز، إلا أن لهم نظامهم في الحكم، يسترشدون به في حياتهم وعلاقاتهم. ويتألف نظامهم هذا، من ثلاثة هياكل. الأول يمثله السلطان ويتولى هذا المنصب أقوى شيخ تتفق عليه القبائل المكونة لسلطنتهم، ويساعده في ذلك رؤساء مجموعات هذه القبائل، إذ لكل قبيلة رئيسها، ويسمى منصب السلطان في اللغة الطارقية “الأمنوكال”. أما الهيكل الثاني فيسمى “أمغار” وهو منصب يتقلده شيخ القبيلة، ومهمّته الإشراف على شؤونها. والثالث هو منصب الإمام، وبهتم بالإرشاد الديني.وهذه الهياكل الثلاثة، هي المجلس العام عند الطوارق، والمكوّن من جميع شيوخ القبائل التي تعتمد فيما بينها على التشاور في أمورهم، حربا وسلما وتجارة. وهم من يعيّنون السلطان عبر مقاييس مختلفة كالشجاعة والنبل وحسن السيرة.

تعدّ الأسرة لدى الطوارق، العالم أو الخلية الأصغر في العشيرة. وأحيانا يعيش معهم عبيد موالين لهم. أمّا الروابط والعلاقات فعادة ما تتعاون الأسر والعشائر على تنظيم الحياة الاقتصادية كحفر الآبار ورعي المواشي. وتشمل القبيلة المكونة من أسر متعددة، جميع الطبقات الاجتماعية كالنبلاء والفقهاء والعبيد والمطربين. وعليه، فإن الشعب الطارقي، من الممكن وصفه بالمجتمع القبلي.

عرف عنهم أيضا أنّهم شعب يعشق الحب إلى درجة القداسة، ويرمز في نظرهم إلى العفة والطهر والعذرية، إذ جرّم الاغتصاب عبر منح المرأة حقّها في منع عشيقها من لمسها أو الاعتداء عليها.ويتزوج الطوارق عادة في سنّ مبكرة، ومن عاداتهم أن يكون مهر المرأة بعض من النوق يحصر عددها وفق قرابة الزوجة من عائلة زوجها. كما أنّ من عاداتهم الطريفة أيضا، أن يوضع في خيمة العروسين، في ليلتهما الأولى، كوما من الرمل يفصل بينهما لمدة ثلاثة أيام، إذ في اليوم الأوّل تكون الزوجة أختا، وفي الثاني تصير أمّا، وفي الثالث ينظر إليها على أساس أنها حماة الزوج، ثم في الرابع تصبح زوجته، ويتم التخلص من كدس الرمل.

تلك هي عوالم الطارقيّ اللامرئيّة في عرض “عروق الرمل” حيث بقدر ما استلهمها المخرج حافظ الزلّيط من عوالم الصحراء وكتابات ابراهيم الكوني جعل منها نواة وأيقونة لتشغيل الصحراء في عمل فنّي راقص ومدهش، إذ نجح فعلا في إعادة استنطاقها وتشغيلها وتحيين دلالاتها خارج سياقات المبتذل من التقليد والاجترار أو السطحيّة.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.