عرض “شتوية قاسية” يطرح قضايا وآلام المرأة

طرح العرض المسرحي اللبناني “شتوية قاسية” اخراج لارا حتي، الذي قدم على مسرح مركز الحسين الثقافي مساء  الاثنين ضمن مهرجان عشيات طقوس المسرحية في دورته التاسعة، قضايا المرأة، وآلامها في بعد وجودي.
 
قضبان حديدية صلدة اشبه بالزنزانة تموضعت على منتصف يمين الخشبة اول ما كشف عنه العرض المسرحي “شتوية قاسية” ليعلن منذ البدء عن تلك المرارة التي تختلج في صدور العديد من النساء في العديد من المجتمعات، لما يعانينه من قهر وتغييب لوجودهن بموازاة الرجال الذين مازالت الذهنية الذكورية تحكم نظرتهم اليهن لتنسحب الى باقي المجتمع وتؤسس لمفاهيم تجاوزها العصر والمنطق.
 
العرض المسرحي الذي اتكأ على الاداء التمثيلي والحركي العالي وثراء عناصر السينوغرافيا، وقوة النص العاطفية والتعبيرية مقتربا من مسرح ما بعد الدراما، استهل مشاهده بثلاث شخصيات نسائية تموضعت احداهن على كرسي في بقعة اضاءة بيضاء بمنتصف الخشبة وادتها المخرجة الممثلة لارا حتي بوصفها امرأة مسنة تسرد في “برولوغ” ذكرياتها المؤلمة كامرأة، الى الجمهور وشخصيتي فتاتين تموضعت احداهن جاثمة على يمين منتصف الخشبة ملقية برأسها على منضدة صغيرة ليست ببعيدة عن شخصية “المسنة” في الوقت الذي تموضعت اخرى على يسار الخشبة ليست ببعيدة عنها.
 
وفقت المخرجة/الممثلة في طرح قضايا المرأة في اسلوبية سردية محكمة التعبير اعلت من قيم الحب وتنقلت فيه بين الذكريات والراهن في حياة المرأة وتداعيات ما عايشته بينهما، دون اغفال اسقاطات لموروثات اجتماعية، وسياسية وعقائدية، وفي ادارة منسجمة لزميلتيها من فريق التمثيل عبير الصياح وايليسا عقيقي في ادائهما العالي.
 
النص المنطوق الذي جاء في مونولوجاته وديالوجاته ومقاطعه الغنائية مزجا بين المحكية اللبنانية والفصحى وبعض الفرنسية، حمل في طياته تعبيرات ودلالات الالم عبرت عنها الممثلات الثلاث في حكايا بعضها استرجاعي والاخر من الواقع المعاش فيما جاء النص غير المنطوق الذي رافق العرض عبر العرض البصري الذي وظفته المخرجة، من على ستارة بيضاء تسدل وترتفع بحسب مقتضيات استخدام العرض متساوقا مع المشاهد على الخشبة ومعبرا في صوره عن اعتصامات ومظاهرات تناصر قضايا المرأة في عدد من بقاع العالم.
 
وفقت المخرجة في ضبط حركة الاضاءة المتغيرة التي جاءت مكملة للمشاهد المسرحية ووظفت بإتقان مع اللوحات المسرحية، بالإضافة الى المؤثرات الصوتية كلغة غير منطوقة في التعبير عن المضامين والمحمولات لاسيما مزج خيوط الاضاءة العلوية بألوانها الحمراء والزرقاء الى الخشبة علاوة على دقة تزامن الاضاءة البيضاء من عمق الخشبة بشكل “فلاشات” سريعة معبرة عن البرق لتأتي بعد مؤثر صوتي لهدير الرعد في تعبير عن شتاء قاس على خشبة سادها شبه التعتيم معظم العرض تعبيرا عن ظلامية الحالة التي تعايشها المرأة.
 
وفقت المخرجة في ربطها لحياكة السنارة غير المنتهية، الذي تقوم به شخصية المرأة المسنة مع حياكة سردية آلام وقضايا المرأة التي لا تجد سبيلا للحل، علاوة على الملابس الفضفاضة بنية اللون بقتامتها والتي تكشف في مشاهد اخرى عن ملابس اكثر تحررا في لحظات استرجاع الذكريات لتعبر عن الزهد والرهبنة ورغبة الاقصاء الذاتي عن الحياة اليومية لممارسة الامان الجواني في نأي عن قسوة الشتاء في العالم الخارجي بعد تجارب مريرة، بالإضافة الى الشجرة المتموضعة على منتصف يسار الخشبة والتي لا تنمو ولا تزهر لتمثل نموذجا لما آلت اليه شريحة كبيرة من النساء نتيجة ما عانينه من آلام.

———————————————————-
المصدر : مجلة الفنون المسرحية – مجدي التل – بترا

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.