عبد القادر علّولة: 22 سنة اغتيال – الجزائر

بعد 22 عاماً على رحيله، لا يزال عبد القادر علّولة (1939 – 1994) حاضراً في المشهد المسرحي الجزائري، ببُعدَيه الفني والإنساني: ككاتب ومخرج وممثّل مبتكر وذي رؤية عصرية ترك بصمات جليّةً على تاريخ الفن الرابع في بلاده، وكفنّان ظلّ منتصراً للقيم الإنسانية، هو الذي اغتيل ذات عاشر من آذار/ مارس، بينما كان في طريقه لحضور اجتماع لجمعية تنشط في مساعدة الأطفال المصابين بالسرطان.

لاستعادة مسار علّولة وتكريماً له، نُظّم في آذار/ مارس 2014، في مدينة وهران، غربي الجزائر، ملتقىً يحمل اسمه، بمناسبة الذكرى العشرين لاغتياله، تحت شعار “علّولة: عشرون سنة من بعد”.

ابتداءً من الغد، وعلى مدار ثلاثة أيام، يعود الملتقى في دورة ثانية يستضيف فعالياتها “المسرح الجهوي” في وهران، الذي يحمل اسمه أيضاً، وتشارك فيها سبع فرق مسرحية وموسيقية تقدّم عروضاً مستلهمة من أعمال المسرحي الراحل.

كما تُقدَّم، خلال الملتقى، ثلاثة عروض أخرى في المسرح والموسيقى والرقص، هي حصيلة ثلاث إقامات إبداعية نُظّمت منذ الخامس من آذار/ مارس الجاري، وجميعُها مستلهم من فصل “عكلي ومنور” من مسرحية “الأجواد”، إحدى أبرز أعمال علّولة.

وقال منظّمو الملتقى، الذي اتّخذت دورته الجديدة من إحدى مقولات علّولة شعاراً لها: “إني أعطي للأذن ما ترى وللعين ما تسمع”، إنهم فضّلوا الانفتاح على مختلف الفنون، حتى لا يقتصر الملتقى على المسرح.

يُفتتح الملتقى بعرض لفرقة “الحلقة” التابعة لـ “المقهى الأدبي” في محافظة سيدي بلعباس، والتي قدّمت واحداً من أبرز عروض الدورة السابقة، بعنوان “الحلقة الأخيرة”. كما يُنظَّم معرضان فوتوغرافي وتشكيلي بعنوان “القصبة والقلّال” (اسما آلتي موسيقى محلّيتين).

وبحسب المنظّمين، فإن الدورة الجديدة “ستسمح للممثّلين الشباب وهواة المسرح والكتّاب المسرحيين المستقبليين باكتشاف روح الإبداع وتقنيات المسرح المميّزة لدى علّولة، والتعرّف أكثر على تجاربه التي أعطت المسرح الجزائري بُعداً خاصّاً، واستلهام أعماله بأبعادها المتعدّدة، كما تقرّبهم من جوانبه الإنسانية من خلال شهادات أقاربه وأصدقائه”.

وُلد علّولة في الثامن من يوليو/ جويلية 1939 في مدينة الغزوات، بمحافظة تلمسان، غربي الجزائر. بدأ اهتمامه بالمسرح في سن مبكّرة، حيث قاده ذلك إلى ترك دراسته والسفر إلى وهران للالتحاق بفرقة مسرحية هاوية أتاحت له المشاركة في دورات تدريبية وتقديم عدد من الأدوار الثانوية.

سنة 1962، قدّم مسرحية “الأسرى” المقتبسة عن قصّة للمؤلّف الروماني بلوت، وكان حينها ينشط ضمن الفرقة الوهرانية. وابتداءً من السنة التي تلتها، انضمّ إلى “المسرح الوطني الجزائري مع تأسيسه (1963)، وقدّم معه عدداً من المسرحيات؛ من بينها: “أبناء القصبة” مع عبد الحليم رايس ومصطفى كاتب، و”حسن طيرو” مع أحمد عياد (رويشد) ومصطفى كاتب، و”ورود حمراء من أجلي” و”ترويض المرأة الشرسة” لـ علّال المحب. وفي 1965، شارك في مسرحية “الكلاب” الحاج عمر.

في مجال الإخراج، قدّم علوّلة عدداً من المسرحيات؛ من بينها: “الغولة” (1964)، و”السلطان الحائر” (1965) عن نصّ لـ توفيق الحكيم، و”النقود الذهبية” (1967) و”نومانس” (1968)، و”الأعماق السفلى” (1982) عن نص لـ غوركي.

كما ألّف وأخرج مسرحيات من بينها: “العلق” (1969) و”الخبزة” (1970) و”حمّام ربّي” (1975) و”حوت ياكل حوت” (1975)، إضافةً إلى ثلاثيته الأبرز: “القوال” (1980) و”الأجواد” (1984) و”اللثام” (1989)، و”التفّاح” (1992).

ومن اقتباساته للمسرح: “حمق سليم” (1972) عن “يوميات مجنون” لـ غوغول و”أرلوكان خادم السيدين” (1993) عن نص لـ غولدوني. كما اقتبس عام 1990 خمس قصص للكاتب التركي عزيز نسين؛ هي: “ليلى مع مجنون” و”السلطان والقربان” و”الوسام” و”شعب فاق” و”الواجب الوطني”.

إلى جانب المسرح، كانت لـ علّولة أيضاً مساهمات في السينما؛ إذ كتب سيناريو فيلمي “غورين” (1972) و”جلطي” (1980)، وشارك في أفلام أخرى؛ من بينها: “الكلاب” (1969) و”الطرفة” (1971) لـ الهاشمي الشريف، و”تلمسان” (1989) لـ محمد بوعناني و”حسن النية” (1988) لـ غوتي بن ددوش و”جان بورزق” (1990) لـ بابا عيسى عبد الكريم.

وظّف علّولة التراث المحلّي والمغاربي والعالمي في أعماله، وكان هدفه في ذلك هو استكمال مسرح جزائري بقيمة عالمية. كما أولى اللغة العامية اهتماماً خاصّاً، باعتبارها “اللغة الأنسب للمسرح”. وفي الوقت نفسه، عمل على تحديث وتطوير تقاليد “القوّال” و”الحلقة”، ضمن تجربة اعتمدت على اللغة الشعبية واتّخذت من الأسواق والأماكن العامّة فضاءً لها، وأسفرت عن ثلاثيته البارزة.

أحدث علّولة قطيعةً مع نظريات المسرح الأرسطوطاليسي الذي يأخذ فيه المتفرّج موقفاً سلبياً، حيثُ استدعته أعماله إلى المشاركة في العرض الذي يوظّف جميع عناصره ليكون تفاعلياً وحيّاً.

يمثّل علّولة نموذج مشروع مسرحي متكامل. لكن المشروع توقّف في العاشر من آذار/ مارس 1994، حين اغتالته الجماعات الإرهابية وهو متّجه في سهرة رمضانية لاجتماع تنظّمه جمعية مساعدة الأطفال المصابين بالسرطان، ورحل بعد أربعة أيام من ذلك، تاركاً المسرح الجزائري للمحسوبية والمناسباتية.. اغتيل علّولة وترك مسرحاً يُغتال كلّ يوم.

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.