عرض {فلك أسود} وأسئلة الواقع الغرائبيَّة / د. سافرة ناجي#العراق

كل عرض مسرحي يثير سؤالا او عددا من الأسئلة التي تشكل بنيته الجمالية، لذلك بديهيا يبرز سؤال التلقي ماذا سيقول العرض؟، ماهي محمولات المعنى التي سيبثها في موازنة جمالية مع واقع العرض وواقع التلقي؟، وهذا ما أثاره عرض مسرحية (فلك اسود) تأليف علي عبد النبي الزيدي، وسينوغرافيا وإخراج رياض شهيد وتمثيل حسن هادي وصفاء نجم وضياء سامي.
عرض يشتبك مع اشكاليات الواقع وهو يعيد تأويل نص من نصوص الزيدي المتمردة على منطق الكتابة المسرحية لأنها تنحو باتجاه وضع الواقع في مختبر التجريب المعرفي لمساءلة هذا الواقع الذي تجاوز بلا معقوليته اللامعقول ذاته. ويبقى فعل التوقع هو الذي يوجه فعل التواصل ما بين التلقي والعرض، عرض من عتبته الاولى يتنبأ بأن ما يحدث هو أكبر من كل توقعات ما يمكن أن تتوقع، هو زمن أسود بكل ما يحمل هذا التوصيف من قهر، فلك اسود ان تكون في مواجهة قبول اجتياح الوطن بكل هذه التراجيديا، عرض يقرأ تداعيات زمن اجتياح داعش للوطن/البيت حتى انه استباح غرفة النوم. وما أفرز هذا الاجتياح من اشكاليات، وتبقى جذوة السؤال مستعرة لماذا؟ هذه الجدلية الدرامية التي يثيرها الزيدي في هذا النص وهو يحفر في غرائبية الواقع اليوم الذي تجاوز كل معايير المنطق، وهو يكرر السؤال بمتوالية من الاسئلة التي تنفتح على صراع وتصادم الإرادات الى حد العجز عن الاتيان بحل.فذهب مخرج عرض فلك اسود الى ترجمة أسئلة النص المغايرة لكل قيم الواقع والمنطق بشكل واقعي.
وهو يعيد تشكيل أسئلة الزيدي بمعادلة بصرية ذات ايقاع واقعي، مفترضا أن الواقع أصبح هو اللامعقول، وان فضاء العرض هو المعقول، وهنا قلب المعادلة وكأنه يريد ان يناقش تراجيديا الاجتياح في حدود المنطق في زمن فوضوي عاصف بكل شيء، كأنه حلم بالمستحيل في زمن الفوضى. فوضع سينوغرافيا واقعية الدلالة والمدلول، تمزج ما بين الواقع وما بين الفنطازيا المجردة، باحثا في أسباب تحولات المدينة العراقية من المدنية الى العنف، وهو ترجمة لسؤال النص المركزي لماذا يحل العنف بديلا للمدنية؟، مفسرا هذا التحول باستعراض تاريخ بغداد المدني وموروثها الغنائي الضارب في الوجدان الثقافي، ورمزية البيت ومحتوياته باب،سرير، مرآةمهشمة، وحامل ملابس مناسبات الموت، وهو يربط بين المحمول الرمزي للبيت التي اختزل فيها واقع الوطن وما يضمر (الباب/ الاب/ البيت) من رمز بوصفه صمام الأمان، وغياب (الاب) التي جسدت بصريا بفتح الباب، ونوم الأب، فاجتاح داعش الوطن وسبيت المرأة، (فكر داعش المتطرف / وشرف المرأة/ الوطن).
وهذه المعادلة الرمزية هي فعل غرائبي لما أفرز الاجتياح من غرائبية، لذلك معادلها الدرامي جاء بمضمون ميتافيزيقي باللجوء (القدر/الله) لان كل شيء مسلوب الارادة. ولا سبيل إلا أن تحدث المعجزة وتتحول المرأة الى رجل لتنجو من فعل الاغتصاب، ولأن ثيمة العرض هي الاشتباك مع واقع حدث ولامس وجدان المتلقي، لذلك ذهب المخرج الى تفسيره بحدوده الواقعية، اذ يناقش تداعيات اجتياح داعش وخوف بتول من تعرضها لفعل الاغتصاب، ودعاءها المستميت ان تتحول الى رجل. فيبدأ العرض باجتراح هذه الحقيقة، انسلاخ الذات من ذاتها الى ذات اخرى، فعندما يستيقظ الاب/ رجل البيت يجد زوجته وقد تحولت الى رجل. فانه يبحث هذه الغرائبية في حدود معطى التصديق المنضبط في حدود المنطق والقبول بأن الواقع أصبح ضاجا بالغرائبية، كيف لا وان الضابط الروحي تحول الى مصدر موت وقتل للإنسان (بتول: اننا نغتصب تحت راية الله أكبر).
فيتحول الصراع من مناقشة اسباب التحول الى مناقشة واقع العلاقة الزوجية وانشطارها بين مرآة/رجل في كوميديا ساخرة وتداعيات فنطازيا التحول الذي قدمه حسن هادي في اجتهاد الجمع بين صفات المرأة وصفات الرجل التي كانت ظلا حاضرا في العرض من وراء قضبان في إشارة الى ان سبب العنف والتطرف هو معيار الفحولة الطاغي الذي لا يرى من المرأة غير إشباع رغبات الرجل الجنسية، وما الرجل في هذا العرض إلا صورة أخرى من صور الفحولة المتطرفة. اذ يقدم العرض هذه القراءة الواقعية وكأنه يريد ان يقول اننا لم ندرك متوالية الهزات الكبرى التي اصابات هذا الواقع بحيث اختلطت المفاهيم بشكل غرائبي وانتجت تشويشا جسدها المخرج بصريا في الستارة الشفافة التي تفصل بين الحق/ العدل، العنف/ المدنية/، الحب/الموت، المرأة /الرجل/ الحب/ الاغتصاب.وكل هذه الدوال الفكرية حاول المخرج أن يقدمها بضبط بصري في دائرة مفرغة عندما جعل السينوغرافيا تدور على مركزواحد لتعود على ما كانت عليه، في إشارة الى ان كل ما يحدث من غرائبية لاتحرك ساكنا لتغيير هذا الواقع الذي بقي يدور على نفسه يجتر ما يحدث بسرد ساذج. غير أن فعل الرسم الادائي لفرضية العرض الجمالية كان دون مستوى الفكرة فبقيت فكرة النص المركزية هي المهيمن على تمفصلات الاداء الذي اتسم بالأداء النمطي المتكئ على البعد السيكولوجي لشخصية الممثل الانسان، اجتهدت الرؤية الإخراجية للعرض ان تقدم قراءتها التأويلية لتحولات المدينة نحو العنف في دعوة مباشرة الى الانتباه الى أثر الاجتياح وما نتج عنه من تغيير في ديموغرافية الأسرة العراقية. ولهذا تقدم الرؤية الإخراجية مقترحا لفهم إشكاليات الواقع تختتم به العرض بتبادل الادوار عندما تطلب الزوجة من الرجل ان يدعو الله ان يتحول الى امرأة. فهذا العرض قراءة في غرائبية ما يحدث في واقع اليوم من انقلابات أيديولوجية كبرى.لهذا لابد من اعادة قراءة الواقع اليوم وأسئلته الغرائبية.
المصدر / جريدة الصباح 
alsabaah.iq

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح